فيروس كورونا

محطات راديو رافقتني عزلة الحجر المنزلي

قام عدد من الشباب العرب بتأسيس إذاعات تبث من المنازل خلال فترة الإغلاق والحجر بسبب فيروس كورونا
17.5.20
florencia-viadana-6soR1lkaAH4-unsplash

بعد أن ضربت جائحة كورونا العالم، أعلنت الدول الحجر المنزلي القسري وأغلقت قطاعات كبيرة في العمل مع منع السفر والتنقل، دخل العالم في عزلة استمرت لشهور. بالنسبة للبعض، كان هذا الحجر فرصة للقيام بمبادرات شبابية جديدة منها مثل إطلاق راديوهات تعمل عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم إعادة إحياء قيمة الراديو كوسيلة للترفيه وسماع الموسيقى وتبادل الرسائل وطلب الأغاني وفتح باب للنقاش في قضايا ومواضيع اجتماعية. لقد وجدت في هذه المبادرات نشاطات إبداعية ومسلية ترافقنا في عزلة الحجر، وامتلئتُ بالنوستالجيا، لأنها عادت لي شعوري أثناء استماعي للراديو مع أبي وقت انقطاع الكهرباء عندما كنت في غزة. قررت التحدث مع أصحاب هذه المبادرات، وكانت البداية، من العاصمة الألمانية برلين مع "حمّام راديو" وهو مشروع نسوي تطوعي يتحدث بلسان النساء إنطلاقاً من إيمان ناشئات المنصة رشا حلوة وعبير غطاس بأصوات النساء في العالم وحقهن في الحديث عن أنفسهن وعن تجاربهن وأجسادهن. ويأتي إطلاق هذه الراديو في وقت حرج، حيث ارتفعت نسبة هذه الجرائم ضد النساء تزامناً مع الحجر المنزلي الذي يعيشه العالم في هذا الظرف الاستثنائي.

1589702595691-RashaHilwi

رشا حلوة المؤسسة المشاركة، راديو حمام -الصورة مقدمة منها.

في حديثي مع رشا، تخبرني أن تسمية الراديو بـحمّام، جاءت بهدف إستعادة لذكريات الحمامات الشعبية النسائية في الثقافات العربية والفارسية والتركية التي كانت تجمع النساء في حالة من الراحة و التفريغ النفسي بجانب الاهتمام بأجسادهن وتنظيفها، وتضيف: "ما نريده من هذا الراديو، هو أن تكون المرأة داخل هذا الفضاء الصوتي عارية بأفكارها وأحلامها ونقاشاتها ومخاوفها، دون أن تشعر بأنها مُراقبة فهي تستطيع التحدث والتعبير عبر منصة افتراضية في فراشها وبمطبخها وبعملها في البيت وخارجه."

يعتمد حمّام راديو على ويب سايت معين تنطلق منه الموسيقى والدردشات النسوية وبرامج ثقافية موفرة باللغة العربية بكل لهجاتها، وتدير المنصة مجموعة من النساء اللاتي يكتبن نصوص البرامج، وإدارتها تقنياً وتصميم البوستات ونشرها عبر صفحة الراديو على انستغرام، وتخبرني رشا حلوة عن تنوع مواضيع البرامج: "نتحدث عن الأمومة، وعن مواضيع سياسية من وجهة نظر المرأة في ظل سيطرة الرجل على المناصب السياسية بالعالم، وحلقات تتحدث عن الأبراج والكواكب بشكل ساخر ومسلي. وهناك حلقات تتحدث فيها النساء عن علاقتهن بأجسادهن وأعضائهن الأنثوية، والقمع المجتمعي والنظام الأبوي الذي يتحكم في ممارستهن حريتهن، تُبنى هذه البرامج على دراسات وأبحاث تختص بشؤون المرأة."

ما نريده من هذا الراديو، هو أن تكون المرأة داخل هذا الفضاء الصوتي عارية بأفكارها وأحلامها ونقاشاتها ومخاوفها، دون أن تشعر بأنها مُراقبة فهي تستطيع التحدث والتعبير عبر منصة افتراضية في فراشها وبمطبخها وبعملها في البيت وخارجه

عبرت رشا حلوة عن سعادتها وفخرها بوجود راديو حمّام الذي سهل حياتها في الحجر المنزلي، وعرفها على نساء مهمات وقصص ملهمة لنساء يتقاطعن بنفس التجارب والأحلام والمخاوف، كما شعرت بالمسؤولية تجاه كل النساء اللاتي تواصلن معها داعمات لفكرة الراديو، وتضيف: "أتمنى استمرار عمل هذه المنصة حتى بعد انتهاء فترة الحجر المنزلي، وبقاؤها منصة آمنة لأصوات النساء وحافظة لحكاياتهن ومخاوفهن."

من لبنان، إنطلق راديو كارنتينا، كمنصة فنية انطلقت من اليوم الأول لإعلان الحكومة اللبنانية الحجر المنزلي في شهر مارس، يعتمد على تطبيق الساوند كلاود وصفحة فيسبوك وحساب انستغرام، تواصلت من خلاله مع الفنان نصري الصايغ، مؤسس المنصة. يخبرني نصري أنه يتفاعل مع جمهوره ويستقبل الصور والفيديوهات ومايطلبه الجمهور من موسيقى ومقاطع أفلام ومسرحيات وإعلانات، من ثم يقوم بالبحث عنها ودمجها مع موسيقى عصرية، يقوم بعدها بتحميله على ساوند كلاود بتسميات معينة يعرفها الجمهور، مثلاً Radio Karantina Day One.

1589702644358-WhatsApp-Image-2020-05-14-at-15324-PM

مؤسس راديو كارنتينا في لبنان، نصري الصايغ - الصورة مقدمة منه.

ويضيف نصري: "راديو كارنتينا لا يحمل المعنى الحقيقي لكلمة "راديو" ولا يعتمد على بث حي، بل على تسجيلات صوتية أنتجها وأعيد نشرها على حسابنا بساوند كلاود، أحاول التعبير عن الراديو من خلال الشعور برسالته المرتبطة بالصوت وتأثيره علينا. نحن نسمع نفس الموسيقى ونتحدث عبره عن تجاربنا ونطلب ما نريد الاستماع له، وكأننا تحت سقف واحد." ويشير نصري إلى أنه تفاجأ بتفاعل الناس مع فكرته وتواصل صحافة محلية ودولية معه استفساراً عن مشروعه بعد أن كان يستهدف فيه عائلته وأصحابه.

ويتابع نصري حديثه: "أنا أحب الراديو، لأنه ميديا غير محدودة، بيصحي في عقلك أفكار كتيرة، بيخليك تتخيل الصور وتتذكر أشياء حلوة. الراديو كنز ثمين في عصر الصورة يلي حدت من حرية خيالنا ورسمنا للأشياء. ما في ببيتي تلفزيون وما بحبه لأنه بيحسسني بالملل وتنفيذ فكرة الراديو كتير سهلة، لكن كنت بعاني من بطئ الانترنت، الانترنت ببيروت بيقهر وبيشيب الشعر."

إعلان

يشعر نصري بالفخر بعد كل رسالة تصله من محجورين داخل بيوتهم وفي أماكن عملهم، ويستذكر لنا رسالة من ممرضة تونسية تعمل في مستشفى للأطفال بتونس تشكره فيها على ما يذيعه عبر الراديو وتقول: "خففت عني وحشة الليل وجعلته أقل خوفًا وأنا عم اسمع هالتسجيلات الموسيقية." أما عن استمرار الراديو بعد إنهاء الحجر، يقول نصري: "ما أحببته في هذه التجربة هو تفاعل الأشخاص والأصدقاء مع راديو كارنتينا، دعمهم شعرني بالمسؤولية ودفعني للتفكير بتحويل المشروع لإذاعة راديو حقيقية، ربما فيما بعد."

فكرة الراديو أون لاين امتداد للمساحة الثقافية التي وهبنا إياها الراديو التقليدي، فهو فضاء جمعي حر يهدف إلى إنتاج معرفي وثقافي وفتح آفاق للتفكير والتواصل مع العالم بشكل أوسع

من فلسطين، انطلق "راديو الحارة" في مارس مع بداية الحجر المنزلي والإغلاق، بفريق مكون من خمسة أصدقاء من رام الله وبيت لحم والعاصمة الأردنية عَمان، تختلف تخصصاتهم وأعمالهم من هندسة عمارة وتصميم وفن وموسيقى وإدارة مؤسسات ثقافية. راديو الحارة، كما يشير على موقعه "بكمل على حرف ال ح في اسم راديو الحي وراديو الحومة، وبستلهم الفكرة منهم ومن الملل العام وعدم معرفة شو عم بصير أو رح يصير بهادا العالم… وهو كما مبني ع مشروع راديو كوارتيرة من ميلان." يبث الراديو بعض برامجه من برلين ولندن وحيفا وتونس.

ويقول الفريق الذي أجاب على أسئلتي كأنهم شخص واحد: "أن فكرة الراديو أون لاين امتداد للمساحة الثقافية التي وهبنا إياها الراديو التقليدي، فهو فضاء جمعي حر يهدف إلى إنتاج معرفي وثقافي وفتح آفاق للتفكير والتواصل مع العالم بشكل أوسع. هذا الراديو يعزز فكرة العمل الجماعي ومشاركة الناس اهتماماتهم،معظم برامجنا هي من اقتراح وإنتاج المستمعين."

1589702722315-

مؤسسي راديو الحارة في فلسطين: سعيد أبو جابر، مثنى حسين، إلياس أنسطاس، يوسف أنسطاس، يزن الخليلي

راديو الحارة هو مشروع تطوعي عفوي، لا يستند لدعم مالي، ويشير الفريق الذي يضم كل من: سعيد أبو جابر، مثنى حسين، إلياس أنسطاس، يوسف أنسطاس، ويزن الخليلي إلى أن دعمهم الحقيقي هو محبة الجمهور وتفاعلهم مع الراديو ويضيفون: "رصيدنا الوحيد هو الإنتاج الثقافي والمعرفة التي تتوسع كل يوم، لقد استخدمنا الوقت الطويل في العزلة للتعرف على كيفية حل المشاكل التقنية التي نواجهها بالبث، وكيف نطور من نوعية البرامج المقدمة بمشاركة المستمعين، ونعمل على استمرار الراديو بنيوياً وفكرياً حتى بعد انتهاء الحجر."

تتنوع برامج راديو الحارة من دردشة وموسيقى وحوارات مع مختصين، مثلاً تم استضافة رجا الخالدي وهو كاتب وباحث اقتصادي فلسطيني ضمن برنامج "لحظة هيلوكبتر،" وبرنامج "الفونابوليست" للحديث عن التحرر من الاستعمار، إضافة إلى برنامج عن الطبخ "صباح الياسمين" للحديث عن الأكلات الفلسطينية وأبعادها السياسية والثقافية مع الشيف فادي قطان، وبرنامج "جلسة سمع مع ريم شديد" تستضيف فنانين يتحدثون عن انتاجاتهم الصوتية.

خلقنا مساحة حرة للحديث عن مواضيع كتيرة بتهم الشباب

من الأردن، انطلقت منصة "راديو مايكرو" من عَمان، والتي بدأت بالعمل في شهر ديسمبر 2019 مع بداية انتشار فيروس كورونا، ببرنامج واحد أسبوعياً يُبث يوم الجمعة، يستضيفون فيه موسيقيين وفنانين ومنتجين و مصممين للحديث عن الفن والموسيقى ومشاريعهم وأعمالهم بحوار لطيف دون رسمية. تقول دانة، التي تواصلت معها عبر واتساب إحدى مؤسسين الراديو :"عملنا في راديو مايكرو، فتح لنا ولغيرنا أبواب المعرفة في مجالات مختلفة، واكتشفنا مواهب فنية في الأردن حتى صاروا جزء منا. كمان خلقنا مساحة حرة للحديث عن مواضيع كتيرة بتهم الشباب معتمدين على الشات بوكس يلي بيتناقشوا فيه المستمعين عبر الويب سايت الخاص بالبث، خلال اللايف الإذاعي."

1589702886967--

دانة وشرف مؤسسي راديو مايكرو من الأردن.

ويضيف شرف، مؤسس الراديو، أن ما دعم مشروعهم وساعد بانتشاره هو مكوث الجميع في الأردن ببيوتهم خلال الأغلاق والحجر ويقول: "كان هناك عطش لأي شيء يغير من الروتين اليومي خلال الحجر المنزلي، ولهذا حاولنا أن نقدم شيئاً جديداً ومختلفاً." تحتضن مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة المنصة، إذ تعمل من خلالها باستديو في جبل عمان، ويعمل القائمين في المنصة على تقديم معلومات ومواضيع تهم المستمعين، سواء فيما يتعلق بالصحة من خلال استضافتهم لمختصين للحديث حول فيروس كورونا، أو معلمين للحديث عن التحديات وتقديم نصائح عن كيفية التعامل مع التعليم الالكتروني عن بعد للطلاب والمعلمين، أو فقط الترفيه عن النفس من خلال الموسيقى.

لقد شكّل الراديو حدثاً استثنائياً في العالم منذ ظهوره في بداية القرن العشرين، فقد دخل على البيوت وكسر عزلتها، ووصل إلى القرى النائية والمعزولة في زمنٍ كانت فيه الأخبار والصحف موجهة لفئة النخبة. على الرغم من كل ما خسرناه، أشعر أنه لا بد أن نشكر كورونا الذي أخرج الكثير من الإبداع والمواهب خلال فترة الحجر المنزلي.