حياة

هل يمكن للمجتمع أن يحقق القيم الانسانية بدون دين؟

تحدثنا لعدد من الشباب عن سبب تغير علاقتهم مع الدين وهل يرون أنه ضروري لتكون شخصاً جيدًا وأخلاقياً
4.8.20
god gap

Photo by Cherry Laithang on Unsplash

لا يزال الدين يزال يلعب دوراً مهماً في حياة الناس، على الرغم من أن الايمان بالله بالنسبة للبعض ليس مرتبطاً بالأخلاق والقيم الحسنة، وذلك بحسب دراسة بعنوان "فجوة الله العالمية" صدرت عن مركز الأبحاث الأمريكي PEW. وشملت أكثر من 38 ألف مشارك من 34 دولة حول العالم، من بينها لبنان وتونس. اكتشفت هذه الدراسة أن الدين لا يزال يلعب دوراً مهماً في حياة 62٪ من المشاركين، ولكن كان المشاركون من الدول ذات الدخل القومي المنخفض أكثر تمسكاً بالربط بين الأخلاق والاعتقاد بوجود الله. في لبنان، كانت نسبة الموافقين على أنّ الايمان ضرورة أخلاقية أقلّ بين ذوي الدخل المرتفع، وإن بفرق ضئيل عن ذوي الدخل المنخفض. كذلك الأمر في تونس حيث بلغت نسبت الموافقة على الإيمان كقيمة أخلاقية 90٪، بين ذوي الدخل المنخفض.

إعلان

قد يكون الدخل عامل مؤثر على علاقتنا بالدين ودوره بحياتنا وأخلاقنا. ولكن الإيمان موضوع معقد. الدراسات والأشخاص الذين يجيبون عليها أحيانًا لا يقولون كل الحقيقة. في مرحلة ما في حياتنا، يحدث أن تراودك الشكوك والتساؤلات حول بعض الأمور المتعلقة بالدين ووجود الله. البعض قد يخرج من هذه المرحلة أكثر إيماناً واقتناعاً، والبعض الآخر قد يخرج أكثر ابتعاداً عن الدين.

ليس من السهل الحديث عن الدين والإيمان، فالعديد يخاف من التعبير عن آرائهم الحقيقية خوفاً من ردة الفعل والتي قد تصل أحياناً للقتل. ولكن هذا لا يعني أنهم غير موجودين. تحدثت مع عدد من الشباب عن اللحظة التي تغيرت علاقتهم مع الدين وارتباط ذلك بالأخلاق وكيف يُعبرون عن أنفسهم في مجتمع عربي متدين بمعظمه.

دنيا، 24، فلسطين

VICE عربية: كنت محجبة، والآن أنت غير ملتزمة دينياً، كيف حصل هذا التحول؟
صحيح، تحجبت لسنوات، وكان قراري الشخصي، لم يتم فرضه علي أو أي شيء، كنت أشعر أنني بذلك أقترب من الله، وكنت سعيدة بحجابي، ولكن بعد تخرجي من الجامعة والعمل والتعرف على أشخاص مختلفين والتحدث والنقاش عن كل شيء ولا شيء، بدأت قناعاتي تتغير وبدأت بقراءة كتب عن الدين والفلسفة وشعرت أن عالمي يتوسع. وفي لحظة ما، لا أعلم بالتحديد ما حصل، في لحظة ما قررت خلع الحجاب، لم أعد أشعر بذلك القرب مع الله.

ولكنك تؤمنين بوجود الله؟
طبعاً وجداً، وهذا صعب أن يتغير، لكنني لا أعتقد أن الأديان هي تمثيل لرغبة الله. هناك الكثير من الأمور التي اختلف معها سواء فيما يتعلق بالمرأة والتعامل معها كأنها أقل، أو النظر الى الأشخاص الآخرين من أديان أو حتى مذاهب أخرى بأنهم على خطأ وغيرها من الأمور. المريح أن والدي يعلم عن قناعاتي ويوافقني في معظمها، ولكننا نخفي الأمر عن والدتي، وطبعا العائلة الأكبر. لا أعتقد أن والدتي ستمانع إن أخبرتها، ولكنها لم تكن سعيدة بخلعي الحجاب، ولا زالت تقوم بالدعاء لي "أن يملأ الله قلبي بالإيمان."

إعلان

أنت لا ترين أن الدين ضروري لتكون شخصاً جيدًا وأخلاقياً؟
برأيي أن الدين لا ينفصل عن الأخلاق. جميع الأديان هي أخلاقية بالضرورة، وإن كانت هذه الأخلاقيات تتغير مع الزمن. وهذه هي المشكلة، الدين ثابت والإنسان متغير، ولهذا فقد تكون شخصاً متديناً ولكنك ظالم، أو مؤذي. وقد تكون لا دينياً ومستعد أن تضحي بنفسك في سبيل حماية أو دعم أو الدفاع عن الآخرين، حتى لو كانوا ضدك. في هذا العالم، الدين لا يحدد أخلاقياتك، الكثير قد يتفقون معي بأن أكثر العالم تديناً هم بالعادة أكثرهم عنصرية وتحيزاً وعنفاً ورفضاً للإختلاف. أين الأخلاق في عدم حماية المختلف والمضطهد والأقليات لأنهم من دين مختلف أو لأنك تختلف مع آرائهم؟

محمود، 21، العراق

كيف تغيرت علاقتك بالدين، ماذا حدث؟
في مرحلة الثانوية العامة، وجدت نفسي محاطاً بالكثير من أقراني الذين كانوا يعلقون آمالاً كبيرة على الله، فهم يسألونه النجاح في الحياة، والحصول على علامات ممتازة، والدخول إلى الجامعات التي يريدونها، أو حتى الدعوة لعدم مجيء الأستاذ يوم الامتحان ليتم تأجيله بسبب عدم استعدادهم. ومع مرور الوقت، تبين أن أكثر أدعيتهم، المعقولة منها واللامعقولة لم تتحقق، في حين أن الدراسة والمثابرة هي وحدها من أثبتت نفسها وحصل أصحابها على ما طمحوا اليه. كانت هذه بداية تشككي ومرحلة التخلي عن الإيمان.

كيف تتعامل كونك لا ديني في محيط متدين؟
أنتمي إلى عائلة محافظة ومتدينة، تؤمن إيماناً قاطعاً بوجود الله وترى في غيرهم أو من يخالفهم شخصا كافراً وفاسداً. لهذا لا أناقش قناعاتي معهم، اضطررت للبحث عن شخص أناقشه ولم أجد غير أخي، وهو بدوره شخص متدين لكنه يفسح لي بعض المجال لمناقشته، مع أنني لا أسلم من انتقاده الدائم لطريقة تفكيري ومحاولاته المتكررة لدحض حججي. كوني لا ديني هو أمر صعب حتى في أبسط الأشياء، فأنا أجد نفسي محاصراً طول اليوم وملزماً بقول أشياء لا أؤمن بها قطعاً لكني تعودت على ترديدها بتلقائية.

إعلان

ما هي هذه الأشياء؟
مثلا أرد على من يسأل عن أحوالي بأنني بخير الحمد لله، أو للتأكيد على أني أقول الحقيقة أجدني أحلف بالله، ومثلاً بعد أن أعطس أتلقى عبارات من قبيل رحمك الله والاجابة عنها بشكراً يقابله استنكار من الطرف الآخر، بدلاً من أن أقول مثلاً يرحمنا ويرحمكم. أجد نفسي مرغماً على التلفظ بأمور كثيرة لا أؤمن بها، اختلاف معتقدي عن المحيطين بي يجعل مني شخصاً منبوذاً.

هل ترى الدين كقيمة أخلاقية مهمة في حياتنا؟
أنا أعيش حياتي كما أريد، نجاحاتي هي ثمار جهودي، وفشلي هو بشكل منطقي ناتج عن عدم استعدادي أو تكاسلي، ولا أرى أن هناك أي عامل قد يغير في هذه المعادلة. أرى أن إنسانيتنا وحدها كفيلة لتمكننا من العيش داخل مجتمع تسوده القيم والأخلاق.

عمر، 29، الأردن

كعالِم، هل ترى أن العلم بالضرورة لا يتوافق مع الدين؟
بعد مسار علمي كباحث في العلوم الفيزيائية، وجدت نفسي أتعامل مع نظريات، ومعادلات علمية جعلني في غنى عن أي بديل آخر، ولا سبيل إلى ربطها بالدين أو آلهة خصوصاً أنه كلما تمعنت بالأمر، ترى أن صورة الآله أنها لم تحضر على شكل واحد، بل لقد تعددت واختلفت باختلاف الحضارات. في كل فترة، نجد أن الآلهة أخذت وصفاً يناسب قالب تلك الحضارة. في عصور الظلام، كان الإله يتخذ شكل النار، وعندما بدأ الانسان يتقن الحرف اليدوية ظهرت لنا آلهة منحوتة، وفي وقت آخر طغت فيه فلسفة التأمل، وجد البشر إله يتربع على عرش في السماء. لذا أقول أن في عصرنا هذا وعلى غرار كل هذا التطور الخارق والسريع في العلوم والتكنولوجيا، فأنا والعديد من العلماء نؤله العلم فقط.

هل من الصعب التعبير عن معتقداتك بشكل منفتح؟
بشكل عام، أنا لا أناقش مسألة التدين، لأنها مسألة شخصية. ولكن نوعية الأشخاص المحيطين بي هم أشخاص لديهم ثقافة الاختلاف ومعرفة واسعة ودراية بالعديد من العلوم ويؤمنون بحرية المعتقد وبأنها مسألة وتجربة تخص صاحبها وحده.

عبدالله، 26، المغرب

ما هو الإيمان بالنسبة لك؟
بعد الكثير من البحث والدراسة في كل ما يتعلق بالدين والمعتقد، وكل تلك الأسئلة التي تدور حولهما، قمت بتصحيح معنى الإيمان لدي. كنت أجد نفسي في كل مرة أسقط في تناقضات مع شخصي، كان هناك صراع مؤرق، بين ذات منطقية لا تقبل إلا بالحقائق وبين تلك الذات المحتاجة للدين والإيمان، لإيجاد تأويل لكل التناقضات التي تتضمنها الحياة.

ماذا تعني؟
أنا لا أنكر وجود خالق لكل هذا الكون، لكنني لا أؤمن بالأديان لأنها في رأيي نتاج بشري متطور ومعقد تشترك فيه عدة عوامل اجتماعية، وسياسية، واقتصادية. لقد بذلت الكثير من الوقت في بحث ودراسة الأديان بصفة عامة ويرجع الفضل الأكبر للعلوم الإنسانية وبالخصوص علم النفس بحكم أنه تخصصي الجامعي، فقد ساعدني على فهم ومعرفة ميكانيزمات العقل البشري. ليس من حقي أن أفرض على الكل التجربة الدينية أو الإيمانية للوصول إلى ذواتهم، لكن الدين هو وسيلة من الوسائل التي تتيح للإنسان تحقيق ذاته، وهناك من يستشعر ذاته ويصل إليها من خلال التأمل، أو العلم، أو الرياضة… الدين سبيل واحد من بين العديد من السبل وليس الإجراء الوحيد لتحقيق الإنسان ذاته.

إعلان

ولكن هل يمكن للمجتمع أن يحقق القيم الانسانية بدون دين؟
في رأيي الشخصي، من الواجب طرح تساؤل حول مفهوم القيم والأخلاق قبل أن نحدد إن كان من الواجب حضور الدين لإنتاجها. فعلى سبيل المثال، في مجتمع الميم سنجد أن الجنس لا يحضر في أوساطهم كقضية تتطلب بعداً أخلاقياً، في حين أنه وفي مجتمع يرفض المثلية الجنسية سنجده يصنف ما يسمى حرية فردية في مجتمع الميم على أنها فعل منبوذ يستوجب حكماً أخلاقياً. فإذا كان الحديث عن القيم الإنسانية الكونية والمتفق عليها عالمياً، فلا دخل للدين فيها ويمكن انتاجها فقط بتظافر مكونات المجتمع، أما إذا كان النقاش حول قضايا وقيم تختلف من مجتمع لآخر لكونها عرفية أو متعلقة بمسائل اجتماعية ثقافية فلا يمكن للمجتمع وحده إنتاج تلك القيم أو الوصول لها، لأنها تبقى نسبية ومتغيرة بتغير طبيعة وتكوين البيئات والمجتمعات.

هل تجد مكاناً للتعبير عن هذه الأفكار في مجتمعك؟
لا، إنه أمر صعب خصوصاً في مجتمع تشوبه التناقضات مثل المجتمع المغربي والذي في رأيي هو مجتمع متشبع بالثقافة الدينية فقط، وليس مجتمعا متديناً. مثال على ذلك؛ أغلب المتدينين يقومون بأفعال وأقوال، تعتبر في حد ذاتها ليست من الدين، لكن ولأن الوعي الجمعي تأقلم مع هذه الأشياء، فقد باتت عادية. ولكن لحظة تبنيك لموقف مختلف قليلاً، ستجد أن غالبية المجتمع يقفون ضدك. عائلتي مثلاً تحترم طريقة رؤيتي للأمر، لكني لا أنكر وقوع اصطدامات عند حدوث تعارض مباشر في الأفعال. وهنا سنجد التناقضات التي تحدثت عنها عند غالبية الأسر المغربية. فعندما يصبح أو يكون الفرد "الكافر" بالنسبة لهم قد حقق استقلاليته المادية وهو المعين لهذه الأسرة، يتحول ذلك الاصطدام إلى دعاء بالهداية والتوفيق والصلاح.

إعلان

مازن، 23، سوريا

هل نحتاج للإيمان للعيش بتناغم مع أنفسنا؟
سألت نفسي هذا السؤال كثيراً. عند بلوغي سن 20 بدأت بالتفكير بمعنى الإيمان وحاجتنا للدين وعلاقة ذلك بالأخلاق والفضائل. قمت بقراءة الكثير من الكتب ومشاهدة العديد من المناظرات والمحاضرات المتعلقة بهذا الموضوع، واقتنعت بالحقائق المنطقية التي تقول أن الأديان هي من صنع البشر ومرتبطة بالإيديولوجية التي عاصرتها.

هل لديك الحرية للتعبير عن آرائك هذه؟
لا علم لأي أحد من أفراد عائلتي بأنني ملحد. أسرتي هي نسخة مصغرة عن البيئة والمجتمع الذي أعيش داخله، لهذا أجد نفسي مضطرًا بين الفينة والأخرى إلى الكذب. نحن نعيش في مجتمع يرفض أفراده الاختلاف حتى في أبسط الأشياء وأكثرها خصوصية كطريقة اللباس أو قصة الشعر فما بالك إن رأوا اختلافك معهم في شيء يؤمنون على أنه أقدس أمور حياتهم، وسبيل نجاتهم ونجاة البشرية.