إعلان
موت

أسرار حول "انتحار الحيوانات"

أثارت مسألة انتحار الحيوانات اهتمام البشرية على مدار الزمن

إعداد جيسيكا موديت; ترجمة حسين فاروق
2019 08 01, 10:27am

PHOTO VIA SHUTTERSTOCK

كانت أول مرة أسمع عن انتحار الحيوانات كان بعد أن اقتربت من "قرود التارزييه" وهو نوع من القرود الموجودة في الفلبين. هذه الحيوانات الصغيرة جداً والتي تشبه الشخصية الخيالية في عالم أفلام حرب النجوم "يودا" هي كائنات ليلية تكره الإزعاج والتواصل مع البشر. والمأساة في الأمر هي أن تجد نفسك متعلقا في النهاية بشكل شخصي بأحدهم، مثل ذلك الذي اقتربت منه بداخل ما يسمى "محمية قرود التارزييه" – حيث أنهم يمكنهم أن يقوموا بأنفسهم بضرب رؤوسهم الصغيرة في سياج القفص حتى يموتوا، بالطبع، اكتشفت هذا فقط بعد أن غادرت المحمية. وشعرت بالفظاعة.

ليست قرود التارزييه هي الفصائل الوحيدة المُعرضة للانتحار. حيث يعود تاريخ الحيوانات التي تقوم بالانتحار إلى العصور القديمة، فقد كتب أرسطو عن حالة لحصان ألقى بنفسه في الهاوية بعد أن أدرك أنه تزاوج مع أمه دون علم. منذ ذلك الحين، أثار هذا الأمر اهتمام الخبراء في عالم الحيوان ووسائل الإعلام: لا يزال العلماء لا يعلمون ما الذي يحفز مجموعات من الحيتان التي تتمتع بصحة وافرة ليجنحوا بأنفسهم على الشاطئ، كما اكتسبت حيوانات اللاموس مكانة في الثقافة الشعبية من خلال التخلص من حياتها بإلقاء نفسها من أعلى المنحدرات بشكل جماعي.

في الصين في عام 2011، ذُكرت التقارير أن دبًا أسيرًا قام بخنق صغيره ثم قتل نفسه

ولكن يبدو أن الولع بهذا الموضوع في العصر الحديث قد بدأ يظهر في عهد الملكة فيكتوريا بانجلترا، حيث ذكرت مقالة إخبارية في لندن في عام 1845 عن كلب يبدو أنه كان يحاول إغراق نفسه، وذلك بعد أن تم إنقاذه مرارًا وتكرارًا، كان يندفع مرة بعد أخرى وأصر بالنهاية على وضع رأسه تحت الماء حتى انهى حياته. كما أشار عدد كبير من التقارير خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي تم توزيعها تحدثت عن بطة أغرقت نفسها؛ وقطة شنقت نفسها بفرع شجرة بعد وفاة أطفالها.

بالنظر إلى الوقت، بدا أن هذه الأمثلة تدور حول تلك الفكرة الآخذة في التصاعد والتي مفادها أن الحيوانات لديها أيضًا حياة داخلية، ويقتضي ذلك أن نجعلهم بمنأى عن الألم والمعاناة. وهناك المزيد من الحالات الحديثة التي وقعت مؤخراً لحيوانات يُزعم أنها قتلت نفسها، خاصة بعد أن عانت من قسوة التي لا توصف على أيدي البشر. في الصين في عام 2011، ذُكرت التقارير أن دبًا أسيرًا قام بخنق صغيره ثم قتل نفسه بعد أن تعرض الدب الصغير لإدخال قسطرة في بطنه بشكل مؤلم للغاية لاستخراج عصارته الصفراء. وفقًا لشخص يقول إنه شهد تلك الإجراءات البشعة التي تمت في "مزرعة الدب الصفراوي"، وذلك نقلا عن موقع Reminbao.com.

"الدبة الأم خرجت من قفصها عندما سمعت صغيرها يعوي في خوف قبل أن يقوم العامل بثقب بطن الدب الصغير لاستخراج عصارته الصفراء، ولعدم قدرتها على تحرير صغيرها من قيوده، عانقت الدبة الأم صغيرها ثم خنقته في النهاية. وبعد ذلك اسقطت الدب الصغير من يديها، وركضت مباشرة نحو الجدار، لتقتل نفسها."

استخدام مصطلح الانتحار "مشكوك فيه" عندما نتحدث في إطار علمي لأنه يتطلب منّا إثبات نية الحيوان الواعية للموت

تقول باربارا كينغ، عالمة أنثروبولوجيا ومؤلفة كتاب How Animals Grieve "كيف تحزن الحيوانات" إن استخدام مصطلح الانتحار "مشكوك فيه" عندما نتحدث في إطار علمي لأنه يتطلب منّا إثبات نية الحيوان الواعية للموت. وتتسائل: "كيف يمكننا قياس مثل هذا الشيء بشكل موثوق فيه؟"

ومع ذلك، تشير كينج إلى الدلافين باعتبارها أقوى مؤشر على أن الانتحار يحدث في عالم الحيوانات. وتقول إن الدلافين معروف عنها أنها تحبس أنفاسها حتى تموت عندما تواجه موتاً محتوماً بسبب الصيد، أو عندما تكون محبوسة بوحشية: "الدلافين هي أنفاس واعية وهي ذكية للغاية، إلى حد إنها تكون قادرة على التخطيط بطرق معقدة، لذلك ربما يكون الانتحار ضمن عالمهم هو اختيار مُفضل."

كتب الدكتور ديفيد بينا غوزمان من جامعة ولاية سان فرانسيسكو على نطاق واسع حول هذا الموضوع، حيث يعتقد أن الحيوانات قادرة على التدمير الذاتي. ويقول: "هناك أيضًا أدلة على أن الحيوانات لها حياة غنية بالعواطف، وأيضا تجارب في المشاعر السلبية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والحزن الشديد، وما إلى ذلك، والمتعارف عليها عموما كأسباب للانتحار."

ويضيف بينا غوزمان أن بعض الحيوانات الأليفة يمكن أن تموت في الواقع من الحزن عندما تفقد مالكها، تمامًا مثلما نتعرض نحن للاكتئاب عندما تموت حيواناتنا الأليفة: "الحيوانات التي يموت رفاقها من البشر تصبح محطمة من جراء فقد رفقائها من البشر. في بعض الحالات، يغرقون في اكتئاب عميق إلى درجة أنهم يفقدون رغبتهم في العيش، ويتوقفون عن الأكل ويموتون."

الحيوان لا يتخذ قرارًا واعيًا بالموت؛ بالمقابل فإنه يمكن تفسير الأمر بأن الحيوان قد اعتاد على صاحبه لدرجة أنه لم يعد يقبل الطعام من أي شخص آخر

ولكن على الجانب الآخر، يعتقد أنطونيو بريتي، وهو طبيب نفسي في جامعة كالياري، أن هذا يعد إسقاط بشري لنوع محدد من أحزاننا على الحيوانات. وقال لبي بي سي إن هذه الوفيات بين الحيوانات الأليفة يمكن أن يتم ربطها بانقطاع أو اضطراب الترابط الاجتماعي، ويقول: "الحيوان لا يتخذ قرارًا واعيًا بالموت؛ بالمقابل فإنه يمكن تفسير الأمر بأن الحيوان قد اعتاد على صاحبه لدرجة أنه لم يعد يقبل الطعام من أي شخص آخر."

كما يقول خبراء آخرون أن بعض السلوكيات الحيوانية التي تبدو وكأنها انتحار هي شيء آخر تمامًا، خذ الحيتان كمثال: إنها كائنات اجتماعية؛ لذا عندما يمرض أحد أفراد المجموعة ويبحث عن الأمان في المياه الضحلة، يحذو الآخرون حذوه. إنهم لا يفعلون ذلك بالضرورة بنية إنهاء حياتهم.

كما أن اللاموس لا ينتحر - فهذه أسطورة حضرية يمكننا إلقاء اللوم فيها على افلام ديزني. يختار اللاموس الهجرة في مجموعات كبيرة، ويبحثون عن مناطق عيش جديدة وقد يموتون عن طريق الخطأ أثناء هذه الرحلة، مثل السقوط من انحدار شديد أو الغرق في النهر.

مثال آخر غريب هو العناكب، حيث تسمح العناكب الأم أحيانًا لأنفسهم بأن يتم أكلهم أحياء من قبل صغارهم. إنه ليس انتحارًا، ولكنه طريقة لنكران الذات لإعطاء أولادهم أول وجبة غذائية، مما يساعد على ضمان بقائهم على قيد الحياة.

على الرغم من عدم وجود إجماع في الوسط العلمي حول ما إذا كانت الحيوانات قادرة على الموت عن طريق الانتحار، فإن بينا غوزمان أشار الى أن بعض الدراسات علمتنا الكثير عن الانتحار عند البشر. يقول: "معظم معرفتنا بالانتحار البشري، بما في ذلك معرفة أسبابه، أتت من خلال الأبحاث عن الحيوانات."

"قد يبدو منطقياً فقط إذا كانت هناك أوجه تشابه قوية - بيولوجية وعصبية ونفسية وإدراكية واجتماعية - بين البشر والحيوانات ذات صلة بالانتحار. هذه المتشابهات قد تعطي مزيداً من التأييد لفكرة أن الحيوانات لديها ما يدفعها للانتحار."

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE استراليا