سياسة

الانتخابات الرئاسية في الجزائر: مخرج للسلطة وخيار مرفوض للشارع

نتحدث مع خبير سياسي عن سبب رفض الجزائريين إجراء هذه الإنتخابات وأبرز المرشحين على الساحة حالياً
الجزائر

تصوير هشام. م

يستعد خمسة مرشحين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في الجزائر المقررة في 12 ديسمبر، والتي ستجري لأول مرة تحت إشراف السلطة المستقلة للانتخابات. انطلقت الحملة الانتخابية بشكل رسمي يوم الأحد 17 نوفمبر وتستمر لـ 25 يوماً، وذلك وفق ما تنص عليه المادة 173 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات التي تشير أن "الحملة الانتخابية تكون مفتوحة قبل خمسة وعشرين يومًا من تاريخ الاقتراع وتنتهي قبل ثلاثة (3) أيام من تاريخ الاقتراع."

إعلان

هنالك مطالب لم يتراجع عليها الشارع الجزائري منذ 39 اسبوعاً من المظاهرات أولها رحيل كل رموز النظام السابق حيث يردد الجزائريون كل جمعة عبارة "مكاش انتخابات مع العصابة" بالإشارة إلى رفضهم الانتخابات بوجود رموز من نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. وقد أعلنت اللجنة المستقلة للانتخابات في الجزائر، عن أسماء خمسة مرشحين بينهم عبد المجيد تبون الذي رافق بوتفليقة كوزير في عدة حكومات، وعلي بن فليس الذي شغل منصب رئيس حكومة نحو ثلاثة سنوات خلال بداية حكم بوتفليقة، كما ترشح عز الدين ميهوبي، الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي الموالي للسلطة، والذي شغل منصب وزير الثقافة سابقاً، وعبد القادر بن قرينة، رئيس حزب حركة البناء الوطني، المحسوب على التيار الإسلامي بالجزائر.

هناك تضارب كبير في الرؤى بين السلطة و الشعب، حيث تعنت السلطة و تمسكها بالانتخابات من جهة كمخرج يعتبر حل مرفوض لدي الكثير من المتظاهرين من جهة اخرى. مشاهد متضاربة بين مؤيد ومعارض للانتخابات القادمة هي السمة التي يعرفها الشارع الجزائري في الاسابيع الاخيرة. في محاولة لفهم إلى أين تتجه الأوضاع في الجزائر، تحدثت مع الدكتور عبد الرزاق صاغور، محلل سياسي وأستاذ علوم سياسية بجامعة الجزائر.

عربية: كيف تصف الوضع السياسي في الجزائر الآن؟
عبد الرزاق صاغور: بشكل عام الأوضاع السياسية في الجزائر جيدة من ناحية الاستقرار الأمني مؤسسات الدولة تسير بشكل عادي ومستقرة. ولكن هناك تضارب في الرؤى بين السلطة والشارع، إلا أن ما يميز الوضع الحالي هو وعي الشعب و تساهل ومرونة السلطة حتى الساعة. المطالبة بذهاب رموز النظام السابق لا تزال من أهم المطالب الرئيسية التي يصدح بشعراتها المتظاهرون كل جمعة منذ شهر فبراير. ولكن السلطة ترى أن في الانتخابات مخرج من الازمة المطروحة ويجب المرور بها لاسترجاع الاستقرار والمضي في تطبيق جملة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهي تراكمات تسبب فيها النظام السابق. أما الشارع فهو يرى في بقاء بعض الأسماء لتسير هذه المرحلة الحساسة هو في حد ذاته دليل على عدم وجود أي تغيير بل وصفه لإعادة إنتاج للنظام السابق بوجوه جديدة، وجزء كبير من الشارع يعتبر ذلك تعدي على مطالب الحراك و تلاعب واضح.

إعلان

هل تتوقع أن يتم تنظيم الانتخابات في وقتها؟
حالياً، السلطة مصرة على إقامة الانتخابات في وقتها وإفراز رئيس من شأنه أن يسير المرحلة القادمة ويحقق مطالب الحراك الشعبي وهذا بالطرق الدستورية التي تضمن سيرورة الدولة تحت أحكامها وتشريعاتها. ولإظهار النية الحسنة فقد استحدثت السلطة عدة وسائل ونظم خاصة للانتخابات من شأنها ان تعطي انطباع عن الشفافية والتزام الدولة بالحياد وتوفير الجو اللازم لتنظيم انتخابات نزيهة، وهذا بإنشائها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات والتي أقرت يوم السبت 16 نوفمبر ميثاق أخلاق تحت عنوان "المبادئ التوجيهية والممارسات الخاصة التي تشكّل إطار السلوك الأخلاقي المنتظر من الفاعلين والمشاركين في العملية الانتخابية." وتعتبر هذه المرة الأولى في تاريخ الجزائر حيث يوقع فيها مرشحون للانتخابات وثيقة بالتزامات مماثلة بهدف ضمان السير الحسن للحملة الانتخابية. من الناحية الشكلية، يبدو الوضع وكأنه يسير إلى الأمام ولكن لا يزال هناك صراع ومطالب يجب النظر فيها بطريقة جدية، حيث أنه ليس هنالك توافق لحد الآن بين الشعب والسلطة. لا أتوقع أن تكون الانتخابات بذلك الزخم، من ناحية نسب المشاركة في الإقتراع، ولكن سينتج عنها رئيس يتسم بالشرعية.

إعلان

هل تعتقد أنه من الممكن تلبية كل مطالب الحراك؟
أكيد ان بعض مطالب الحراك موضوعية ولا يبدو أن النظام الحالي معترض عليها. حتى ان هناك مطالب فعلية قد نفذت مثل بالقبض ومحاسبة بعض من رموز النظام السابق، لكن المطالب الأساسية للشارع الجزائري منذ شهور هي ذهاب رموز النظام السابق من الباءات (رحيل رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي) والذي يعتبرونهم الإشكال الحالي ومربط الفرس بالنسبة لجزء كبير من الحراك. لكن السلطة الحالية لا يمكنها الاستغناء عنهم تطبيقًا لمواد الدستور الذي بموجبه عين به بن صالح رئيس للدولة. الخيارات كانت قليلة ولشهور متعاقبة خاصة بعد رفض الكثير من المقترحات والوجوه لتمثيل الحراك أو المشاركة في اللجان المستقلة للحوار والانتخابات، مما يترك خيار المرور الى الانتخابات الرئاسية بتواجد هذه الأسماء أمر ضروري بالنسبة للسلطة. كما أن إطلاق سراح سجناء الرأي هم من ضمن المطالب التي كان جزء كبير من الشارع ينتظر تطبيقه وذلك كاظهار لحسن النية من السلطة، إلا أنه ولحد الساعة لا يزال الكثير من سجناء الرأي قابعين في السجون منتظرين المحاكمة او الافراج. طبعًا هناك مطالب أخرى مثل التغير الشامل فيما يخص الجوانب الاجتماعية والحريات والديمقراطية وبناء دولة قوية تتطلع لطموح المواطن الجزائري، وهي من الأمور التي يمكن لكل مترشح أن يجعلها في صلب برنامجه الرئاسي. ومن المؤكد أن الرئيس القادم ستكون أول قراراته هي عزل الحكومة الحالية لتلبية مطلب الشارع والعمل على تحقيق بعض المطالب الأخرى التي من شأنها أن تسير بالجزائر إلى مستقبل أفضل.

ما يريده المتظاهرون هو شخصيات توافقية تحمل مطالب الحراك للعمل السياسي والخروج بحلول ملموسة، وهذا لا يتواجد في الأسماء المطروحة، الذين يعتبرون امتداداً وجزءً من النظام السابقة بطريقة أو بأخرى

ما هي الأسباب وراء هذا الرفض الكبير من الشارع الجزائري على المرشحين الخمس؟
بكل بساطة، الشخصيات الخمسة المتسابقة لكرسي الرئاسة لا تمثل الحراك الشعبي ضد النظام السابق. ما يريده المتظاهرون هو شخصيات توافقية تحمل مطالب الحراك للعمل السياسي والخروج بحلول ملموسة، وهذا لا يتواجد في الأسماء المطروحة، الذين يعتبرون امتداداً وجزءً من النظام السابقة بطريقة أو بأخرى. التاريخ لا يرحم وجل المترشحين كانوا ولسنوات عديدة يعملون تحت مظلة النظام السابق، إضافة إلى انتماء البعض منهم لأحزاب الموالاة التي طالب الكثير من المتظاهرين بحلها وابعادها عن المشهد السياسي. ما زاد التباعد بين المرشحين والشارع هو تصريحاتهم وخطاباتهم الاخيرة التي لم تأتي بالجديدة على الساحة السياسية واتسامها بوعود و برامج يرى فيها الكثير تشابه بينها و بين وعود الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في هذا لهذا الرفض خاصة وأننا نشاهد شباب ينشرون منشورات تظهر فيديوهات وخطابات قديمة وجديدة للمرشحين وتنتقدهم بطرق بسيطة جدًا.

لو تمت الانتخابات من برأيك الأقرب للوصول لكرسي الرئاسة؟
المرشحين الذين أرى فيهم أمكانية الظفر بكرسي الرئاسة هم المرشح علي بن فليس عن حزب طلائع الحريات، لأنه كان منافس شرس للرئيس الاسبق وهناك التفاف كبير من المواطنين والمتعاطفين حوله. المرشح الحر عبد المجيد تبون، أعتقد أن مواقفه التي سبقت تنحيته من منصب رئيس الحكومة ستساعده خاصة وأنه كان يحارب لابعاد رجال المال عن السياسة خلال إدارته للحكومة هو ما أعطاه احترامًا عند كثيرين. عبد العزيز بلعيد عن جبهة المستقبل، هو مرشح ذو مواصفات تستهوي الكثيرين خاصة من الشارع الجزائري فهو لم يتقلد اي منصب ولم يعمل تحت لواء النظام السابقة بأي شكل، كما يشهد له الشارع بالاتزان والمواقف المعارضة للحكم السابق. عزالدين ميهوبي، مرشح حزب التجمع من أجل الديمقراطية، سيتأثر بشكل كبير بإرث ومخلفات حزبه الذي أصبح في الخانة السوداء للمواطن البسيط بسبب علاقته وتاريخه الذي ارتبط بالنظام السابق. أما عبد القادر بن قرينة، قلم يقدم حتى الساعة خطاب متجانس يمكنه من استقطاب ناخبين له.

التكهن بالرئيس القادم في الوقت الراهن سيكون صعب جدًا، المرشحين الخمسة قد انطلقوا فعلاً في خوض غمار الحملة الانتخابية والتي تعتبر صعبة نوعًا ما مع كل ما يجري في الشارع الجزائري، إلا أن رغم ذلك فخطاب المرشحين وارتياحهم الظاهر حول سير الانتخابات والحملة الانتخابية قد يعطي دلالات واضحة أن السلطة إلى الآن لم ترجح كفة أي مرشح، بل حتى أننا نرى انها تحاول أن تجسد التجربة التونسية في الانتخابات القادمة ولهذا من الممكن أن نستبشر خيراً بانتخابات يمكن أن تصل لأكبر قدر من المصداقية.

ما هي أهم التغييرات التي يجب أن يقوم بها الرئيس القادم؟
أرى أن على الرئيس القادم للجزائر أن ينتزع كل رموز النظام السابق من السلطة، ويقوم بتشكيل حكومة تكنوقراط من المخلصين للبلد والمستقلين، ويجب على الرئيس المقبل أن يقيم انتخابات برلمانية بوقت قريب مبنية على الكفاءة والشفافية ينتج عنها برلمان يمثل الشعب عن حق. كما يجب عليه اعادة النظر في منظومة الانتخابات البلدية والمجالس الولائية وأيضاً النظر في التعيينات الولائية وعلى رأسها ولاة الجمهورية . هذا من شأنه أن يعطي الرئيس القادم مصداقية أكبر وقوة لاستحداث إصلاحات فعلية تصبو إلى مطالب الحراك.