نجاح وفشل محاولاتي في التوقف عن تناول اللحوم
جميع الصور من تصوير أنس حكيم
طعام

نجاح وفشل محاولاتي في التوقف عن تناول اللحوم

حاولت أن أصبح نباتياً ولكن فشلت: "أنا بحب اللحمة كتير"
أمير ضو
إعداد أمير ضو
Dubai, AE
14.12.17

قبل سنتين، قررت أن أتوقف عن أكل اللحوم بعد مشاهدتي لفيلم وثائقي عن اللحوم والبيئة ولم أستطع بعدها أن أفكر باللحوم بدون أن أتذكر أنني أساهم بشكل ما في إنهاء حياة الكثير من الثدييات في هذا العالم وفي نفس الوقت تدمير البيئة. في اللحظة التي تبدأ بها بمشاهدة هذه الأفلام سيصبح خيار أن تصبح نباتياً أمراً واقعاً، وسترى نفسك تقف في المطبخ تقطع الخضار لتحضير "جاط" السلطة. سبحان الله لهذه الأفلام قوة رهيبة، يصورون لك كيف تذبح الغنمة وكيف يفرقون البقرة من حضن أمها ودراما و"تعتير". مشاهد ولقطات قصيرة كافية بتغيير رأيك (قليلاً ولفترة وجيزة ربما). أنصحك بمشاهدة "Fork over Knives" الموجود حالياً على نَتفليكس وVegucated وثائقي أميركي يتحدى ثلاثة أشخاص من آكلي اللحوم لفترة شهر ونصف بعدم تناول اللحم أو الدجاج (أو السمك)، طبعاً كما تتوقع، في آخر التجربة جميعهم يغيرون نظام أكلهم إلى "فيغان" أو نباتي. يمكنك أيضاً متابعة بعض الصفحات على فيسبوك مثل Mercy for Animals صفحات كهذه تأمن لك "دوز" يومي كافٍ لتقوية معلوماتك عن الموضوع، ستساعدك أيضاً على دعم مشاجراتك بأرقام وحقائق طويلة مع الأصدقاء عندما يواجهونك ويسألونك السؤال الأبدي: "ليه ما بتاكل لحمة؟"

في حالتي نجحت هذه الافلام بالتأثير علي لمدة سنتين، قاطعت فيها جميع أنواع اللحوم، ولكن قررت مؤخراً العودة إلى أكل اللحوم، هناك عدد من الأسباب (بحب اللحمة واحد)، ولكن لا أريد أن أدع خياراتي تؤثر عليك. مروري بهذه التجربة ساعدني على التخفيف من أكل اللحوم لأسباب أقنعتني بالإقلاع عنها بالأساس ولا زلت أؤمن بها. على الرغم من أنني عدت لأكل اللحوم ولكن المختلف انني اتبع نظام منتظم، ثلاثة أيام في الأسبوع تتضمن أكلة لحم أو دجاج وثلاثة منها أأكل أطعمة نباتيه ويوم سمك. طبعاً، للنظام الغذائي النباتي الكثير من النواحي الإيجابية من الناحية البيئية، والصحية والإنسانية. ولكنني سأتحدث عن تجربتي الشخصية ودليلي الخاص لمساعدتكم على أن تصبحوا نباتيين (من لا يرغب بذلك؟) أو الخيار الثاني التخفيف من أكل اللحوم.

السؤال الأول الذي قد يخطر ببالك هو، صعبة؟ أكيد صعبة، أن تتخلى عن أكل اللحوم هو أمر صعب وذلك لأننا تربينا على أكل اللحوم والدجاج، ويوجد تفكير رجعي يربط أكل اللحوم بالرجولية والصيد (لول) ولكن ذلك في حال أن يقوم والدك باصطياد البقرة ويذبحها، وينظفها، ويقطعها… حينها "صحتين وهنا". ولكن بعيداً عن صعوبة الامتناع عن أكل اللحمة، من أصعب الأمور التي سيستمر فيها هي أن إخبار أمك أو جدتك أنك توقفت تناول اللحمة، ستبدأ الأسئلة تمطر عليك، ويبدأون بلوم أصحابك (وإنستغرام لسبب ما) سوف تشغل بالهم وستبدأ الدراما "ويا دللي أنا وما بعرف شو."

بعكس ما يظن الجميع سوف يزداد وزنك عندما تحول نظام غذائك الى نباتي (فكر بالموضوع كمبدأ وليس خسارة وزن)

بعد أن تنتهي من دراما أهلك، ستبدأ في تنفيذ المهمة. في البداية: الوداع. بدأت بوداع الأكلات التي أحبها كالكوسى المحشي أو الملفوف المحشي أو "اللحمة النيه" هؤلاء أحبائي وعزيزين على قلبي، الفراق صعب وقاسي، وخاصة أنني كنت أتخيل عدم استطاعة جدتي إطعامي "من يدها" اللحمة المشوية في الخبزة التي تطلق عليها الأسم "البسبوسة" لأنها "مبسبسة" بصوص اللحمة والدهن. ولكن فكرت بالجانب الإيجابي وركزت على الأكلات التي لا أحبها كالغمة والفوارغ والمحاشي. لم تعني أي شيء لي.. ولن أشتاق لها بتاتاً. ثانياً: كل ما عليك عمله هو أن تقعد في البيت وتطبخ. قد تتخيل أن خيارك بأن تصبح نباتياً يعني أنك ستأكل خبز وبيتزا طوال الوقت، وهذا صحيح. ولكن ذلك سيحدث إن لم تجهز نفسك وتبدأ بتحضير الطعام في البيت. يجب عليك الانتباه، لأنه وبعكس ما يظن الجميع سوف يزداد وزنك عندما تحول نظام غذائك الى نباتي (فكر بالموضوع كمبدأ وليس خسارة وزن).

ركزت على الأكلات التي لا أحبها كالفوارغ

ولأن خيارك أن تصبح نباتياً هو خيار واعي، عليك أن تدعم خياراتك بتغييرات في حياتك وربما شخصيتك (خاص أولئك الذين صبرهم قليل) لأن عليك أولا وأخيراً أن تتعلم الصبر. لماذا؟ لأنه لكي تشوي قطعة ستيك لحم مثلاً تحتاج الى ١٠-١٢ دقيقة ولكن كي تنقع الحمص، فذلك يحتاج لليلة كاملة مثلاً. أما تناول السلطات فهو عالم قائم بذاته فعليك أن تجرب وتبتكر في أنواع السلطات، ولكنه قد يكون أمر مزعجاً ومربكاً أحياناً. ستشعر بالجوع طوال الوقت، لأن "السلطة ما بتسند عالقلب" ولا تعطيك شعور بالشبع، ولكن الأمر الذي اكتشفته خلال هذه الرحلة (القصيرة) هو أنني يجب علي أن أقوم بتغيير مفهومي الكلي تجاه الأكل، وأن أعيد اكتشاف نفسي وخبرتي في الطعام في ابتكار أكلات جديدة مثلا: بطاطا مشوية بصوص البندورة مع قطع الكبيس بجانبها (طيبة) أو حشي الفليفلة بجبنة وبندورة والذرة (ليست سيئة) جرب أمور جديدة في أسلوب أكلك وحياتك، وسترى أن الأمور ستصبح أكثر طبيعية يوماً بعد يوم.

كوسا مقلي مع صلصة اللبن والخيار

طبعاً في الوقت الذي ترتاح لقرارك ونباتاتك، قد يخرج أحدهم ويقول أن الأكل الذي نعتاد عليه، أساسه اللحمة ومن الصعب أن تكون عريباً ونباتياً. سمعت ذلك عدة مرات، وهذا صحيح وغير صحيح، ففي حين أن المطبخ العربي يحتوي على الكثير من اللحوم أو الدجاج ولكن معظمه نباتي: مثلاً الحمص والمتبل باذنجان وورق العنب بزيت والطاجن والمحمرة الفلافل والكسكس والكوشري، وبالتأكيد جميع اليخنات يمكن أن تتناولها إذا قمت بإزالة اللحمة منها أو الدجاج أو السمك، كالسبانخ والرز أو الفاصوليا أو الملوخية (أصلاً بحبها بلا اللحمة). أسمعك جيداً لا شيء يوازي فخذ الغنم أو صيادية السمك أو البرياني أو أو أو..، ولكن صدقني، عندما تبدأ مشوارك سيختلف شعورك تجاه هذه الاكلات، وذلك لأنك ستشعر شعوراً رائعاً بدونها. أقلت شعوراً رائعاً؟ (نعم، اسمعني قليلاً)، الشعور الرائع هو انك تفعل شيئاً ولأول مرة في حياتك نابع من قناعاتك، فذلك يولد لديك شعور بالفخر وفي كل يوم يمر يزداد هذا الشعور (إلى أن يأتي يوم وتتوقف كما في حالتي)، يترافق ذلك الشعور بشعور آخر أكثر أهمية وهو عدم النفخ أو الكسلنة بعد تناول الطعام، وذلك شعور لن تعرفه يوماً ان لم تتوقف عن تناول اللحوم. تناول اللحوم كان يسبب لي الخمول، وشعور بالثقل والكسل بعد توقفي عن أكل اللحوم أصبحت أشعر بالـ خفافية، على الرغم من أنني أصبحت أأكل أكثر ولكن بشكل منتظم أكثر. هناك شيء آخر لاحظته خلال السنتين، (لا تحكم علي) لم أمرض يوماً في السنتين التي أقلعت بها عن أكل اللحوم، لا إنفلونزا، لا مشاكل هضم، أو أوجاع رأس. حقيقي في السنتين لم أمرض يوماً، لا أعرف إن كان ذلك أمر عِلمي ولكن هذه تجربتي الخاصة.

وجد الباحثون أنه عند زيادة كمية الأطعمة الحيوانية في النظام الغذائي، حتى ولو زيادة بسيطة، ترتفع حالات الإصابة بالأمراض السرطانية

طيب، بعد كل هذا، هل من الممكن لي أن أتراجع عن قراري وأعود لتناول اللحوم؟ أكيد عادي اذا "خَبَصِت" قليلاً (اسألني) اذا اشتهيت اللحوم، قم بتناولها، ستكون بذلك "موفر" على صحتك وأفضل من تناول اللحوم بشكل يومي. اذا اشتهيت اللحوم، اصبر قليلاً وقم بمكافأة نفسك مرة واحدة في الشهر مثلاً، عندها، ستكون على استعداد لمعاودة النظام الغذائي بشكل أقوى. قد يسأل أحدهم، من أين مصدر بروتينك؟ يا أخي لا يهمني مصدر البروتين - أنا اليوم عمري ٢٦ سنة (يعني قد الكديش) إذا أخذت بروتين من الصويا أو الحمص أو اللحمة أو الكنافة لن تؤثر على نموي لأني بكل بساطة انتهيت من ذلك. وإليك سبب مقنع آخر. كما أن هناك عدة دراسات أهمها مشروع الصين – كورنيل – أوكسفورد (يعرف أيضًا بـ مشروع الصين) هو أكبر دراسة شاملة حول العلاقة بين النظام الغذائي والمرض في التاريخ الطبي، حيث وجد الباحثون أنه عند زيادة كمية الأطعمة الحيوانية في النظام الغذائي، حتى ولو زيادة بسيطة، ترتفع حالات الإصابة بالأمراض السرطانية ولكن مع اقتراب معدلات استهلاك الأطعمة الحيوانية إلى الصفر، تنخفض معدلات الإصابة بالسرطان. أما للشباب والصبايا الذين يمارسون الرياضة في الجيم فيوجد "بروتين شيك" لا تقلقوا، متأكد أن تناول البروتين من مصادر نباتية لن يؤثر بشكل سلبي على نمو عضلاتكم.

أليس هذا النظام الغذائي مكلف؟ سؤال منطقي، ولكن هذا يعتمد عليك، قد يكون مكلف إذا أردت التباهي والتسوق في مطاعم "فيغان" و"الأورغانيك" فتلك المحلات مكلفة، ولكن لا تنسى أنك في نهاية المطاف تتسوق للقمح، الرز، الحبوب والخضار وليس لحم العجل، أو الكافيار، فتكلفتك أقل بكثير من آكلي اللحوم. ونصيحتي، لا تبحث عن شبيه طعم اللحم، هذا خطأ فاضح، أنت تغير نظام أكلك، ولا تحاول الاحتيال على نفسك. تذكر ذلك جيداً. وعلى فكرة، المطاعم التي تقدم الخيارات النباتية هي دوماً أرخص. يجب أن نتفق أن استهلاكنا للحم بالشكل الحالي غير مستدام، من الغير طبيعي ان أدخل سوبرماركت في أي ساعة من النهار وأرى اللحم والدجاج وأنواع السمك بكمية تبدو وكأنها لا تنتهي. هذا ليس طبيعياً وإن كان الإنسان البشري يجب أن يأكل اللحوم دائما.

تصوير: ميساء البيك

حسناً، لماذا مع كل هذه القناعات والتغييرات والتحديات، فشلت؟ بكل بساطة تَعبت ولم أتمكن من إعداد طعامي بشكل يومي. حبي للحوم طغى على تلك المبادئ. ولكن تجربة السنتين غيرت من طريقة حياتي السابقة وساعدتني على تخفيف أكل اللحوم. أعتقد أنه لو قمنا بتغيير طريقة استهلاك اللحوم، فلن يكون هناك داعٍ وحاجة لأي منا أن يصبح نباتياً. أتمنى لو نعود بالزمن غير اليوم، حين كانت اللحوم تؤكل فقط يوم العيد، فكان للذبح قيمة. أرى أن الحل هو أن يخف طلبنا للحوم لأنه لطالما تواجدت ولطالما استهلكناها، ولهذا يجب وضع تحديدات معينة على آكل اللحوم، مثلها مثل المشروبات الغازية بحيث يصبح التعامل مع الموضوع طبيعيا، ففي المرة القادمة التي تذهب لدى اللحام ولم يتوفر لديه اللحم في آخر اليوم … عادي مناكل فلافل.