أنديل مصر

رسوم أنديل

مقابلة

أنديل: أن تمدّ لسانك للجميع وتنجو بفعلتك (أو لا)

يبدو أنّ الجمهور يحبّ اللي يهزّؤه
29.11.18

في أنديل ما يذكّر بتمثال المفكّر. قد يبدو غريباً الربط بين رسّام الكاريكاتور المصري اللمّاح، وبين منحوتة أوغوست رودان الشهيرة لرجل يسند ذقنه على كفّه متأمّلاً. المسألة فقط أنّي تخيّلت أنديل يجلس جلسة التمثال ذاتها، لكنّه يمدّ لسانه، ويداه فوق ركبتيه، كأنّه يكاد ينفجر من الضحك.

من يتابع أنديل (محمد قنديل، 33 عاماً)، منذ بداياته في العام 2011، يعرف أنّ شغله في الكارتون تأمّلي، قبل أن يكون بغرض الفكاهة. يرسم أناساً سابحين في الخراء، أبو الهول يسأل "شكل الأهرامات إيه"، أعلاماً مغروزة في قفا أفراد عائلة مصريّة، رئيس يسأل نفسه إن كان "أكيد صح، صح؟"، أب يتجرّع دواء الضغط وابنه يسفّ عقاقير مهدّئة، شخصيّات تمشي ورؤوسها منحنية صوب هواتفها، وسكان عمارة واحدة "محدش فيهم فاهم الناس لي بتكتب الكلام اللي على النت ده عايشين فين بالظبط؟". تأمّلات سريعة وموضعيّة في مشاهد من الحياة المصريّة، سينيكيّة في غالبها وعبثيّة، ومتخفّفة من العظات والرسائل والنظريّات، كأنّ همّ الرسام أن "يمدّ لسانه" فقط، ويمشي.

1543235847350-

"لاحظت أن أغلب صحاب أنديل بيسموه أنديل وأغلب أعدائه بيسموه قنديل،" كتب الروائي المصري نائل الطوخي على فايسبوك قبل أيّام. الرسام نفسه يكتبها بالألف: "عشان احنا في مصر ما بننطقش القاف، بنقولها ألف دايماً، فأنا حسيت إنّه خسارة النقط دي كلها تضيع عالفاضي، نستخدمها في حرف تاني" كما يخبرنا. من خلال علامة فارقة "بسيطة" في توقيعه، يستفزّ القواعد الراسخة حتى في أشكالها الأكثر بداهةً. لذلك ربما، تنقسم الآراء حوله بحدّة. بعضهم يحبّ جزءاً من أعماله، ولا يستلذّ آخر… ربما حين لا تطاله السخرية.

يقول أنديل لـ VICE عربيّة عبر سكايب، في مقابلة من مكان إقامته الحالي في جنوب فرنسا: "لا أنزعج حين تثير أعمالي الجدل، لأنّي مررت بذلك كثيراً، ولأنّ ذلك بات مكوّناً من مكوّنات شغلي. أعتقد أنّ قدرة العمل على إثارة جدل، دليل جيّد. جزء كبير من متعة الكاريكاتور بالنسبة لي أنّه أشبه بمحادثة، وكلما كانت تنطوي على جدليّة، كلما كانت أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي على المستوى الشخصي. فلو اقتصر النقاش على أمور نتفق عليها، ستكون محادثة مملّة جدّاً. لذلك أشعر بالإحباط من ردود الأفعال المتوقعة، يعني هو يا جماعة إحنا مش مفروض بنحبّ الجدل، ولا ايه."

1543235668140-image_6483441

أنديل- الصورة مقدمة منه.

السخرية بوسائط متعدّدة
القول إنّ أنديل رسام كاريكاتور، اجتزاء. فهو فنان كوميدي بوسائط متعدّدة. جمهوره "العتيق" يعرفه من خلال برنامج "إذاعة كفر الشيخ الحبيبة" حيث يلعب دور مذيع يحكي بلهجة منطقة كفر الشيخ، ويرسل عبر الأثير تحيّات عطرة لـ"أعزّ وأحبّ وأرقّ وأمزّ وأعزّ" جمهور. عرفناه بالقصص المصوّرة في مجلّة "توك توك" التي بدأ بإصدارها مع مجموعة من زملائه الرسامين المصريين، في العام 2011. عرفناه برسومه الناقدة للتيّار الديني، ولحكم الإخوان، ثمّ بانتقاده لأحداث "30 يونيو" في مصر، ثمّ بسخريته العبثيّة من فشل الثورة.

محور انطلاق شغلي هو الفيل في الغرفة، أي كلّ موضوع إشكالي جداً، والجميع متفقون ألا نتطرّق إليه. هذه بوصلتي

يرفض أنديل تصنيف عمله تحت مسمّى "ناشط." "تعليقي على الواقع انطباعات، وليس عقيدة. أفهم أنّ الكارتون له توظيف سياسي، لكنّي لم أعمل مع أحزاب. قد تتفق بعض الجماعات مع ما أقدّمه، قد ترفضه أحياناً، وتلك ليست مسؤوليتي. كلّ المواضيع متصلة ببعضها البعض، لا يوجد فصل بين ما هو سياسي، أو اجتماعي، أو جندري. مشكلتي مع الظلم، حتى لو كان وقع هذه العبارة كليشيه. بنظري، أيّ خلل في موازين القوى ما بين طرفين، رجل أو امرأة، فقير أو غنيّ، متديّن أو أقليّة، وضع كارثيّ. محور انطلاق شغلي هو الفيل في الغرفة، أي كلّ موضوع إشكالي جداً، والجميع متفقون ألا نتطرّق إليه. هذه بوصلتي."

1543235783251--01

كاريكاتور "الدادي" ويا الدلعدي!
أحدث جدل أثاره أنديل، جاء بعد نشر كارتون بعنوان "المفروض إن كده عادي؟" على موقع "مدى مصر" قبل أيّام. أثار العمل غضب ناشطات نسويّات اعتبرنه تنميطيّاً واختزاليّاً، لكونه يصوّر شابّة تبدو ثريّة وتتمتّع بامتيازات يكفلها "الدادي" كما يسمّيه الرسم، لكنّها تنتقد انصياع امرأة من طبقة أقلّ حظّاً، للنظام الأبوي. رأى بعض من انتقدوا الرسم أنّه مجحف بحقّ نضال نسوي تقاطعي لا يغفل الطبقيّة واللامساواة الاجتماعيّة، في حين رأى آخرون أنّ هناك مبالغة في مهاجمة الرسم، لم تنفع إلا في تثبيت فكرة نمطيّة تقليديّة، عن كون النسويّات "لا يقبلن النكتة."

يقول: "تهمّني هذه المنطقة (النسويّة، الجندر) واشتغلت عليها في السابق، من زاوية معنيّة بتدعيم الخطاب النسوي وتلقيت الانفعال الدفاعي المتوقّع من طرف الذكوريين المذعورين. كما أنّ شغلي السابق رغم تصنيفه الثوري، تضمّن نقداً للتيارات الثورية أو الحقوقية، وكانت الناس تتضايق قليلاً، ولكن عادي. اندهشت من حدة رد الفعل (على الرسم الأخير)، بصراحة. اتهام الكاريكاتور بأنه هجوم على النسوية مجحف. حين أركّب مشهداً في رسم، فكلّ تفصيل له مبرّر، وواضح في الرسم أنّي أشير إلى علاقة محدّدة جدّاً، لذلك لا يمكن أن يوصم بالتنميط، إذ أنّه اعتمد على إقصاء حالة عن حالات أخرى. فأن تكون بطلة الكارتون نسويّة، لا يعني ذلك أنّ الكارتون يشير إلى النسويّات عامة ولا إلى الخطاب النسوي عموماً. وإلا فإنّ أيّ شخصية تظهر في أيّ كاريكاتور تكون ممثلة عن بني نوعها، أيّ رجل يمثّل كل الرجال، وأيّ مصري كلّ المصريين وهكذا دواليك." ويضيف: "في الكارتون موضوع النقاش، هناك إشارة إلى حالة محدّدة موجودة، وهي حالة فرد يستفيد من النظام الأبوي بشكل عميق جداً، ومحمي منه، وبينما هو مستفيد بذلك الشكل العميق والعنيف، نجده يلوم الآخرين على انسحاقهم أمام الأبوية. الآخرون في الرسم ممثّلون بسيّدة أفقر، أو أضعف، أو لا تمتلك الحماية ذاتها. الكارتون نقد لنوع من أنواع النفاق أو الازدواجية في خطاب البرجوازية المثقفة أو البرجوازية اليسارية أو الناشطة في مصر."

1543235895384-_

أخ كبير واشتهاء القبح
لم يوفّر أنديل من سخريته أحداً، لا الإسلاميين، ولا العسكر، ولا الفلول، ولا الثوريين، ولا اليسار، ولا أحد تقريباً. ينزعج حين يُختصر عمله في خانة السخرية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فقط لا غير. يقول: "أكثر ما يحفّزني للتعبير عن رأيي، هو إحساسي بأنّه من غير الملائم أن أعبّر عن رأيي. هذا الحافز يضعني دوماً في فخّ "الرسوم المسيئة" إن جاز التعبير. فكارتون أهاجم فيه نوعاً من الفساد الثوري أو الثقافي أو أتطرّق فيه لموضوع ديني، يتطلّب بالنسبة لي جرأة أكبر من الهجوم على السيسي."

خلال بحثه عن المواضيع التي يدرجها في مصفاة الرقابة الذاتيّة، جاءت المسألة النسويّة في الصدارة. "خلال الهجوم على الرسم الأخير، قرأت من يقولون إنّ النسويّة تتعرّض لهجوم من الثقافة العامّة والذكوريّة السائدة في المجتمع، ولا يجب أن نزيد الهجوم، ونرسّخ تنميطات تضعف الخطاب النسوي، وهو منطق قمعي أقرب للبروباغندا منه للمناقشة الاجتماعية في رأيي. أعتقد أنّ إضعاف أيّ خطاب عموماً أو تقويته، لا يعني أن نتظاهر بأنّه لا يتعرّض لهجوم. أيّ خطاب معني بأي نوع من أنواع التغيير وبأي نوع من التواصل مع الناس على مستوى عام، لا بدّ أن ينغمس في النقاش مع من ينتقده، ومع المختلفين عنه في الرأي، ويحاول أن يرى نفسه من زوايا مختلفة، وإلا سيبدو النقاش وكأنّه يدور في غرفة صدى."

1543236128100-

إلى جانب الكارتون، يكتب أنديل ويؤدّي الشخصيّة الرئيسيّة في سلسلة "أخ كبير" الكوميدية، وهي شخصيّة رجل مصري بشنب، يرتدي العباءة التقليديّة، يحيط نفسه بأعلام مصر وأزهار صناعيّة وأضواء زينة وأشياء "كيتش" أخرى، ويلقي النكات "غير الصائبة سياسيّاً." فهل يجد ذلك مهمّة صعبة في وقت باتت فيه الصوابيّة السياسيّة معياراً أساسيّاً في قبول النكتة أو رفضها؟ يردّ: "قبل الثورة لم يكن موضوع الصوابيّة السياسيّة يشغلني بأيّ شكل، كنت أعيش في عالمي، وأؤدي الستاند آب كوميدي المطعّمة بنكات تقليديّة حول الجندر. وتعلمت مع الوقت أن أطور أفكاري. رغم إيماني بضرورة أن يشعر الساخر بالمسؤولية تجاه ما يقوله وضوابط "استخدامه" للآخرين في أعماله، أرى أيضاً أن العالم فيه تفاصيل وانفعالات أكثر تعقيداً من الصورة المدرسيّة للصوابية السياسيّةـ وهناك مبرّرات قويّة لانجذاب الناس للقبح. وذلك ما اختبرته في شخصيّة أخ كبير، وتفاعل الناس معها، كأنّ فيه شيئاً من إرضاء شهوة القبح. جاذبية الشخصية بجزء كبير منا في قبحها، في طريقة كلامها، في تعميماتها. أردت أن أضع هذه العناصر كشحنات طاقة في سياق لا يدعو للغباء، بل يفتح نقاشاً حول الغباء، ولكنه يقبل بوجوده، ويعتبره جزءاً طبيعيّاً من التجربة الإنسانيّة، من دون التعامل معه بهستيريا."

1543235964361-dfeated-generation

الكوميديون الحقيقيون قادرون على الابتكار في أيّ زمن

لا يوافق أنديل على الرأي القائل بأنّ الصوابيّة السياسيّة قضت على النكتة. "الكوميديون الذين يتحدّثون بمنطق أنّ العالم تغيّر والنكتة تغيّرت، بمنطق "الدنيا باظت ما عادش في خير زيّ زمان، ما عادش قادر اتريق على السود زي زمان" فهؤلاء لم يجهزوا أنفسهم كما يجب، واهتماماتهم قديمة، وعلاقاتهم مع الواقع والمحيط قديمة. العالم يناقش بأيّ طريقة يخاطب المتحوّلين جنسيّاً، وهم ما زالوا يلقون نكاتاً عن كون الستات ما بتحبش الكورة، وهو شيء أجده ممل ومكرر أكثر من كونه مسيء وكسول." ويضيف: "من الجيد أن العالم يتغيّر، وفي كلّ غرابته، نستطيع أن نحكي عنه، فالحياة أعقد من أن نحصرها في تجاربنا المحدودة أو البائسة، ورؤيتنا الضيقة ويجب أن نتحلى ببعض التواضع أمام ما نجهله. الكوميديون الحقيقيون قادرون على الابتكار في أيّ زمن، والتعامل مع المستقبل بفضول وشغف بدلاً من الخوف والتوجس، ويجب أن نقبل أن كثير من الكوميديين الذين ألهمونا في طفولتنا كانوا يعيشون في زمن مختلف، وحبنا لهم لا يعني أن ننسخ أفكارهم ونظلّ معهم في الماضي."

1543236177340-down

يحتاج الكوميكس للتفرّغ، ولجهد ووقت طويلين، لذلك بات أنديل مقلّاً في إنتاج القصص المصوّرة. حلمه بإنجاز رواية مصوّرة كاملة مؤجّل الآن، بينما يوزّع وقته بين مشاريع مختلفة، من بينها العمل على مشاريع فن معاصر مع الفنان المصري الشهير حسن خان، أحدثها سيشارك في بينالي مدينة كوتشي الهنديّة بدءاً من الشهر القادم. يحبّ العمل في مجال الفنّ المعاصر لما يتيحه من حريّة وتجريب، ويشارك في ورش وإقامات فنيّة كثيرة في هذا الإطار. أحدث إنتاجاته المعاصرة، نصّ كتبه وسيقرأ في تظاهرة "أبعد من اللازم" الفنيّة في بروكسل، مساء 6 ديسمبر القادم. كما يعدّ لمشروع ساخر جديد سيبصر النور على الشبكة قريباً، وهو عبارة عن سلسلة كوميديّة مبنيّة على العلوم، ويحتاج تنفيذها إلى جهد تقنيّ كبير، كما يخبرنا، لكنّها حلم قديم وعمل على تنفيذه بشغف، ليبلغ مراحله النهائيّة، على أن يصوّر في برلين.

ويفكّر أنديل حالياً بتقديم "أخ كبير" خارج مصر، بعد اختتام الموسم الثاني من السلسلة في مايو الماضي. برأيه تحمل التجربة ما يمكن أن ينفّذ في سياق غير محلّي، ويفهم من جماهير متعدّدة، وذلك ما اختبره حين قدم الشخصيّة في عرض مباشر على مسرح "مترو المدينة" البيروتيّ قبل مدّة، حيث جلس أخ كبير ليخطب في الجماهير، ويقدّم لهم النصائح. يخبرنا أنّ الحوار المباشر كان متعة خالصة، يقول: "يبدو أنّ الجمهور يحبّ اللي يهزّؤه."

1543236030512-on-and-on

جميع الرسوم هي لـ أنديل ومقدمة منه.