مجتمع

تحدثنا إلى شباب تنازلوا عن شهاداتهم العِلمية لصالح ما يحبون

مغامرة قد لا تكون محسوبة في كثير من الأحيان لكنها مثمرة
20.2.19
سألنا شباب تنازلوا عن شهاداتهم العلمية لصالح ما يحبون
أزر المنصري (يسار) خلال عمله كمراسل حربي بعد ترك مجال دراسته في علم الآثار

"أحب ما تعمل حتى تعمل ما تحب،" كلمات للمفكر الألماني جوزيف مورفي صاحب نظرية "الجذب الفكري" قالها الفنان الكوميدي المصري أحمد حلمي ساخرًا ضمن حوار في فيلم "ظرف طارق" كانت أكثر الكلمات التي بقيت في أذهان المشاهدين، لكن أحدًا منهم لم يتساءل في مدى معقولية هذه المقولة. ليست مهمة سهلة أن تقرر عمل ما تحب والأصعب أن تجد الشجاعة في التنازل عن شهادتك الجامعية التي أمضيت أكثر من 18 عامًا - على أقل تقدير - على مقاعد الدراسة من أجل الدخول في مغامرة أخرى للوصول إلى عمل ما تحب.

إعلان

في تونس ما بعد الثورة، قرر عدد ليس بالقليل من الشباب خوض التجربة والدخول في هذه المغامرة، ورغم محدودية سوق العمل وعدم تطورها بالشكل الكافي نتيجة للأوضاع الاقتصادية، إلا أن أغلب هذه التجارب قد كللت بالنجاح. تختلف التجرية من شخص إلى أخر وتختلف معها الطموحات والأحلام ومعايير النجاح والفشل وقدرة التحمل ونقطة الوصول.

من الأرقام والحسابات إلى الصحافة
"تخرجت من المعهد الاعلى للدراسات التجارية العليا بقرطاج، وهو معهد له تاريخ عريق تأسس سنة 1948 ويعتبر طلبته من النخبة في تونس، ثم حصلت على شهادة في المرحلة الثالثة اختصاص تسويق وعملت لمدة لا بأس بها في عدد من الشركات كمديرة تسويق، قبل أن أتنازل عن ذلك لانغمس في عالم الصحافة. بدأت تجربتي في سوق الشغل وفي نفس الوقت كنت أعمل بشكل تطوعي مع إذاعة تبث عبر الإنترنت (راديو واب) إلى أن شاركت في إمتحان انتداب مذيعين لإذاعة خاصة في طور التأسيس وتم قبولي، مضى على ذلك الوقت 8 سنوات، أتذكر أنني لم أتردد لحظة في تقديم استقالتي وخوض التجربة وكنت عضوا ًمؤسسًا في تلك الإذاعة. لقد درست الاقتصاد وكنت أقدم برنامجًا إقتصاديًا في إذاعة خاصة، ثماني سنوات كانت كافية لان ألج عالم التلفزيون اليوم وها أنا أتطور يوما بعد آخر، لا أستطيع اليوم تخيل حياتي دون هذه التجربة لأنني بكل بساطة أكره الجلوس على مكتب بين 4 جدران وما أزال مفعمة بالأحلام، وما يزال أمامي الكثير من العمل لانجازه." -ريم سعايدية، 30 عاماً، مقدمة برامج تلفزية وإذاعية

من علم الآثار إلى تغطية الحروب
"يمكن أن أقول أن ما أقوم به حاليًا والمهنة التي تملأ حياتي اليوم قد كانت حلمًا وبسيطا في السابق. بدأت القصة عندما انتقلت من مدينتي القصرين، وسط غرب تونس، إلى مدينة سوسة الساحلية لدراسة علم الآثار في أحد معاهدها بعد اجتيازي امتحان البكالوريا، وفي بداية الثورة كنت أدرس وفي وسط الاحتجاجات والمظاهرات المنددة بسقوط النظام عدت إلى القصرين لاكتشفت أنني في مدينة تفتقر إلى الصحفيين والمصورين. لازلت أتذكر أول كاميرا اشتريتها كان سعرها في ذلك الوقت 250 دينار (100 دولار)، بمجرد حصولي على الكاميرا بدأت في العمل. رأيت أول صورة لي في موقع وكالة أنباء عالمية وتلك كانت النقطة الفارقة، لم أفكر كثيرًا وقتها تنازلت على الشهادة واقتحمت عالم التصوير دون تردد. لقد درست في إختصاص يدهشني ويعجبني و لكن من ناحية ثقافة عامة وليس اختصاصاً أحب أن أعمل به، اخترته في دليل التوجيه لأنني لم أكن أملك الخيار وهذا حسب رأي يعود إلى خطأ في النظام التعليمي، اليوم أنا أعمل مع إحدى الوكالات العالمية، كما أنني تمكنت من القيام بتحقيقات صحفية حول التونسيين الذي انتقلوا للقتال مع الجماعات الارهابية، إضافة إلى تغطية المعارك في العراق والتي كانت بمثابة نقلة نوعية في مسيرتي العملية كما أنني أصدرت كتاب حول تلك التجربة الصحفية" ـ **أزر منصري، 28 **عاماً، مصور صحفي

من البيولوجيا الصناعية إلى المجتمع المدني
"تحصلت على شهادة الهندسة في اختصاص البيولوجيا الصناعية من أكثر الجامعات التونسية عراقة في تخريج المهندسين، لكن عشقي للعمل التطوعي دفعني للدخول في تجربة أولى مع إحدى الجمعيات في تونس. عملت بشكل تطوعي مع جمعية تشجع الشباب على المشاركة في الانتخابات وعدة مشاريع أخرى، عند انتهاء التجربة كنت سعيدة جدًا، واكتشفت أن هذا هو مكاني الصحيح، أمضت أكثر من 5 سنوات على دخولي المحترف في المجتمع المدني، اليوم صار لي تجارب عديدة في عدة منظمات دولية. أعمل حاليًا كمديرة مشاريع في منظمة دولية تعنى بالطاقة في تونس. تمكنت خلال تجربتي من تكوين شبكة علاقات كبيرة من دول مختلفة من العالم، إضافة إلى مرونة العمل التي يتميز بها المجتمع المدني ومهارات التواصل وتعلم اللغات، هذا إلى جانب العمل على مشاريع إنسانية. في هذا الوقت كنت سأكون في حالة نفسية صعبة لو كنت أعمل عملاً لا يمت لشخصيتي بصلة، وأعيش حياة روتينية مملة. أعتقد أن حب العمل هو أكبر أسباب النجاح وتحقيق ما تريد، بدون حب يمكن أن تنجح ولكن هناك مستوى أقصى لن تتجاوزه" -**غزوة لطيف، 27 **عاماً، مديرة مشاريع

من المونتاج إلى مديرة مركز تجميل نسائي
"درست ثلاثة سنوات بعد الباكالوريا في اختصاص الإنتاج السمعي البصري، ونظرًا لمحدودية سوق الشغل أكملت دراستي حتى حصلت على شهادة في المرحلة الثالثة، اختصاص تصميم الصور، عملت بعدها في عدد من المؤسسات كمتدربة ثم وقعت عقدًا مع إحدى القنوات الخاصة، وكان دائماً ما يراودني حلم افتتاح مشروع خاص بي، وكان شغفي بكل ما يتعلق بجمال المرأة يلاحقني منذ أن كنت صغيرة، بعد انتهاء العقد قررت الدخول في مغامرة المشروع، بعد أن خضعت لدورة تدريبية في مجال تزيين الاظافر، اليوم أنا سعيدة جداً، بخوضي هذه التجربة، مرّ على بداية العمل أكثر من سنة وأعتبر نفسي قد نجحت بإمتياز في هذا المجال وأفكر في الدخول في مغامرة جديدة وهي صناعة حقائب اليد الخاصة بالنساء لأن عالم المشاريع أبهرني." -**ملاك بوعزيز، 30 **عاماً، مؤسس ومدير مشروع

من دراسة التجارة إلى خشبة المسرح
"كان ذلك منذ فترة طويلة عندما علمت أنه تم توجيهي إلى شعبة التجارة في المعهد الاعلى للدراسات التجارية العليا بقرطاج، رغمًا عني، بعد ذلك شاءت الظروف أن أخضع لعملية جراحية، كانت فترة صعبة ولكنها فارقة في حياتي، فبعد الجراحة مباشرة قررت عدم مواصلة الدراسة واستثمار شغفي بالمسرح بشكل عملي، بعد الثورة أصبحت الأمور أكثر انفتاحاً واستطعت كتابة عشرات المسرحيات للأطفال. لم يتطلب الأمر تفكيرًا طويلًا، كان طريقي مرسومًا في مخيلتي، واليوم أنا فخور بتجربتي الصغيرة في عالم المسرح. كما أنني اتجهت مؤخرًا لكتابة سيناريو الأفلام الوثائقية، وهو مجال تميزت فيه كثيرًا ومازال ينتظرني الكثير." -**أيمن عبيدي، 33 **عاماً، كاتب مسرحي