شباب

الناس في الصين يعتقدون أنه من المقبول أن ينعتوني بـ"البدينة" في وجهي

من المقبول اجتماعيًا في هذا البلد الأسيوي التعليق على مظهر الشخص بشكل علني
21.10.18
fat-shaming
Arianna James

عندما وصلت إلى الصين في أولى سنواتي بالخارج، كان لدي الكثير من التوقعات حول ما سيكون عليه المكان الذي أعيش فيه السنة المقبلة، غير أن ما لم أكن أتوقعه هو أن أصبح "نصبًا فنيًا للعامة" وهو تعبير مجازي عن الغرباء في الصين. كسيدة بدينة بشكل لافت للنظر، اعتدت على أن أكون "عبرة متحركة" تجاه الصور النمطية، إن وجودي يفسد مفهوم ما يجب أن تكون عليه المرأة الصينية، وماهية المرأة السوداء، وما الذي يجب أن يكون عليه الأمريكي والسنغافوري.

إعلان

لقد نشأت في سنغافورة - وهي أرض حدودية استوائية متنوعة - كنت مختلفة عن أصدقائي وعائلتي، مُجعدة الشعر، طويلة القامة، وأكثر رشاقة من أقاربي وزملائي في الصف، كنت في كثير من الأحيان مثار خلاف ومضايقات بسبب اختلافي، وكلفت بالعمل في "نادي البدناء" وهي المدرسة التي كانت ترقص فيها كثيرًا مؤخرتي الصغيرة على أنغام أغنية جلوريا جاينور "I Will Survive "وحرفيًا عندما تبدأ وتقول (I was afraid) .

في العشاء مع العائلة، كنت أُحاط بأقارب يختلفون عني في بشرتي البنية ولكن ليس في النحافة، كنت في كثير من الأحيان أشعر بأني مقطعة إلى أجزاء ممزقة. منذ صغري، عرفت أن وزني كان موضوعًا عامًا، كان نقد مظهري على ألسنة أفراد عائلتي في الجلسات العامة التي تجمعهم، وبغض النظر عن القسوة أو الحساسية التي شعرت بها، كان من المتوقع أن أكون ممتنة لقلقهم عليّ وعلى اهتمامهم.

عندما كنت طفلة في العائلة الكبيرة، كانت عائلتي المباشرة والممتدة تناقش معي كل العيوب، جنبا ً إلى جنب مع انخفاض درجاتي في مادة الرياضيات أو علاماتي الضعيفة في اللغة الصينية، أما وجهي الطفولي، والذقن المزدوجة، والخدين الكبيرين، ولفائف البطن فقد لفتوا الانتباه لها باستمرار. (كما يمكنك أن تتخيل أنه قيل لي هذا في مزيج من اللغات: الإنجليزية، الماندراين- الصينية، والكانتونية- الصينية).

في العائلة قيل لي مرارًا وتكرارًا هذا الأمر، وسُمح لهم بذلك كثيرًا، وكان من المتوقع أن يُعبّروا عن آرائهم بمنتهى الأريحية، حيث كانت فكرة الأسرة مختلفة آنذاك، كان من المفترض أن توجهك العائلة لعيوبك، وكان انتقادهم يبدو وكأنه مثل السكين في أحشاء مخبوزة معجنات. إعتقدت أن تجربتي في الطفولة ستهيئني لقضاء وقتي في الصين، لم أكن أتوقع مع ذلك أن تشعر نفسي البالغة من العمر 20 عامًا بأنها ضعيفة مثل تلك الفتاة السمينة التي تحبس أنفاسها خوفاً من كلمة واحدة عن وزنها.

إعلان

في الصين، غالبًا ما شعرت بأنني أصبحت عبارة عن مشاركة على موقع انستغرام تحولت إلى حقيقة. كنت سهلة المنال، ومتاحة للغرباء للتعليق والانتقاد بما يرونه مناسبًا. مجرد أن أغادر شقتي، أشعر بحدة في النظرات كما لو كنت أسير في طريقي برأس ملتوية، وتتبعني العيون دائما في رحلتي عبر المدينة للعمل، وحين أقترب من الغرباء في الشارع، يصفونني بأنني سمينة، بالصينية pang zi .

أخبرتني صديقة مقربة لي عن تجربة أخرى لم أشهدها، جعلتني أتساءل عن عدد التعليقات المجهولة المزعجة التي كنت أتلقاها على مظهري والتي لم أطلع عليها مطلقاً، حيث كانت تجر امرأة عجوز على كرسي متحرك خارج المقر الرئيسي حيث تطوعنا وكانت المرأة العجوز تتمتم إلى نفسها، وتتذمر، وتقول مراراً وتكراراً عني: "سمينة جدًا.. تلك الفتاة سمينة جدًا".

على الرغم من أنني بالتأكيد سمعت هذه التعليقات من قبل الأطفال وحتى أفراد العائلة في سنغافورة، لم أكن قد واجهت أي شيء من هذا القبيل في مكان عام، متى بالضبط أصبحت ضعيفة للغاية بحيث يمكن أن ينتقدني الغرباء؟ والأكثر من ذلك، متى أصبح مظهري بمثل هذا الاضطراب؟ كنت، مع ذلك أشعر بأني حالة شاذة في الصين، فوفقًا للجنة القومية للتخطيط الصحي في الصين، كان متوسط الطول للرجال والنساء البالغين في عام 2015 هو 6’5” و 1’5 بوصة على التوالي. وبلغ متوسط وزن الجسم 145 رطل و 126 رطلًا على التوالي، أما أنا، من ناحية أخرى، كان يبلغ طولي 7'5 بوصة، إلا أنني أثقل من الوزن القياسي للرجال في الصين.

لذلك كان لدى كل شخص ما يقوله عن هذا الأمر في الصين، حيث أن الجسم يُعد جزء أساسي وهام في الأماكن العامة، تقول تشانغ زياودانج، أستاذة علم الاجتماع في كلية يورك في مدينة نيويورك، التي قامت بإجراء أبحاث حول الجنسانية والأنوثة في الصين: "بينما يؤكد جيل الشباب في الصين على خصوصيتهم، لم نكن نعرف في البداية كيف نترجم كلمة الخصوصية من الإنجليزية إلى اللغة الصينية." وتضيف زياودانج: "إن الثقافة والمجتمع الصيني يعتمدان كلية على العلاقات والتسلسل الهرمي، والأدوار المنوط بها كل فرد تحافظ على تنظيم المجتمع وتنوعه إلى حد كبير، ولكن هناك أيضًا تداخل مُستمر بين المساحة الخاصة والعامة، وبالتالي فإن المجتمع والعلاقات لها أهمية قصوى؛ والطريقة التي نرى بها الخصوصية في الغرب تكاد تكون غائبة تمامًا في الصين".

إعلان

إن الشيوخ دائمًا في موضع احترام، يكاد لا يتعرضون لأي لوم لكلماتهم وأفعالهم من هؤلاء ممن تحتهم، تماماً كما أن المعلمين، وأولياء الأمور فوق طلابهم وأطفالهم. هذه العلاقات المُنظمة لا تزال موجودة في قلب الثقافة الصينية، حيث يعتقد العديد من الصينيين أنه كلما كانت علاقات الأسرة أكثر تناسقاً وتناغماً، فإن نفس الأمر سوف ينعكس ليس فقط في المجتمع، ولكن أيضًا على الأمة بأكملها.

"إذا جاء شخص ما من خلفية ثقافية في شرق آسيا، فإنهم يميلون إلى وجود أسس فلسفية أساسية للكونفوشيوسية، وفي حالة المرأة، حيث يكون أحد أدوارك الرئيسية هو دعم النسب العائلي عن طريق الولادة، ومن الناحية الفنية، وظيفة المرأة هي أن تكون لائقة بدنيًا بما يكفي لتكون آلة صحية لإنتاج أكبر عدد ممكن من الأبناء." هذا ما قالته ميشي فو، عالمة النفس وأستاذة علم النفس السريري في جامعة أليانت الدولية في سان دييجو بكاليفورنيا، وهي تركز في المقام الأول على قضايا المرأة والتنوع، وقدمت المشورة لمن يناضلون مع شكل الجسم واضطرابات الأكل من خلال مدونة على منصة التدوين الاجتماعي تمبلر تسمى Thick Dumpling Skin، وهي مدونة تسعى لتطوير المجتمع من الأميركيين الآسيويين الذين يتعاملون مع قضايا مظهر الجسم.

يتم تطبيق المُثل الكونفوشيوسية في جميع أنحاء طبقات المجتمع، وكان من المتوقع أن يفي الجميع ويبقوا موالين لأدوارهم ووظائفهم. وبالتالي، قد لا يجد الغرباء القدامى شيئًا خاطئًا في التحدث عن مظهر شخص آخر أو التعليق عليه، أو طرح أسئلة قد نراها تطفلية - مثل حالة العلاقة لديه، أو ما إذا كان يرغب في إنجاب الأطفال من عدمه، أو يسأله عن راتبه.

تقول ليزا كيانج، أستاذة علم النفس في كلية ويك فورست في نورث كارولينا، والتي تركز أبحاثها على الهوية عند شباب الأقليات: "لا أريد أن أحيل كل شيء إلى الاستقلال والاعتماد المتبادل، لكني أعتقد أن الجماعية أو الارتباط الذي يعد قيمة ثقافية مشتركة في الصين قد يمنح بعض الأشخاص "إذنا" للتعليق على أشخاص آخرين، وأضافت: أعتقد أن الأمر قد يكون أكثر قبولاً من الناحية الاجتماعية والثقافية - وربما حتى من المتوقع – أن يكون هناك تعليق مقبول، مشيرة إلى أن المساحات الخاصة والعامة تختلف بطبيعتها في الصين عنها في الولايات المتحدة، وقد يبدو أن الأجانب مثل الحدود تكاد تكون غير موجودة فعليًا.

إعلان

هذا المفهوم الخاص بهيئة الجسم في الأماكن العامة هو الوضع الذي تعمل وفقا له النساء بشكل عام، فتقول تشانغ "هذا النظام الخاص بهيئة الجسد هي قضية جنسانية"، وتضيف "إن النساء يولين الكثير من الاهتمام لأجسادهن، وتجاربهن، والجميع يفعل نفس الشيء"، فهذا التركيز على جسد الأنثى ليس جديدًا في الصين بالتأكيد، مع أوضح مثال على ذلك وهو العادة القديمة في الصين بربط أقدام الفتيات.

لقد واجه كل شخص هؤلاء المتصيدون في كثير من التعليقات على وسائل الإعلام الاجتماعي هنا في الولايات المتحدة، ممن يشعرون بأنه يحق لهم التعليق على شعرك، أو بشرتك، أو مكياجك، أو حجمك، ولكن "ثقافة التصيد" تتردد بشكل غريب في مدن مثل نانجينغ وفي العاصمة الصينية بكين، حيث عشت، فلم يكن هناك غرباء بالنسبة لهم، فهم يتحدثون عن مظهري بأريحية، ويصفونني بأنني دخيلة، أو أنني "الآخر".

تقول فو: "إن عدم مقاومة التعبير بشكل علني يمكن أن يأتي من موضع شديد الخسة والشر، فقد يكون هذا الشخص يحاول أن يضع الناس داخل حدودهم، أو يجعلهم يشعرون بالسوء تجاه أنفسهم، أو يمكننا أن نصدق أن ما يقوم به هؤلاء هو عمل حسن النية، حيث يعتقد الناس أنهم يحاولون المساعدة، وقد يعتقدون أنهم يقدمون نصيحة لشخص ما، وتأمل "فو" في توفير مزيد من التفاهم المتبادل وتقليل توجيه اللوم والانتقادات، وخاصة عندما يخرج هذا الحديث عن ضوابط شكل الجسم من داخل الأسرة.

كان لدى فو بعض الاقتراحات في التعامل مع موقف كهذا، واحد من هذه المقترحات التي يتردد صداها دائما هي: سواء كان الانتقاد غريباً أو جريئًا أوغاضبًا جدًا، أو يأتي في صورة تطفل حسن النية من داخل العائلة، تقترح أن تقول شيئًا على غرار "لقد لاحظت اهتمامك بي، لكن أنا وفريق الأطباء نعمل على هذا الأمر". وأضافت: "ربما يكون القول أسهل من الفعل، ولكن كما تحدثنا، وجدت نفسي أتذكر مجموعة من الملاحظات داخل عقلي، دائمًا حريصة وسعيدة لجمع مجموعة من الانتقادات الخيالية من أقاربي، لقد جمعت تلك المجموعة من الملاحظات على مر السنين."

إعلان

خلال عامي الذي قضيته في الخارج، توقعت أن أجد عددًا غير محدود من اللهجات الصينية، وعصير الذرة المطبوخ، وبلد ممزق بين المثل الشيوعية الفاشلة والنزعة الاستهلاكية السريعة، إلى جانب موكب من الزلابية المطهوة على البخار التي غالبًا ما تمتلئ بالخضروات واللحوم، ولكن بطريقة ما - وليست بهذا الشكل- كنت أتوقع بعض التعليقات، لكنني لم أكن أتوقع أن يتم تلخيص هويتي بالكامل بكلمتين - fei و pang - اللتين تعنيان كلاهما البدانة.

هذا هو المكان الذي يتعمقون فيه، على الرغم من ذلك، أخبرتني تشانغ وفو وعدد من الخبراء الآخرين أن كلمة pang ليست بالضرورة كلمة سلبية على الإطلاق، فما الذي يقوله عنّا المجتمع، علاوة على أن "السمنة" و "البدانة" هي أصلا كلمتان سلبيتان بطبيعتهما؟

لقد تجولت في أنحاء الصين كغريب وكشخص من الداخل، كأفريقي أمريكي وكصيني، وقابلت عدد لا يحصى من الناس، جنبًا إلى جنب مع معبد نانجينغ الذي مازال قائماً كمعبد للكونفوشيوسية بجوار نهر تشينهواي، حيث الأجزاء المنهارة من السور العظيم في بكين، أو مقر حزب الشعب في تشاويانغ ببكين، إنهم يعيشون حياة أقدم حتى من الهندسة المعمارية الصينية، إنها تعبير عن السيطرة والتركيز على أجساد النساء ودفعهم إلى العودة إلى أدوارهم المجتمعية، ربما كنتيجة ثانوية للكونفوشيوسية وسياسة الصين، هذا النمط من العمل الضبطي هو قديم وحديث، إذا كنا نعزوها إلى الماضي فقط، فسنقوم برفع المسؤولية لتغيير المُثُل الجوهرية غير الواقعية التي كان لنا يد في استمراريتها وتكريسها.

تحديث: تنص النسخة السابقة من هذه القصة على أن ميشي فو هي طبيبة نفسية تترأس مركز المحيط الهادئ وآسيا للدراسات الأسرية في روزميد بولاية كاليفورنيا، ولكن الصحيح هو أنها عالمة نفس وأستاذة علم النفس السريري في جامعة أليانت الدولية.

نُشرت هذه المقالة في الأصل على Tonic.