فيلم

فيلم قضية رقم 23: أجندة سياسية وأخطاء تاريخية

لا نَدعي أننا نقدم نقد فني سينمائي للفيلم، بل سنتحدث عن الأفكار والادعاءات التي يقوم الفيلم بتمريرها وتبريرها
2018 فبراير 16, 10:14am
عادل كرم وكامل الباشا في لقطة من فيلم "قضية 23"-الصورة من كوهين ميديا جروب

لا شك أن الكثير منكم قد سمع عن فيلم "قضية رقم 23" The Insult للمخرج اللبناني زياد الدويري، الذي تم ترشيحه لجائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل توزيع جوائز الأوسكار ليكون أول فيلم لبناني يصل إلى الترشيحات النهائية. زياد دويري مخرج فيلم "بيروت الغربية" West Beirut و"الصدمة" The Attack، هو مخرج مثير للجدل، ففيلمه الأخير الصدمة تم تصويره في تل أبيب، وهو السبب الذي قامت على أثره السلطات اللبنانية بتوقيفه ومصادرة جواز سفره الفرنسي واللبناني فور وصوله إلى مطار بيروت في سبتمبر الماضي.

فيلم "قضية 23" لم يتم تصويره في تل أبيب هذه المرة، ولكن خلفية المخرج وقصة الفيلم أثارت الكثير من الجدل، وهو ما يبدو أن دويري يسعى إليه. يبدأ الفيلم بشجار بين رجلين حول أنبوب تصريف بين طوني (عادل كرم) اللبناني صاحب مرآب لتصليح السيارات والمهندس الفلسطيني ياسر (كامل الباشا)، الذي يعمل في شركة كلفتها إدارة الحي بإزالة المخالفات في الشارع حيث يقيم طوني. يتصادف مرور ياسر مع سقي طوني للمزروعات في شرفته ويتساقط الماء من الشرفة ليغرق ثياب ياسر، الذي يقول لطوني أنه أحمق. يطلب كرم اعتذارًا ويرفض الباشا ويعطي كرم لكمة يستحقها في بطنه؛ بعد قول طوني في فورة غضبه: "يا ريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن (في إشارة إلى الفلسطينيين). نعرف من خطب بشير الجميل، السياسي الراحل الذي كان قائدا عسكرياً للكتائب اللبنانية المعروفة بمعاداتها للفلسطينيين خلال الحرب اللبنانية، التي يستمع إليها طوني بصورة شبه دائمة في ورشته، انتماءه الحزبي والسياسي وتعصبه لهذا الانتماء. وتتحول قضية "الإهانة" إلى قضية وطنية تمر بمحاكمتين مختلفتين مع محامي قومي مسيحي يقف مع كرم أمام ابنته المحامية المتمردة التي تقرر الدفاع عن الباشا.

داياموند بو عبود بدور المحامية نادين وكمال الباشا بدور ياسر (منتصف). الصورة من كوهين ميديا جروب

الفيلم مميز من ناحية التصوير السينمائي، الألوان، الإضاءة، المشاهد القوية، الصوت، التمثيل (فاز الباشا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية السينمائي) الأزياء، الإخراج، وغيرها من الأمور المثيرة للإعجاب على المستوى الفني. ولكن على مستوى السيناريو، يدخلك الفيلم في حالة توتر شديدة، تواجهك منذ البداية، وحتى نهاية الفيلم، فتدخل في حالة من الاضطراب العاطفي والدرامي ما بين محاولتك التفكير بأنه مجرد فيلم وبين الشعور بالحنق بسبب الأخطاء التاريخية التي يتم تمريرها. لا نَدعي أننا نقدم نقد فني سينمائي للفيلم في هذا المقال، بل سنتحدث عن الأفكار والادعاءات التي يقوم الفيلم بتمريرها وتبريرها.

المبدأ الأخلاقي الذي تم تقديمه في فيلم "قضية 23" من المفترض أن يكون عن الصبر والتسامح، حيث يتحدث الفيلم في جزء منه عن العنف الذي يتعرض له اللبنانيون والفلسطينيون بشكل "متساوي" ويشير الى أنه منذ انتهاء الحرب اللبنانية لم تحدث مصالحة حقيقية بين الطرفين. طبعاً، ليس لدينا أي مشكلة مع ذلك، نحن نتفق على الحق وضرورة إظهار معاناة كل جانب. المشكلة في السيناريو تتمثل بمحاولة دويري التلاعب بالأحداث التاريخية. لسنا هنا للحكم على من هو على صواب أو خطأ ومن هو الظالم والمظلوم في حرب أهلية، ما يهمنا من كل ذلك هو الحقيقة. وبإعتبارنا فلسطينيين، لا يسعنا إلا أن نلاحظ عدم صدق الرسائل التي يقوم دويري بتمريرها في الفيلم. وفيما يلي ثلاث نقاط نود أن نتطرق إليها في الفيلم وهي: عرضه غير الدقيق للتاريخ، والدعم الصريح للقوات اللبنانية، فضلاً عن هجوم دويري على حركة BDS الفلسطينية (حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها)، وعلى الفلسطينيين بشكل عام.

العرض غير الدقيق للتاريخ
خلال أحداث الفيلم نرى كيف يصور دويري عدة أحداث تاريخية وحالية بين اللبنانيين والفلسطينيين بشكل غير محايد ومنقوص. المشاهد والبيانات العاطفية التي اختارها دويري يبدو أنها صُممت للعب في عقولنا، المشكلة أنه لم يكن هناك أي تفسير لما أدى إلى هذه الأحداث وهو ما يفقد الفيلم موضوعيته. الحدث التاريخي الرئيسي الذي ظهر في الفيلم هو مذبحة الدامور التي وقعت في 20 يناير 1976 (حيث قام مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية بمهاجمة سكان هذه البلدة وقدر عدد القتلى بحوالي 500) ولكن ما فشل المخرج بالإشارة إليه هو أن مذبحة الدامور حدثت بعد يومين من مجزرة الكارنتينا التي وقعت في 18 يناير 1976، حيث هاجمت ميليشيات الجبهة اليمينية المسيحية (ومن ضمنها الكتائب) هذا الحي الفلسطيني الفقير في بيروت الشرقية مما أدى إلى مقتل 1،000 فلسطيني ولبناني.

اختار دويري إظهار ياسر كشخصية ضعيفة وساذجة، فقد كانت نصوصه في السيناريو صغيرة ومَثل دور الضحية الفلسطينية المستسلمة

حاول دويري مجدداً اللعب على الخط السياسي في مشهد المحكمة، حيث أحضر رجلاً أردنياً عجوزاً على كرسي متحرك إلى المحكمة ليكون أحد شهود طوني. وكان ياسر قد هاجم هذا الرجل في الأردن في الماضي عندما كان يعمل في خدمة تقديم الطعام في مخيم للاجئين الفلسطينيين. وهنا "نجح" الفيلم بإظهار كيف أن الفلسطينيين (يمثلهم الباشا هنا) أشخاص عنيفين بطبيعتهم -مثلما يتم تصوير الأمريكيين الأفارقة في مختلف الأفلام الأمريكية. مرة أخرى، لم يذكر دويري أن هذه الفترة من العنف في الأردن كانت مرتبطة بأحداث أيلول الأسود التي دارت بين الجيش الأردني من جانب وفلسطينيين وسوريين من جانب آخر، قتل فيها 3،400 فلسطيني، وقتل ما يقرب من 530 أردني و 600 جريح وقتيل سوري. وهي كلها أحداث محزنة جداً حدثت في تاريخنا المليء بالمآسي. كما اختار دويري إظهار ياسر، الذي يقوم بدور الباشا، كشخصية ضعيفة وساذجة، فقد كانت نصوصه في السيناريو صغيرة ومَثل دور الضحية الفلسطينية المستسلمة، وعندما تنتصر هذه الشخصية التي صنعها دويري، فإن عصبيته ضد خصمه طوني تظهره كشخص ضعيف لا يزال لديه الكثير ليتعلمه عن العالم. هنا نود توضيح حقيقة أنه ليس لدينا مشكلة في منظور دويري المنحاز. نحن جميعا بشر ولدينا روايات شخصية خاصة بنا كأفراد، ونحن جميعاً نميل إلى سرد تاريخي مختلف، ولكن القضية هنا أنه هناك الكثير من التضليل وإختيار مقاطع مجتزأة من التاريخ.

المخرج اللبناني زياد دويري. الصورة من كوهين ميديا جروب

عرض وجهة نظر واحدة
"قضية 23" جعلتنا غاضبين بسبب التمثيل التاريخي غير الدقيق، وهذا هو السبب الأهم. مرة أخرى، لا ننقد الفيلم من وجهة نظر سينمائية وحتى من وجهة النظر العامة للفيلم. ولكن في آخر الفيلم عندما ظهر التتر ورأينا رسائل الشكر، لم نكن لنصدق أعيننا، ففي مشهد الشكر النهائي للفيلم، يشكر دويري القوات اللبنانية. أولا وقبل كل شيء، القوات اللبنانية التي يشكرها هي جزء من الهيئة العسكرية التي لعبت دوراً كبيراً في مجزرة الكارنتينا والعديد من الهجمات الأخرى التي ارتكبت ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ الحرب الأهلية وأبشعها مجزرة صبرة وشاتيلا. من خلال شكرهم، يظهر صراحة أجندته السياسية. الأمر الآخر هو أنه يوجه شكره إلى سمير جعجع، الرئيس التنفيذي للقوات اللبنانية شخصياً،. وجعجع لمن لا يعرفه، هو سياسي مثير للجدل، حيث تم اعتقاله بسبب جرائم سياسية غير أخلاقية وعنصرية، وقد أدين بتهمة اغتيال الرئيس السابق رشيد كرامي واغتيال وزير الدفاع في حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وطوني فرنجية عضو البرلمان وابن رئيس لبناني سابق. وهو لا يزال يعتبر مجرماً بالنسبة للكثير من اللبنانيين. وقد تم تخفيف عقوبة جعجع من عقوبة الإعدام إلى عقوبة بالسجن مدى الحياة، وفي نهاية المطاف، أطلق سراحه في عام 2005 ولا يزال يلعب دوراً سياسياً في لبنان. السؤال هو كيف يمكن أن يعرب دويري عن امتنانه لهذه الشخصية بينما يُفترض به -حسب ادعائه- خلق فيلم عن التسامح وصنع السلام، وكيف يُمكن أن تمثل آراء دويري لبنان في الاوسكار؟

هجوم على حركة BDS الفلسطينية
من المعروف موقف دويري المعارض لحركة BDS الفلسطينية التي تستخدم تكتيكات المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات على اسرائيل، وهي تكتيكات تم استخدامها في حالات مشابهة مثلما حدث مع نظام "أبارتهايد" وهو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وتم إلغاؤه في عام 1990. لا شك أن دويري لن تعجبه مواقف الحركة كما أعلن عن ذلك مراراً. وكانت حركة BDS اتخذت موقفاً معارضاً لـ دويري لعمله في تل أبيب خلال تصوير فيلم الصدمة باعتباره تطبيعاً. في مقابلة مع مجلة Forward أظهر دويري موقفه السياسي بشكل واضح عندما قال "اليوم أرى إسرائيل كتفصيل، إنها ليست القضية،" واستمر أيضاً بالتبجح عندما تحدث عن خططه الهادفة إلى "تصوير أشخاص من حركة المقاطعة BDS بشكل سلبي جداً" مضيفاً: "أعتقد أن لدي أجندة ضدهم وأنا سأعمل على ذلك في فيلمي القادم." الأمر الأخير الذي يجب الاشارة إليه هو أن الفيلم من إنتاج شركة كوهين ميديا جروب، التي تلقى رئيسها التنفيذي تشارلز س. كوهين، وسام السلام من إسرائيل في عام 2002 تكريمًا له للتبرع بـ 52.4 مليون دولار لسندات دولة إسرائيل.

من الواضح، أن لدى دويري أجندة سياسية ورأي يسعى لإيضاحه في الفيلم، ولهذا من وجهة نظرنا، ليس من الممكن أن يصنع فيلماً عن التسامح والموضوعية. مشكلة "قضية 23" هو أنه قدم أحداث تاريخية غير دقيقة، وعَرض الفلسطينيين بشكل ضعيف وعنيف في نفس الوقت. ولا بد بالنهاية أن نتساءل لمن يقدم الفيلم خدماته؟ ولماذا يمثل لبنان كفيلم مهم من العالم العربي في حفل توزيع جوائز الأوسكار؟ بالنسبة لنا، هذا الاختيار لا يبدو عادلاً أو منطقياً.

سامر اشتية (القدس)، مستشار تنظيمي، عمل لعدة منظمات محلية ودولية في فلسطين والشرق الأوسط.
لينا منصور (حيفا) تعمل في مجال الإدارة والإنتاج الثقافي، وهي نشطة في العديد من المشاريع المستقلة بالمشهد الثقافي الفلسطيني، وهي حاليا مُنسقة وإحدى مؤسسي مهرجان حيفا المستقل للافلام