مصر

نوارة نجم تكتب في ذكرى 25 يناير: لماذا قمنا بالثورة؟

من قالنا إننا بلا مكاسب؟.. نحن مازلنا أحياء، بالاكتئاب واليأس والإحباط، لكننا أحياء
4.8.19
25 يناير

ها هي الذكرى الثامنة لثورة يناير تحل، ولم أنفذ المشروع التنموي الذي كنت وضعته لمصر واحتفظت به على الحاسوب، حتى أنني لا أجده الآن، ربما أكون قد مسحته في أحدى لحظات اليأس، أو مع صدور حكم بالسجن على أحد أصدقائي، لا أذكر. طوال السنوات الماضية بذلت جهدًا كبيرًا في النسيان، ونجحت نجاحًا باهرًا مع الكثير من الذكريات. لا.. أنا أكذب الآن. نجحت في تجاهل الذكريات، لكني لم أنس.

تأتي الذكرى الثامنة لثورة يناير والجو العام معبأ بألقاب: 25 خساير، مؤامرة يناير، (نوشتاء السبوبة)، ثورة الخونة العملا، البلد كانت حتضيع، البلد كانت رايحة خالص، كانت أيام سودا، ثورة الإخوان. هذا هو الصوت الأعلى، لكنه ليس بالضرورة الأصدق أو الأكثر أو المعبر الحقيقي عما حدث.

إعلان

تأتي الذكرى الثامنة وأغلب من شارك فيها يعاني من الإحباط. تأتي الذكرى الثامنة وأغلب من يطلق عليهم "الطليعة الثورية" يعانون إما من اكتئاب، أو حالة من العبثية، وفي الأغلب، تشاجر معظمهم مع غالبيتهم، في معارك جانبية تافهة، أو كما يقول التعبير المصري "بيطلعوا همهم في بعض".

“آه يا رفاقه من متاهات الطريق
لما الليالي يتخنق فيها القمر
يمشي الصديق في الضلمة
يخبط في الصديق
والسكة بنت الخطوتين
تاخد سنة"

صدق والدي الشاعر أحمد فؤاد نجم

تأتي الذكرى الثامنة للثورة، وكل من عاداها قد استفاد منها، وكل من شارك فيها قد تضرر منها. ومع ذلك، كل المستفيدين يصفونها بالخساير، وكل المتضررين يبكون على الأطلالها.

والطليعة الثورية هي مجموعة من الناس، يتواجدون في كل الثورات عادة، ويلقون بأنفسهم في أتون الثورة بشكل جنوني، يتحولون لرهبان في محرابها، يتخلون عن كل مشروع شخصي أو مهني ويتحولون إلى "أنفار الميدان" كما وصفهم الشاعر مايكل عادل. نقول عنها طليعة ثورية، ويقول عنها الخطاب الإعلامي السائد الآن: العيال الصيع السبوبجية المخربين. ولك حرية الاختيار في الوصف.

تأتي الذكرى الثامنة للثورة والبلاد تمر بحالة من الكساد الاقتصادي لم يشهدها جيلنا نحن على الأقل، أحيانا ما تحاول الأجيال السابقة التخفيف عنا: ما جراش حاجة، أزمة، ما احنا أيام الحرب كنا بنمر بأزمة كدا!

حرب؟
طيب.

تأتي الذكرى الثامنة للثورة، وكل من عاداها قد استفاد منها، وكل من شارك فيها قد تضرر منها. ومع ذلك، كل المستفيدين يصفونها بالخساير، وكل المتضررين يبكون على الأطلالها.

تأتي الذكرى الثامنة للثورة، ونحن الآن نحاول جاهدين أن ننساها، وألا نصر على الاحتفال بها… خلوها عيد الشرطة أحسن، ما تفكروناش.

إعلان

تأتي الذكرى الثامنة للثورة وأعداد مهولة ممن يطلق عليهم "الطليعة الثورية" يقبعون في السجون، وأعداد مهولة من رفقائهم في الميدان يحاولون ألا يذكرونهم أو يذكرون بهم: يمكن لما بنجيب سيرتهم بيطولوا حبسهم… نسكت عنهم يمكن يطلعوهم في عفو.

سين المظاهرة خلاص خلص

وسين العقاب واضح إنه لسه فى أوله

الكاميرا فجأة تلتفت

جايبة شكل القصر كله من بعيد

زوم ع الفراندة اللى طالة ع الجنينة

من وسط ظباط حاشيته يظهر يزيد

زى اللى دبت روحه جواه من جديد

يكشف سنانه ويبتسم

وبسيفه بيشاور علينا

من غير ما ننطق كلمة واحدة

ف ظرف لحظة افترقنا

كل واحد ودع الباقيين بنظرة

وهو بيلف بحصانه وانطلق

كل واحد فى اتجاه

كل واحد منا يجرى وألف كلب صيد وراه

ما اعرفش مين فينا اتصلب

مين انضرب

مين فينا بالمدنة احتمى

ومين اللى من فوقها اترمى

أو حتى مين قتله العطش

بعد أما تاه

كل الشوارع مصيدة وكل البيوت

الكوفة نايمة حتى من قبل العشا

حطت صباعها فى ودنها

وسابتنا برة الباب نموت

“قصيدة الحسين – مصطفى إبراهيم"

ستجد الكثير من اللجوء لأبيات وقصائد الشعر، الثورة في أساسها فعل شعري، شعر مترجم لحركة، حركة يترجمها الشعر، لا أعلم.

ليس هناك هدف من التذكير، أنا أعلم أن بعض الذين اكتوت قلوبهم بنار الثورة لا يريدون الذكرى، وأنا لا أريدها أيضًا والله، أعلم أننا نحاول أن نلملم أشلاء أرواحنا، نحاول أن نتخطى، نحاول أن نجد أثار أقدام لأناس مسالمون عاشوا قبلنا لنخطوا عليها. لكن على المستفيدين من ثورة يناير، الذين تربحوا منها، الذين وصلوا لمناصب لم يجل بخاطرهم أن يصلوا إليها، الذين حققوا بطولات زائفة، ووطنية مدنسة بملايين الجنيهات، الذين اقتاتوا على لحم الثورة، والآن يسبونها، ويلعنونها، ويصمونها بالمؤامرة، ولولا هذه المؤامرة لما حققوا المناصب والمكاسب، عليهم أن يتذكروا دومًا، أو على من يسلمونهم آذانهم، ويعتقدون فيهم، أن يتذكروا دومًا.

إعلان

مش عارفة ليه… بس أهو أنكد عليهم وخلاص، أمال نتنكد لوحدنا يا ولاد؟

لماذا قمنا بالثورة؟
بسبب ما آلت إليه الأمور، أحيانًا ما نردد مازحين: احنا آسفين يا بابا مبارك، ما العيشة كانت حلوة وكنا لاقيين ناكل، وكان فيه شغل. الحقيقة أن العيشة لم تكن حلوة ولا حاجة، والتدهور من سيء لأسوأ لا يعني أن السيء كان خير. ظل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك يحكم البلاد لمدة تزيد عن ثلاثين عاما بموجب قانون الطوارئ، وكان هناك تعسفا في تطبيق القانون. كنا نسير في الطرقات وسيارات الأمن المركزي، بكامل عدتها وعتادها، تسد الطريق، وتعرقل المرور، في كل شارع، وأمام كل مبنى، حتى في الجامعات، وأمام المستشفيات، وبجوار السفارات، وكأن البلاد على وشك الدخول في حرب.

في البداية كانت الذريعة هي مكافحة الإرهاب الذي تأجج في صعيد مصر، والعمليات الإرهابية التي استهدفت المدارس والمدنيين. وبالفعل، نجح نظام مبارك، أمنيًا، في القضاء على العمليات الإرهابية عن طريق تعيين مخبر لكل مواطن، لكنه في المقابل منح التيار الإسلامي صلاحيات وامتيازات، كان التضييق كان على الجميع، خاصة الطلاب والحركات السياسية المدنية، وأن التيار الإسلامي، بكل أفكاره المتشددة، والجهادية، والرجعية، قد سيطر تمامًا على المجتمع، بدءا من ظاهرة الدعاة، وانتهاء بانتشارهم في العشوائيات والملاجئ تحت ستار الأعمال الخيرية.أي أن نظام مبارك قايض التيارات الإسلامية: أوقفوا العمليات العسكرية في مقابل السيطرة الكاملة على منافذ المجتمع. وبدلا من حصار جماعات معينة تعتقد في أفكار إرهابية، ومحاربة تلك الأفكار، أصبح كل مواطن مرشح لأن يصبح إرهابيًا إذا ما اضطر لذلك، بسبب السيطرة الفكرية، والمالية، بل والعاطفية، للتيار الإسلامي على المجتمع.

إعلان

كانت الخمس سنوات الأخيرة من عمر نظام مبارك هي الأسوأ، كان يخطو نحو ما نحن فيه الآن بتؤدة، لم يسارع إلى اتخاذ الإجراءات الاقتصادية المشددة التي انعكست سلبًا على حياة الناس، معلش برج الثور، بياخد كل حاجة على مهله، لكنه شرع في بيع القطاع العام، وتشريد العمال، وقطع أرزاقهم. من يظن أن الحياة كان لونها بمبي، فليتذكر مشاهد العمال المفصولين المعتصمين أمام مجلس الشعب لأسابيع، والسادة الأعضاء يمرون من أمامهم ويتجاهلون وجودهم، حتى اضطر العمال إلى خلع ملابسهم أمام مجلس الشعب لعل أحد النواب يلتفت إليهم ولو من باب الاندهاش.

مِنْ اللي بيغرقوا دول؟!
من يظن أن الحياة كان لونها بمبي، فليتذكر تغول جهاز الشرطة، الذي بدأ بتعذيب الجماعات الإسلامية، وانتهى بتعذيب سائقي الميكروباص، والمارة من المواطنين، إذا أوقعهم حظهم العثر في لجنة شرطية يشعر الضابط فيها بالملل. من يظن أننا نشهد الآن ما لم نشهده من قبل، فليتذكر بيع جزيرة القرصاية، وجزيرة الدهب.

الشيء الوحيد الذي يميز فترة حكم مبارك أنه، وكما كان يقول مبارك ذاته، وفر للمصريين "هامش من الحرية" لم يعد موجودًا الآن. حتى الآن مش فاهمة الهامش ده اللي بيتكلم فيه، هو قصده إننا كان عندنا فرصة نرغي، دلوقت ماحدش يرغي، الرغي وحش، حتى بيصدع. حقيقة المحبط الآن، والذي يدفع البعض للشعور بالندم، هو أن الأحوال لم تختلف، ولو أن مبارك يحكم الآن لانتقم من الثورة ولكانت الأوضاع بنفس درجة السوء، إن لم تكن أسوأ. لم تكن الأوضاع أفضل، المحبط حقا أن الأوضاع على ما كانت عليه.

كيف قامت الثورة
كما يقول الماركسيون: الحتمية التاريخية. استمرار شخص واحد في الحكم لمدة تزيد عن ثلاثين سنة، يحكم بموجب قانون الطوارئ، وتزيد شراسة جهازه الأمني، باعتراف حبيب العادلي ذاته إبان محاكمته، وينتهج سياسة اقتصادية لإفقار الناس، ثم أخيرًا يفتح المجال لباقي أفراد أسرته لتشاركه في الحكم، هذه أوضاع لابد أن تؤدي للانفجار، لو حجر كان نطق.

إعلان

مع اندلاع ثورة البوعزيزي في تونس، أصيب المصريون بحالة، والعياذ بالله، أمل، شعروا أنهم يستطيعون تحسين الأوضاع، لم يكتب عليهم نفس الشخص طوال حياتهم، يريدون التغيير، لديهم طموحات وأحلام، يحبون بلادهم ويريدونها حرة. مثلي مثل كل المواطنين الأبرياء العزل، وصلتني دعوة للتظاهر ليوم 25 يناير، في يوم عيد الشرطة، وكان اختيار اليوم قد لاقى قبولاً لدى الجميع لأن أرواح الناس كانت قد بلغت الحلقوم من الممارسات الشرطية.

غير صحيح أن الناس كانت قد نزلت في يوم 25 يناير لإسقاط حبيب العادلي، وأنهم غيروا رأيهم وقرروا إسقاط مبارك في يوم 28 يناير. هذا كذب بواح، وتزوير للتاريخ، وهراء. كنت قبل ذلك أحضر الوقفات الاحتجاجية على سلم نقابة الصحفيين، كنا نقف على سلم النقابة، يبلغ تعدادنا حوالي 50 فردا، يحيطنا سياج حديدي، ويقف أمامنا ما يقرب من 300 فرد أمن على الجانب الآخر. الناس كانت تمر من أمامنا وتضحك، كنا نشعر بالغيظ من هذه الضحكات، لكن تبين لنا بعد ذلك أن الناس حين تشعر بالحرج تضحك. كانوا يشعرون بحرج من عدم المشاركة، وهو ما ظهر بعد ذلك في يوم 25 يناير.

أعلنت جماعة الأخوان المسلمين أنها لن تشارك في فاعليات 25 يناير. توقعت، كما هو المعتاد، أن الأمر سينتهي بخمسين فردًا على سلم النقابة، وبعض الاعتقالات. نزلت في الصباح الباكر إلى ميدان التحرير ووجدته ثكنة عسكرية، سرت متوترة، فقابلت محام أعرفه من سنوات الجامعة، قال لي: فيه مخبر ماشي وراك يا نوارة، تعالي نعمل تمويه كأننا ماشيين مع بعض رايحين مشوار. سرنا حتى وصلنا أمام ماسبيرو فوجدنا حشدًا كبيرًا: إيه ده؟

هو: مش معقول.. إيه ده؟ دي ناس نزلت!

كان الهتاف الأول الذي سمعته أمام ماسبيرو من الحشود في تمام الساعة الواحدة ظهرا يوم 25 يناير: ارحل.. ارحل.. ارحل… ارحل.

إعلان

تهت منه وتاه مني وسط الجموع، سرنا في الطرقات، لا أدري كيف وصلنا إلى الشوارع الخلفية في رمسيس، وجدت زميلاً آخر (أنا مش عارفة أقول أساميهم ولا حيتقبض عليهم بأثر رجعي ولا إيه الواحد اتمخول). كان الناس تهتف ارحل، ولسبب ما تصورت أن هذه هتافات قد تتسبب في عدم مشاركة الآخرين، فقلت لهذا الزميل (هو زميل سلم النقابة يعني) ما تقول هتافات اجتماعية عشان الناس تضم.. فابتسم: هم مش ضامين؟ اسم الله على نظرك.. فقلت: يضم أكتر؛ فبدأ الزميل في هتافات: هم بياكلوا حمام وفراخ وإحنا الفول دوخنا وداخ.. لكن بدا لي أن هذا الهتاف لم يكن الأفضل، كانت الناس تصر على هتاف: ارحل.

يعني ما كانوش عايزين يمشوا حبيب العادلي… يا كدابين يا مزورين. كل واحد قاعد في بيتهم ويؤرخ للثورة من خيالاته.
اتصل بي والدي الشاعر أحمد فؤاد نجم: أنت فين يا نوارة؟
أجبت: احنا بنحرر مصر يا بابا.
صمت لعدة ثواني ثم قال: طب خلوا بالكم من بعض يا ولاد.

ربما وقتها كان عقلي الباطن على استعداد للاستجابة لكل ما يبث إليه، لإن هذه الجملة تحديدا استقرت في قلبي، وقادتني طوال اندلاع الثورة، شعرت بمسؤولية، لازم أخلي بالي من الناس، وهذا ما دفعني إلى الركض نحو أي تجمع إذا ما سمعت استغاثات: الناس بتنضرب. سرنا وسرنا، وكلما سرنا ازداد عددنا، قابلت سيناريست شهير، ولسبب مجهول استوقفني وقال: نوارة…. أنا أهو يا نوارة.

(ابتدينا نعيط أهو… هش هش)

في شبرا كانت قوات الأمن مكثفة، وبدأت في ضربنا بالقنابل المسيلة، واعتقال بعضنا، ركضنا في الشوارع الخلفية، وجدت نفسي ضمن مجموعة، لا يعرف بعضنا بعضا، لكننا كنا نتعامل بألفة الأصدقاء، قال أحدهم: تعالوا نستخبى في الجامع. كان هناك بعض المشاهد التي حين تروى تبدو لزجة، لكنها حدث بالفعل، هذا الشاب الذي قال تعالوا نستخبى في الجامع كان مسيحيًا. معلش.. أعلم أن المشهد ميلودراميًا إلى حد ما، لكن هذا ما حدث، ودخلنا المسجد، وقام الشاب المسيحي بتمثيل الصلاة أثناء مرور قوات الأمن بجوار المسجد. المشهد الآخر، هو أنني قررت التخفي! إزاي بقى؟ قلبت السترة على ظهرها، وارتديت كوفية فوق رأسي. أنا آسفة تاني… بس ده اللي حصل.

إعلان

خرجنا من شبرا بسلام، وتفرقنا ونحن نتجه إلى ميدان التحرير، في الطريق قابلت أحد زملاء سلم النقابة، قال لي: حصلت حاجة لزجة قوي بس أنا اتأثرت وعيطت، أسرة مسيحية أخفتني في بيتها أنا وفتاة محجبة.. ثم أضاف: إيه جو في بيتنا رجل ده؟ المشاهد كانت مؤثرة في وقتها، لإن أحد جرائم نظام مبارك هو عزل المسيحيين عن المسلمين، وزرع مشاعر متبادلة بالكراهية، لضمان السيطرة الكاملة على أحد أهم القطاعات في الشعب المصري.

كان لدى المسيحيين تصورًا بأن كل المسلمين قاطبة يريدون قتلهم، وكان لدى المسلمون تصورًا أن المسيحيين يخفون أسودًا ونمورًا وأسلحة في قبو الكنائس. كان المسيحيون – ومازالوا – يتعرضون لاضطهاد واستهداف على الهوية الدينية، وكان لدى الأغلبية من المسلمين حرج، أو كبر، أو تردد في إعلان التضامن وإدانة ما يتعرض له المسيحيون، كانوا يرددون كلامًا غبيًا (عندهم صيدليات ومحلات جواهرجية ومش مضطهدين ولا حاجة وأعز أصحابي مسيحي وكنت باكل الكيك بتاع مامته اللي كانت بتديهوله في المدرسة – على أساس إنه بيعمل فيه جميلة إنه بياكل أكله). ربما الآن يشهد المجتمع تحولا ضئيلا، فازدياد أعداد المسلمين المتضامنين مع المسيحيين، وإقرار هذا العدد المتزايد من المسلمين العاديين جدا وغير المسيسين بإن المسيحيين يتعرضون لاضطهاد واستهداف حدث بعد الثورة، وخاصة بعد حكم الأخوان، وربما هذه أحد مكاسب الثورة.

بينا يا جدع ننزل الميدان
امتلأ ميدان التحرير عن بكرة أبيه، أناس لم أرهم من قبل، اجتمعت "شلة" سلم النقابة في الجزيرة الكائنة في منتصف الميدان، ووقفنا ننظر باندهاش: إيه ده؟ الناس نزلت. طبعا جميعًا قد تابع مؤخرا واقعة فتاة الحضن ومحاولة فصلها من الجامعة، وتدخل شيخ الأزهر لتخفيف العقوبة، كل ذلك لأن حبيبها فاجأها بطلب يدها مع باقة من الزهور فتعلقت في رقبته ببراءة.

إعلان

تابعنا جميعًا الإدانات الاجتماعية والسباب المقذع الذي حظي به الشاب والفتاة والاتهامات في الشرف التي كان للفتاة نصيب الأسد منها. صح؟ طيب يا ولاد، لقد شاهدت هذا الشعب الخلوق المتدين بطبعه في ميدان التحرير، وقد فوجئ كل منهم بالآخرين، فمضوا يعانقون بعضهم البعض، ناس عادية خالص أقسم بالله، موظفات، مدام عنايات في الدور التالت، تحتضن الأستاذ عبد الواحد في شؤون العاملين، هي بـ"التايير الماكسي"، والست سبع طرح اللي بتلفهم على راسها والجزمة التلاتة سانتي السودا، وهو بالشيرز والبنطلون القماش، الجميع كان يعانق الجميع بلا تركيز فيما إذا كان من يعانقه رجلًا أو امرأة..مع همهمات: أنا كنت فاكر إني نازل/ نازلة لوحدي. وبعد طوفان الأحضان انطلق هتاف: لسه فيك رجالة يا مصر. لم تكن وقتها النساء قد قدمت بعد ما يجعلها تعترض على "رجالة"… إيه رجالة دي؟

ما إن بدأ قصف القنابل المسيلة للدموع حتى شرعنا في الركض، لكن أصواتًا من خلفنا استوقفتنا فالتفتنا لنجد الناس التي لم يسبق لها أن نزلت تظاهرة واحدة، لم يهربوا بل واجهوا المدرعات والقنابل

لاحقا أصبح هذا الهتاف يحيك في صدور بعض النساء بسبب ما قدمن من تضحيات كبرى في الثورة، وشعورهن بعدم استحقاق كل هذا الغبن والإنكار. لاحقا، أصبح الكثير من النساء يرفضن مديح: بنت بميت راجل. وربما هذا أيضا من مكاسب الثورة. كانت قوات الأمن المركزي تقف متحفزة عند مدخل الشيخ ريحان، في تمام الساعة الثامنة، مساء يوم 25 يناير، انطلق هتاف: الشعب يريد إسقاط النظام، وليس يوم 28 كما يزعم البعض… اللي ما جاش يومها ما يفتيش.

همس أحد رفقاء سلم النقابة: اليوم اللي استنيناه سنين جه أهو.

ربما تكون هذه هي المؤامرة التي يعنيها من يصمون الثورة بالمؤامرة! نعم، كان هناك مجموعة من الشباب، من يطلق عليهم اصطلاحًا كما قلت "الطليعة الثورية"، تأثروا بأحوال الفقراء والمهمشين والمغبونين والمظلومين، وأغلبهم كان يعيش حياة معقولة، لكن مشاعرهم تحركت نحو المستضعفين، وأرادوا للناس حياة أفضل، وحاولوا الكتابة على مدوناتهم، أو المشاركة في فاعليات ضعيفة، لم يكونوا منظمين، ولم يعجبهم فكر الإسلاميين، وشعروا أنهم وغيرهم مستحقون لحياة أفضل من هذه الحياة البهيمية. هل هذه مؤامرة؟

إعلان

رفقاء سلم النقابة كانوا أسرى تجاربهم السابقة، فبدأ بعضهم يتساءل: هو احنا حنروح إمتى؟.. وقف إبراهيم عيسى في الميدان وقال: مين عايز يروح؟ تروحوا؟ أنتوا مش شايفين الناس؟ مش مروحين احنا قاعدين، هو أنتوا وراكم حاجة؟ ده احنا ما صدقنا قعدنا مع بعض. لكن في تمام الساعة الثانية عشرة منتصف الليل كان لقوات الأمن رأي آخر: هجمت المدرعات علينا، وأوسعتنا قنابل مسيلة للدموع.

بصوا.. أنا حاقول الحق. بالنسبة لنا نحن رفقاء سلم النقابة، تعودنا على الركض، ذلك لإننا تعودنا على الأعداد القليلة، والعدد القليل ضعف، والضعيف يهرب. ما إن بدأ قصف القنابل المسيلة للدموع حتى شرعنا في الركض، لكن أصواتًا من خلفنا استوقفتنا فالتفتنا خلفنا: الناس التي لم يسبق لها أن نزلت تظاهرة واحدة، والتي ربما كان يمر بعضهم أمام وقفاتنا الاحتجاجية ويضحك ضحكته التي كانت تستفزنا، ومدام عنايات ومدام عفاف ومدام سهير والأستاذ عبد الواحد والأستاذ عبد الوهاب والأستاذ تادرس وكل الموظفات والموظفين بالتاييرات الماكسي والسراويل القماشية، وكل الشباب المهتم بكرة القدم وألبومات عمرو دياب والاصطباحة، وكل الفتيات بالبادي الكارينا تحت الملابس، اللاتي لا يفكرن سوى في اصطياد عريس، كلهم لم يهربوا، بل تسلقوا المدرعات، وأمسكوا بالقنابل المسيلة وردوها إلى قوات الأمن. لا أعلم هل هذا ما يقال عنه جرأة الجاهل، أم أن خبراتنا نحن السابقة المليئة بالهلع هي ما جعلتنا أجبن منهم.

جري الجريح من ورا لقدام
لا خاف ولا خف
تدوس عليه العربية تحوله لميت الف
يا للعجب يقتلوه ويتوقعوا هربه
يا للعجب يقتلوه ويتوقعوا غيابه
اللي اتقتل لسه واقف هو واصحابه
ما بهدل الامن غير من ماتوا واتصابوا
والصبح ما نور الا اما الشموس غربوا
اضرب عليا انا مش جاري يا قناص
من امتى خوفنا يابن الكلب ضرب رصاص
كل اللي شاف الشهيد بقى تاره تاره الخاص
الدم صاحي وعنيد ولا تقبلوش تربه
يا شعب ياللي دفع تمن الشوارع دم
احفظ اسامي اللي ماتوا في الشوارع صم
الشارع اللي اصطفى وقصر الامارة لم
ملوك قليلة الرباية ركبوا واتركبوا
"قصيدة يا شعب مصر – تميم البرغوثي"

إعلان

النصر حليف الأبرياء، ولو مؤقتا، حتى يفقدوا براءتهم. المفاجأة، في اليوم التالي كان هناك تظاهرات ضعيفة، في يوم 27 لم يكن هناك تظاهرات تذكر، وكان قد تم الإعلان عن جمعة الغضب، وضع رفقاء سلم النقابة رؤوسهم في رؤوس بعض: دي شكلها حتبقى زي 18 و19 يناير. يالا نيأس. لكنها لم تكن.

صليت الجمعة 28 يناير في مسجد مصطفى محمود، بالطبع كل المدامات والأساتذة وجمهور عمرو دياب وتامر حسني والباديهات الكارينا تحت الهدوم حضروا، لكنني وجدت أيضا نجمات ونجوم سينمائيين، مش حاقول أساميهم بقى، خليهم ياكلوا عيش كتر خيرهم على اللي عملوه. لم تكن الفرصة سانحة كي أذهب لأحد نجومي المفضلين لأخذ صورة بجواره، كان يواجه الغاز المسيل للدموع معنا على كوبري قصر النيل، ثم اعتصمنا في الميدان، والجميع يعلم بقية القصة التي لا مجال لتزويرها أو تشويهها.

كانت أحلى أيام.. وكنا نشعر أننا، ولأول مرة، نمتلك بلادنا، وكنا نسير في الطرقات كأننا نسير في صالة بيتنا، وكنا نشعر بالأمان: الشعب ركب يا باشا. وقدم الناس تضحيات بالأرواح والأعين والحريات. وكان هناك أمل. وكنا سعداء، سعداء بالأمل. وكنا نشعر بالجمال. وكنا نغني. وكنا نصلي. وكنا نرقص. وكنا نفتخر. وكنا شجعان. وكنا نضحك. وكنا نبكي.

نعم، لقد تم التلاعب بالحراك الثوري، لإننا كنا عزل، وكنا مسالمين، وكنا أبرياء، وكنا شجعان، وكنا غير منظمين، وكنا بلا قيادة، وكنا نصدق، كنا نصدق. لكن من قال أننا بلا مكاسب البتة؟

حملنا جهازنا العصبي فوق ما يحتمل بوعي كامل، واجهنا مالا يجب أن يواجهه مواطن مدني أعزل، مررنا على جثث ومشارح، تعرضنا لأصوات رصاص وقنابل ما كان يجب لنا أن نتعرض لها. لكننا قلنا أننا نضحي بسلامتنا النفسية، وربما العقلية، من أجل الأجيال القادمة، حتى تصبح مصر تليق بمصر.

يالا… النصيب.

إعلان

الحتمية التاريخية مرة أخرى

أحب هنا أن أسرد بعض الأكاذيب والادعاءات التي ليس لها أساس من الصحة وأجمل بعض ما ذكرته آنفا:

1- الناس كانت نازلة تمشي حبيب العادلي وما طالبوش بإسقاط مبارك إلا يوم 28 (سبق وتم دحض هذه المزاعم)

2- الشرطة انكسرت (الحقيقة أن الشرطة لم تنكسر، لكنها انسحبت عمدا لإيجاد فراغ أمني بلسان: طب ورونا من غيرنا حتعملوا إيه؟)

3- الثورة كانت أول تلات أيام بس بعد كده ركب الإخوان والبلطجية! (طب بذمتك ودينك يعني فيه ثورة 3 أيام بس؟ ليه؟ بنعمل ديتوكس؟)

4- اللي خلا الناس تنفض عن الثورة هو قلة أدب الثوار وطولة لسانهم…. ولنا هنااااااااا وقفةةةةةة

كما اتضح آنفا، فإن ما أطلقت عليه "الطليعة الثورية"، أو رفقاء سلم النقابة، قد تراجع دورهم ميدانيا تماما، وتقدم المشهد مدام عنايات وأستاذ عبد الواحد، ومدام عنايات عمرها ما تطلع منها العيبة، وكذلك الأستاذ عبد الواحد، أما الشباب من جمهور عمرو دياب وتامر حسني، فهذه هي مفرداتهم الدائمة، معلش فاجئوكم، وهذا الشباب هو تحديدًا ابن مدام عنايات وأستاذ عبد الواحد، بس مدام عنايات وأستاذ عبد الواحد كانوا قد قرروا تركوا الميدان يوم 12 فبراير، وعادوا لاستئناف حياتهم، ثم بدأوا في الخوف على أبنائهم من المواجهات، وانقلبوا رويدًا رويدًا ضد الثورة، ليس بسبب الألفاظ البذيئة التي كان يتفوه بها بعض المشاركين في الثورة، ولكن بسبب طبيعة حياتهم، وبسبب اندلاع مواجهات لم يتسبب فيها أبنائهم الذين مكثوا خلفهم في الميدان، ولكن تم جرهم جرًا إلى هذه المواجهات بهدف إنهاكهم والتسبب لهم في صدمات موجعة لكسرهم.

وطبعا مدام عنايات عايزة هيثم يرجع البيت زي ما هي رجعت، بس هيثم في ماسبيرو ومحمد محمود، وهيثم ابني وأنا مربياه كويس، هو الواد الناشط قليل الأدب ده اللي على التويتر هو اللي غرر بهيثم، مع إن أقسم بالله يا مدام عنايات إن الواد القليل الأدب ده كان بيشد هيثم بعيد عن الضرب وهيثم هو اللي عايز يروح ناحيته، بس حضرتك مشيتي من الميدان بدري، ولم يكن للواد قليل الأدب أن يترك هيثم يواجه الموت وحده، وهيثم متربي كويس طبعا يا مدام عنايات، عشان كده ما روحش، وهيثم كبر على إنك لما تقولي له ارجع البيت حالا يرجع، وهيثم كان بيقولك إنه قاعد على القهوة وهو في محمد محمود عشان ما تتخضيش عليه مش عشان اتعلم الكدب من العيال النشطاء قلالات الأدب، وهيثم كان لما حد من العيال النشطاء قلالات الأدب يقول له روح يا هيثم كان يشتمه ويخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه ويعمل عليه حفلة على الفيس بوك والتويتر ويقول له روح أنت يا جبان يا عبد البيادة يا قبيض بعت الثورة بكام؟ حضرتك أنا ياما هياثم مرمطوني عشان خايفة عليهم يا مدام عنايات، وفي أحيان كتير هيثم دبس النشطاء قلالات الأدب بس احنا ما بنقولش ع النت، وهيثم ما اتعلمش الشتيمة من النشطاء قلالات الأدب، هو بيشتم من زمان بس مش قدامك، ومافيش ثورة بتفشل من كتر الشتيمة يا مدام عنايات ويا أستاذ عبد الواحد، وتنكركم لدوركم الأساسي في الثورة لن يعفيكم من المسؤولية إذا كنتم الآن تعتبرون أن الثورة ذنبا ومؤامرة وخساير وأيام سودا.. يا كدابين أنتم نزلتم في أكثر الأيام حرجًا أثناء الحراك الثوري، بس هيثم ابنك قرر يكمل وأنتم حمرأتوا.

إعلان

5- القوى المدنية ما قدمتش بديل للإخوان والعسكر:
الحقيقة أنه لم يكن هناك ما يسمى بقوى مدنية حقيقية، ليس لإنها متخاذلة، ولكن لإن نظام مبارك لم يسمح بالتنظيم والتكتل سوى للإسلاميين كي يكونوا البديل الوحيد الحقيقي له، وليكون هذا هو الفزاعة الداخلية والخارجية، وقد عمد نظام مبارك إلى سيطرة التيار الإسلامي فكريا واجتماعيا حتى تفشل كل التيارات الأخرى في استقطاب أي عدد من المواطنين، لإن ليبرالية يعني أمك ما تلبسش حجاب، ويسارية يعني خمرة ونسوان، طريق بدأه الراحل أنور السادات وغذاه المخلوع مبارك.

6- بعد إسقاط النظام حصل فراغ ما ملاهوش إلا الإخوان وده اللي أدى لفشل الثورة.
الحقيقة أن النظام لم يسقط لمدة خمس دقائق، وكان يدير الأمر منذ اللحظة الأولى وحتى الآن، حتى أثناء حكم الأخوان، وهذا ما كان يعلمه الأخوان جيدا وطبعوا معه لإنهم هم أنفسهم جزء من النظام وأحد أهم أسباب استمراره.

نعم، لقد تم التلاعب بالحراك الثوري، لإننا كنا عزل، وكنا مسالمين، وكنا أبرياء، وكنا شجعان، وكنا غير منظمين، بلا قيادة، وكنا نصدق، كنا نصدق. لكن من قال أننا بلا مكاسب البتة؟

نحن مازلنا أحياء، بالاكتئاب واليأس والإحباط، لكننا أحياء.

نحن تغيرنا كثيرا، ربما فقدنا البراءة والنقاء، لكننا عرفنا الكثير، ربما أكثر مما ينبغي، ربما لم تعد بين قطاعات الشعب تلك الأسوار الشاهقة، ربما انكشف الغطاء لنرى ما كنا لا نراه، ربما شعرت بعض القطاعات في المجتمع بالاستحقاق، وربما شعر المجموع بعدم الاستحقاق في ذات الآن. ربما نحن منهكون، لكننا لم نعد كالسابق. لا أعلم إن كنا في السابق أفضل أم الآن، لكننا لسنا الذين كانوا منذ ثمان سنوات.

ربما نسمع الكذبات ونمررها، ولا نعلق عليها، لكننا لم نعد نصدقها كما كنا.
ربما نحن ساكنون لأننا يائسون، لكننا غير راضين.
ربما نحن خائفون، لا نتمتع بذات الشجاعة الفائقة التي كنا عليها، لكننا لم نعد ألعوبة في يد أحد.

إعلان

“إني رأيت اليوم

الصورة من بره

قلت الحسين لسه

حيموت كمان مرة

إني رأيت اليوم

فيما يرى الثائر

إن الحسين ملموم

فوق جثته عساكر

بيدغدغوه بالشوم

كل أما ييجي يقوم

وإن البشر واقفة

تبكي بدال ما تحوش

وإن العلم مصفاه

م السونكي والخرطوش

وإن الطريق مفروش

بالدم للآخر

إني رأيت اليوم

الدم ع الآيش

وإن الحسين احنا

مهما اتقتل عايش

“قصيدة الحسين – مصطفى إبراهيم"