فيلم وثائقي

الحبر الأعظم المتسلح بالكلمة

فيلم "البابا فرنسيس: رجل في كلمته" يعطي إجابات مثالية عن العالم بعمومية فاقعة
24.3.19
بابا فرانسيس

البابا فرانسيس مع المخرج الألماني فيم فندرز (CNS photo/Vatican Media)

لا مفر من الاختبارات التي تواجه الخطاب الديني. اختبارات تصبح أقسى مع بدء عملية تجديد هذا الخطاب. المسيحية تغيّرت كثيراً مع الزمن، لكنّ المفارقات لا مهرب منها، عن علاقة الإيمان بالعقل، عن التناقض بين نصوص الحب اللانهائي وقسوة وبطش الكنيسة في مرحلة من التاريخ، عن حلقات التطوير واللحظات المخزية. لكنّ تناقضاً فاقعاً بقي على حاله، القوة الاقتصادية العظيمة للكنيسة رغماً عن رفض الوعظ الإنجيلي المستمر للتجاوزات ولتراكم الثروات.

إعلان

المخرج الألماني الكبير فيم فندرز التفت إلى هذه التناقضات، راقب التغيرات الحاصلة الآن، إنّه زمن الكاهن الأرجنتيني، هذا الذي يستعيد طريق وإسم القديس فرنسيس الأسيزي الذي أحب الشمس والقمر والطيور والذي كان من أتباع التيار الإصلاحي في الكنيسة، تيّار الزهد ورفض الترف والدعوة لإعادة بناء الكنيسة من جديد. "البابا فرنسيس: رجل في كلمته" وثائقي ممتع عن البابا الجديد ولهجته المعاكسة والجديدة. عن التوجه الكنسي الجديد تحت رعايته، لأوّل مرّة في الهرم الكنسي يصبح الفقراء القضية الأساس والاهتمام بالمحتاجين الأولوية السياسية، فمنذ اليوم الأوّل حذّر من أن "الكنيسة الثَرية ستضحي منظمة غير حكومية."

1552817306132-Graphic_2018-05-24_pope-francis-1

يبدأ الوثائقي من قصة القديس فرنسيس الأسيزي، ثم نقفز إلى لحظة مثيرة للاهتمام، إلى العام 1999 عندما كان خورخي ماريو بيرجوليو (اسم البابا فرانسيس الأصلي) أسقف بيونس آيرس، يلقي كلماته بكثيرٍ من الحب والحرص أمام الناس وكيف يجلّونه ويعلّقون آمالهم عليه. ثم ينتقل الفيلم إلى لحظات مختلفة من أيام البابا، سفره بين البلدان، من أفقرها وأكثرها حاجة إلى أغناها وأكثرها تطوراً، والأحداث الكبرى مع أهم قادة العالم من ترامب إلى بوتين ومن بيبي موخيكا إلى أوباما، ثمّ مقابلات يتحدث فيها البابا في كافّة المواضيع. ما فعله فندرز هو تظهير العمل الرائع الذي يقوم به البابا مستغلّاً موقعه الوسطي، من دعم عملية تحقيق السلام للعالم أجمع، تقديم يد المساعدة لكافّة الأطراف خلال الصراعات وفي خضمّ الحروب وأزمات اللجوء وصولاً للقضايا البيئية مثل الاحتباس الحراري. يظهر الوثائقي النزعة الثورية التقدمية للبابا في مفارق مفصلية في الكنيسة الكاثوليكية: يدعم الأقليّات الإثنية والدينية، ضحايا البيدوفيليا، اللاجئين والفقراء.

كيفما التفت البابا كنّا معه، مشهدية جميلة، صورٌ واسعة للمناسبات الكبرى التي تغصّ بالناس، كل شيء تمّ الاهتمام به مع إضفاء مشاهد بالأبيض والأسود. يدنو إلينا البابا متحدّثاً عن الفقر، الظلم الاجتماعي، البيئة والهجرة، عن الألم (لماذا يوجد؟) والحب (الحقيقة، الحل). يحكي بكلمات الفطرة الدينية الطبيعية، ثمّ بكلمات ثورية "لا يجب أن يخاف المرء من هذه الكلمة، رسالة يسوع المسيح هي ثورية،" كما يقول. لم يتجاوز القضايا الخلافية بل إنّه لم يتجاهلها، تحدث عن نزع السلاح، المثلية الجنسية، الظلم الاجتماعي، عولمة التعصب ضد المهاجرين، الحاجة إلى التغلب على نظام اقتصادي قائم على الاستغلال، إساءات البشرية ضد الطبيعة. ورغم حدّة القضايا وخطرها في كثيرٍ من الأحيان إلّا أنّه أدلى بدلوه بدفء وبساطة، بطريقته المعهودة ككاهن أبرشي لا بابا العالم المسيحي.

في كلّ إجابة عن سؤالٍ إشكالي يمرر البابا جملة "العيش معا" يكررها بملء إرادته على مسامعنا ويختار المخرج عرضها مراراً وتكراراً دون أي نقاشٍ أو تعقيب

انبهار فندرز بالبابا كان واضح. إعجاب حجب قدرته على طرح الأسئلة الإشكالية، إجابات البابا مرّت دون إحراج، دون تعقيبٍ دون أسئلة جديدة بينما غاب الشقّ الاستفهامي عن حياة الرجل الشخصية بشكلٍ كبير. الوثائقي لا يفاجئنا كما لا يفاجئ الحبر الأعظم. بدا الفيلم عادياً، خلى من الإثارة ورغم لحاقنا بالبابا بين مدن العالم لم نشعر أننّا غصنا فعلياً في حياته وهذا بسبب غياب النكهة الشخصية أمام المهام العملية. لم نعرف عن أصوله، عن كيفية وصله للباباوية بلاتينيته ويسوعيته. الفيلم على الهامش، إجابات مثالية دائماً عن العالم بعمومية فاقعة. الفيلم يدور في إطار المفهوم العام للمؤسسة الكنسية ولم يخرج عنها قيد أنملة. الفيلم حرفيا تقيّد بعنوانه "رجل بكلمته" لم يكن أمامنا إلّا الإستماع إلى كلمات البابا التي يريد هو قولها. فندرز يدرك أنّ هناك موضوعات مثيرة للجدل مثل القضايا المتعلّقة بالـ LGBTQ، كلمات قليلة لم تشفِ غليلنا لنفهم أكثر رأي البابا بمقامه الديني الرفيع. وهذا هو الحال الذي انسحب على الأسئلة عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الكنائس، فقط إجاباتٌ نمطية على أسئلة بغاية الخطورة. في كلّ إجابة عن سؤالٍ إشكالي يمرر البابا جملة "العيش معا" يكررها بملء إرادته على مسامعنا ويختار المخرج عرضها مراراً وتكراراً دون أي نقاشٍ أو تعقيب.

الفيلم ليس سيرة ذاتية، بل سيرة عملية للبابا فرنسيس. إنها صورة جميلة للـ "بابا" الإنساني، لشخصية لامعة صوّرها مخرج عظيم. ولكن هل كل ما سبق كافٍ لوثائقي عن شخصية مثل البابا فرنسيس ومن إخراج واحد من أهم المخرجين العالميين؟ كلا. في بعض الأحيان نسأل أنفسنا: هل هذا كل شيء؟ ما هذا؟ كاتالوغ نوايا حسنة؟ هل هو فيلم دعائي عن الكنيسة ورجلها؟ هل فندرز بحاجة لهذا سينمائياً؟ الفاتيكان هي من طلبت من فندرز أن يصنع الوثائقي وليس العكس، ولكنّ هذا لا يبرر سطحية شاهدناه.