صحة نفسية

هل تؤمن بفعالية العلاج النفسي أونلاين؟

هناك خلاف حول فعاليّة هذا العلاج ما بين من يشجّع طريقته ومن يرفضها- وأسباب كل طرف تبدو منطقية
17.12.18
علاج النفسي

myfriendscoffee.com

أصبح العلاج النفسي اليوم واحداً أهمّ الممارسات الشخصيّة، والصحّة النفسيّة باتت من أهمّ الأمور الّتي علينا الاعتناء بها على الصعيد الشخصي. تدريجياً تطوّرت هذه الممارسة مع التطوّر التكنولوجي، وأصبح هناك خيارات أسهل وأسرع ربما وهي اللّجوء الى شبكة الانترنت للحصول على نصيحة أو جلسة بدل الذّهاب الى مكتب المعالج النفسي. العلاج النفسي "اونلاين" يبدو مغريًا جدًا. فما هو أجمل من الحديث عن أنفسنا ومشاكلنا ونحن جالسين على الكنبة في صالون منزلنا؟

إعلان

شهدنا مؤخرًا ظهور العديد من المواقع الّتي تؤمّن علاجًا عبر الشبكة بشكلٍ مباشر. عند دخولك أحد هذه المواقع، يظهر أمامك تلقائياً مجموعة من الاسئلة، يستعملها النظام الالكتروني لمعرفة حالتك وتحديد "حاجتك." ثمّ تختار اللّغة الّتي تفضّل التعبير بها والمنصّة الالكترونيّة الّتي تفضّل استخدامها: اتصّال صوتيّ، اتصّال صوتي ومرئيّ، دردشات مكتوبة، إيميل وغيرها من أشكال التواصل في العالم الافتراضي. وأخيرًا يجب أن تتحضّر نفسياً الى أنّ اسمك يمكن أن يكون على لائحة انتظار ليأتي دورك بعد أسابيعٍ أو شهور. هناك أيضاً خيار "اثنين في واحد" وهو مزيج بين التقليدي والافتراضي. فبعد البدء بجلساتٍ شخصية بين المريض والمعالج، يمكن أن يتم نقل الجلسات لاحقاً الى العالم الافتراضي، طبعاً يعتمد ذلك على الحالة. على الرغم من انتشار هذه الخدمات في العالم العربي في الفترة الأخيرة، إلا أنه لا يزال هناك خلاف حول فعاليّة العلاج "الإلكتروني" ما بين من يشجّع طريقة العلاج هذه وما بين من يرفضها - وأسباب كل طرف تبدو منطقية.

جيسيكا إبراهيم، التّي تعمل معالجة نفسية بمؤسسة رينيه معوّض (شمال لبنان)، تقول انّ العلاج عبر الشبكة فعّال فقط في الحالات المرضيّة الخطيرة، وبشرط وجود جلسات فعليّة سابقة بين المريض والمعالج، وتوضح ذلك بالقول: "هناك حالاتٍ معيّنة، يكون وضع الشخص النفسي يحتاج للمتابعة المستمرّة. في حال وجود هؤلاء الأشخاص في نفس المكان مع معالج الأفضل أن تكون الجلسة مباشرة وليس عبر الانترنت. ولكن في حال سفرهم، وهم بحالة اكتئاب صعبة، أو انّ الشخص لديه أفكار انتحارية، فهو بحاجة ماسّة الى معالج مهما كان شكل التواصل وفي هذه الحالة يكون العلاج عبر الشبكة فعّالاً. لكن لا يمكن بناء معالجة سليمة عبر الشبكة فقط."

كنت أشعر بحاجة ماسة للحديث مع معالجتي، لكنني فعلياً غير قادرة على بذل أيّ مجهود للوصول إليها. وهنا أؤيّد اللّجوء الى الشبكة للقيام بالجلسة وأعتبر انّها من الممكن أن تكون فعّالة

فكرة تلقي العلاج بدون الكثير من التعقيدات المرتبطة بالجلسات الفردية، تسهّل عمليّة قبول جزء من المعالجة عبر الشبكة كما تقول ايليسّا، 23 عاماً، طالبة ماجستير إعلام، والتي خاضت سابقًا تجربة العلاج النفسي عبر الشبكة: "بعض الاشخاص الذين يلجأون للعلاج عبر الإنترنت، يكونون في حالةٍ نفسيّة تمنعهم من الخروج من (قوقعتهم)، بالرّغم من حاجتهم للتحدّث والانفتاح لمعالجٍ وهذا ما حصل معي. في حالات الاكتئاب الشديدة كنت أشعر بالحاجة الماسة للحديث مع معالجتي، لكن فعليًا غير قادرة على بذل ايّ مجهود للوصول اليها. وهنا أؤيّد اللّجوء إلى الشبكة للقيام بالجلسة عبر سكايب وأعتبر انّها الممكن أن تكون فعّالة. ولكن بشكل عام، أرى أن العلاج عبر الشبكة يمكن أن يكون فعّالاً على المدى القصير، أمّا على المدى الطويل، فلست أكيدة من فعاليّة هذه الطريقة بالعلاج. الحضور الشخصي والجسدي للمعالج والمريض سوياً في الجلسات أساسيّ جداً بسبب أمور متعلّقة بلغة الجسد، الّتي تعبّر عن الكثير، وهي ليست دائماً حقيقيّة وفعّالة عبر الشبكة."

فعالية العلاج النفسي بدون جلسات فردية وجهاً لوجه غير مضمونة، كما يؤكد المعالج الأسريّ خالد ناصر من مؤسسة Family Communication في لبنان: "في حالة المرضى الذين يعانون من حالة صدمة مثلاً، يكون من الصّعب جداً الحديث معهم عبر الشبكة، واحتواء الشخص وتهدئته. لو كان هذا الشخص أمامي، فسأتمكن من مساعدته من خلال القيام بتمارين معيّنة مثلاً. لكن لا يمكننا الدخول بأمور حسّاسة جداً ومعقدة نفسياً إذا لم هناك تبادل مباشر وحسيّ. هذه هي صعوبة العلاج عبر الشبكة، حين يكون هناك حاجة للتواصل بمواضيع معيّنة يمكن أن تصبح تابو عبر الشبكة."

إعلان

ريم، 21 عامًا، طالبة في الجامعة اللبنانيّة، تقول أنّها بكلّ بساطة لا تثق سوى بالعلاج النفسي التقليدي. "شخصياً، لا أثق بالعلاج عبر الشبكة وذلك لعدّة أسبابٍ. أولاً لا أثق بشبكة الإنترنت بشكلٍ عامّ. فكرة تخزين المعلومات الشخصيّة المأخوذة من أيّ استعمال للشبكة موضوع غير آمن بحدّ ذاته، فكيف لي أن أفتح المجال للدخول بأكثر الأمور الشخصيّة والسريّة عبر الشبكة؟ طبعاً ليست بأسرارٍ نوويّة لكنّها خاصّة ولا أثق بفتحها على المنصّات الأكثر انفتاحًا. بالنسبة للشخص المعالج، حتى لو تكلّمنا بشكلٍ مطوّل سوياً، الّا أنني اعتبر انني لا أزال لا أعرفه شخصيًا، وهذا لا يساعد في تعزيز الثقة. الانفتاح والتواصل هي من أصعب الأمور في العلاج النفسي، بالتّالي نحن بحاجة الى كسر جميع الحواجز لتخطّي هذا الحاجز والبدء بالعلاج. الشبكة لا تساعد أبدًا على كسرها."

فيما يتعلّق بموضوع الأمانة تقول المعالجة النفسيّة، جيسيكا أنّ الشبكة فعليًا لا تؤمّن جوّ من الراحة والثقة ليستطيع المريض الانفتاح التامّ والتحدّث مع المعالج وتضيف: "يمكن أن يكون المعالج غير محترف ويسجّل حديث المريض مثلاً، بالإضافة إلى الأمور الّتي تخلق من اللقاء المباشر والّتي تختفي عند اللّقاء الافتراضي، كالتعاطف مع المريض والتفرّغ كاملاٍ لحالته والتركيز عليها من دون التشويش بأمور مختلفة حوله. لذا لا أظنّ أن العلاج عبر الشبكة ممكن لأن يكون فعّالاً حتّى مع اختلاف المعالجين واختلاف الحالات."

من الممكن أن تخفّ جودة الاتّصال فيُضطرّ المريض إلى إعادة حديثه مرارًا، مما يقلل من رغبته في التحدّث. هذه الأمور البسيطة تؤثّر على سير الجلسة وإنتاجيّتها

علمياً ايضاً، يبدو أنّ هذا العلاج يناقض علم النفس. "حين أؤيّد العلاج عبر الشبكة، أؤيّده بشكلٍ واحد وعلى منصّة واحدة وهي الاتّصال البصري عبر سكايب. كلّ الأشكال الأخرى، الايميل او الدردشة عبر واتساب، او ايّ وسيلة اخرى ليس فيها صوت وصورة أعتبرها غير مناسبة أبداً. كيف لمريض هو بحاجة في هذه اللحظة لمعالج أن يرسل له إيميل مثلاً وينتظر ردّه بعد وقتٍ؟"، تقول جيسيكا وتضيف: "هناك ما يسمّى transfer and counter transfer حيث يتعلّق المريض بالمعالج، وهنا ندخل بمعمعةٍ أخرى. أصلاً كيف للمريض بأن يرتاح للتحدّث مع المعالج من دون مقابلته شخصياً أولاً، وكسر الجليد معه، والشعور بالرّاحة التامّة تجاهه (والعكس صحيح) من خلال الشبكة؟ أمّا بالنسبة للمواقع الّتي تؤمّن هذه المعالجين وجلسات المعالجة، أنا ضدّها لأنّه مهما كان شكلها ومضمونها، فهي تبقى غير موثوقة بالنّسبة إليّ."

ناصر ليس لديه مشكلة مع هذا الشكل من العلاج طالما انّ العلاقة بين المريض والمعالج علاقة صحيّة ومتينة، حيث يشير إلى أن حوالي 30% من عمله يكون عبر الشبكة. حين يضطرّ على السفر، هناك بعض الحالات لا يمكن إيقاف العلاج معها وبالتّالي يجب المتابعة مع أصحابها من خلال سكايب. "مفتاح أيّ علاج بشكلٍ عامّ هو بناء علاقة، بحيث يصبح مضمون الجلسة ثانويّاً إلى حدٍّ ما. الشخص الّذي يكون بحاجة إلى علاج يجب أن يشعر أنّ الذي أمامه لا يحكم عليه أبداً ولا يتّهمه، بل يقبله كما هو ويحاول مساعدته قدر المستطاع. هذه العلاقة هي أساس العلاج. طالما انّ هذه العلاقة تم الحفاظ عليها من قبل الطرفين، تصبح عمليّة العلاج أسهل لو كانت عبر الشبكة أو مباشر مع الشخص وأعتبر أنّها تصبح مفيدة جدًا."

إعلان

وأخيراً، فيما يتعلّق بجودة الاتّصالات الّتي تؤثّر أيضاً على سير العمليّة تقول جيسيكا: "الاعطال التكنولوجيّة الّتي ليست بعيدة أبداً عن العالم الّذي نعيش به، وهذه الأمور التقنيّة تؤثّر مباشرةً على حالة المريض وانفتاحه خلال الجلسة. من الممكن أن تخفّ جودة الاتّصال فيُضطرّ المريض إلى إعادة حديثه مراراً مثلاً، مما يقلل من رغبته في التحدّث، أو يضطّر المعالج لايقاف الجلسة بشكلٍ فجائيّ. هذه الأمور البسيطة تؤثّر على سير الجلسة وإنتاجيّتها، بسبب الحالة النفسية الّذي يكون بها المريض."

استخدام تطبيقات الإتصال عبر الأنترنت خلال اجتماعات العمل العاديّة غير مريحة وغير فعّالة، فتخيل صعوبة ذلك عندما نتحدث عن علاج نفسي؟

"أنا ضدّ هذا الشكل من العلاج بشكلٍ كبير. خصوصًا عندما نتعامل مع معالجين نفسيين (Psychologist) وليس فقط مستشارين نفسيين (Counselor)،" يقول حسين، 27 عامًا، ويشرح وجهة نظرة بالقول: "حتّى لو كان الموقع يوفّر لي جميع المعلومات المتعلّقة بالمعالج، الأمر ليس شبيه بالالتقاء الفعلي والجسديّ بالشخّص والتعرّف عليه شخصيًا. أنا بحاجة لمعرفة من هو الشّخص الّذي أتعامل معه. وهذا ما يساعدني في تحديد ما إذا كنت مرتاحًا بما فيه الكفاية لأتحدّث مع هذا الشخص أو غيره. حالتي لا تجسّد بنصّ مرسل عبر الايميل وعلى المعالج "تحليل هذا النصّ" وحتّى الاتصالات المرئيّة او الصوتيّة، أنا أؤمن أنّه لن يستطيع تشخيص الحالة بشكلٍ دقيق لأنّه وكما ذكرت، لا شيء يعبّر عن الحالة غير التواصل الحسّي. استخدام تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت خلال اجتماعات العمل العاديّة غير مريحة وغير فعّالة، فتخيل صعوبة ذلك عندما نتحدث عن علاج نفسي؟"

العلاج عبر الشبكة لا يزال أمرًا شائكاً وفعاليته لا تزال غير واضحة. إلّا أنّ العديد من الشباب يلجأ اليه لأسبابٍ مختلفة من ضمنها "الهويّة المجهولة." هذا ما يشكّل عائقاً اليوم أمام العديد باللّجوء الى العلاج النفسي، بالرّغم من الحاجة الماسّة إليه، والخوف من المحيط الاجتماعيّ بسبب الصورة المنمّطة لكلّ من يلجأ الى العلاج النفسي. هذه النظّرة، ولو تراجعت في بعض المجتمعات العربيّة، الّا أنّها لا تزال وصمة على العديد من الأشخاص.

"قد أقبل المعالجة على الشبكة في حالةٍ واحدةٍ، وهي إذا كنت بحاجة الى معالجتي، الّتي اأرفها شخصياً وبدأت معها في مكتبها وبشكلٍ شخصيّ، عندها قد نلجأ الى منصّات الشبكة الالكترونيّة. ولا شك أن العلاج عبر الشبكة لديه الكثير من الايجابيات، من ضمنها أن الإبقاء على هوية الشخص مجهول، والشعور بالراحة الذي يرافق العلاج عبر الشبكة، لأنه يمكنك اختيار مكان الجلسة، قد تكون غرفة نومك أو منزلك بدلاً من مكتب بارد. لكن أنا شخصيًا لا يزال لدي الكثير من الشكوك بمدى فعاليتها،" تنهي ريم بالقول.