بيئة

لبنان على شفير كارثة بيئية طويلة الأمد، والسبب: النفايات

يتعاملون مع الموضوع وكأنه منجم للمال فيما هو في الحقيقة منجم أمراض
25.9.19
landfill

"وزير البيئة اللبناني يستقل المترو من واشنطن إلى نيويورك!" بهذه العبارات شرع المغرّدون بمحاولة مدح وزير البيئة اللبناني فادي جريصاتي لاختياره المترو كوسيلة نقل كخطوة منه دعماً للمناخ وأهمية المحافظة عليه خلال مشاركته في قمة المناخ. في ما أشار آخرون إلى قيامه "بزراعة شجر أرز في واشنطن بينما يدمّران أودية لبنان وغاباته ومئات آلاف الأشجار." ولكن ماذا عن أزمة النفايات في لبنان، تساءل آخرون. صور الوزير جريصاتي هي ببساطة سوريالية، وكأن وسائل النقل العامة المريحة والمناسبة مُتاحةٌ أصلاً كخيار في لبنان للتنقل والمساهمة بإنقاذ المناخ. أما الأمر المثير للجدل فهو إظهار ذلك الإهتمام بالبيئة في وقت ترفض الحكومة والبرلمان اللذان يُسجّل للوزير أنه عضو مساهم فيهما، إقرار أي خطط بيئية -داعمة للمناخ- للتخلص من أزمة النفايات في لبنان.

إعلان

هذه الصور والتغريدات أعادتني إلى 22 أغسطس 2015 وإلى أزمة النفايات في لبنان التي اعتقدنا يومها أنها مجرد سوء تفاهم بين الدولة، المتعهّدين، وشركة جمع النفايات، ليتبيّن لاحقاً وبعد أشهر أن أبعاد الأزمة أعمق من سوء تفاهم وقد تؤدي بلبنان إلى الهاوية البيئية. لعل شوارع بيروت خلت من الأكياس والمستوعبات الفائضة بها، إلا أن أزمة النفايات لم تختفي من الوجود على الإطلاق، وحلول معالجتها لا تزال غائبة حتى اليوم، بعد مرور ما يقارب الخمس سنوات. نشاهد من وقت لآخر حملات تنظيف للشواطئ، تُجمع النفايات من قبل المواطنين المتحمسين، يتم رمي هذه النفايات في المطامر دون فرز، عند أول نسمة هواء تتطاير النفايات مجدداً نحو البحر، ليُعيدها البحر إلينا، إلى الشواطئ التي كنا قد شاركنا بتنظيفها. هذه هي دورة النفايات في لبنان. دورة من العدم، كافية لتدفع المواطن للتفكير بأن "النفايات مش مشكلتي" لأن الحلول تبدو بعيدة المنال.

ولكن مع وصول تلوث الهواء لمستويات أعلى من تلك المسموح بها وفق منظمة الصحة العالمية وارتفاع نسبة تلوث المياه على امتداد الشاطئ من الشمال إلى الجنوب نتيجة لتسرب مياه الصرف الصحي ورمي النفايات، فالأزمة هذه ليست مشكلة فرد أو مجموعة سياسية بل أصبحت أزمة صحية تهدد الجميع.

إصرار الدولة على اعتماد المحارق كحل نهائي هو أصل المشكلة
قبل فترة، بدا لنا أن الدولة مستعدة للشروع بإيجاد حلول حقيقية لمعالجة أزمة النفايات من خلال رفع عدد من النواب أصواتهم ضد الحلول المقترحة وخاصة المحارق، إلا أن جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 27/8/2019 أثبتت أننا ذاهبون نحو الأسوء فعلاً، حيث تم اقتراح ما سُمِّي بـ "الخطوط العريضة لخارطة الطريق لقطاع الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة" وتضمنت الخطة إقامة 33 مطمراً و3 محارق للنفايات في لبنان.

إصرار الدولة على اعتماد المحارق كحل نهائي هو أصل المشكلة. تعتبر المحارق تقنية ملوثة للبيئة وسامة على صحة الإنسان والبيئة ينتج عنها ملوثات هوائية سامة تتسبب بأمراض مميتة مثل السرطان وأمراض القلب والرئة والتشوهات الخلقية. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، المشكلة الأساسية تكمن في عدم خضوع المواقع المقترحة لإقامة مطامر لأي تقييم حقيقي (من قبل منظمات بيئية غير مستفيدة من تلك المشاريع) لمعرفة الأثر البيئي المتوقع.

ما يجري على الأرض هو أن مشروع المطامر يقوم على مبدأ "انشالله خير" أي نفتح المطمر، نرمي النفايات، ونتمنى أن يكون المطمر حل مناسب، على حساب صحة السكان

تُقدم الحكومة اللبنانية المطامر على أنها حلّ وردي سيخلصنا من النفايات، ولكن تأثير هذه المطامر القريبة من المنازل والمناطق السكنية على صحة السكان هو موضوع لا يؤخذ على محمل الجد. ما يجري على الأرض هو أن مشروع المطامر يقوم على مبدأ "انشالله خير" أي نفتح المطمر، نرمي النفايات، ونتمنى أن يكون المطمر حلاً مناسباً، على حساب صحة السكان - وهو مبدأ اعتمدته الدولة اللبنانية منذ سنوات مع استحداث كل أزمة بيئية وتحديداً أزمة النفايات.

تقول سمر الخليل، أخصائية في الإدارة البيئية وعضو في اللجنة التوجيهية لتحالف إدارة النفايات، أنه تم اقتراح عدة حلول على الحكومة اللبنانية بين عاميْ 2006 و 2010 لمعالجة أزمة النفايات قبل أن تصل حد الانفجار حتى، ولكن لم تتم الموافقة على أي خطة منها امتداداً لعام 2015. يعود ذلك أولاً لعدم وجود مكان متفق عليه لرمي النفايات، بحسب الخليل. مثلاً، بعد أن يتم الاتفاق على موقع لوضع النفايات، يرفض أهالي المنطقة استقبال النفايات لأنها نفايات منطقة أُخرى. المثال على ذلك هو ما حصل عام 2006 حيث أنه كان من المفترض أن يذهب جزء من نفايات بيروت إلى جبيل وجزء آخر إلى الشوف، بعض أهالي جبيل رفضوا ذلك، وفشلت الخطة. وتضيف الخليل: "السبب الآخر يعود إلى قلة التخطيط. الخطط التي يتم وضعها تكون دائماً خطط طوارئ يتم تجديدها عاماً بعد عام لتذهب الاتفاقيات والمال والتمويل إلى شركات تابعة لجهات سياسية معينة.

إعلان

بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" لا يملك لبنان خطة لإدارة النفايات الصلبة للبلد بأكمله. في التسعينات، نظّمت الحكومة تجميع النفايات والتخلص منها في بيروت وجبل لبنان، بينما تركت باقي البلديات تتدبر أمورها بدون ما يكفي من مراقبة أو دعم مادي أو خبرات تقنية. فكثرت المكبات المكشوفة وازداد الحرق في الهواء الطلق عبر البلاد وكذلك ازدادت عادة رمي النفايات عشوائياً في البحر ومجاري الأنهار.

1569155913531-crow-4339682_1280

منجم أمراض
زينة عبلة، الناشطة في المجال البيئي التنموي وعضو ائتلاف إدارة النفايات وعضو تحالف بيروت مدينتي تقول أن حل مشكلة النفايات صعب ومُعقد: "العوامل متعلقة بالسياسات وطريقة تنظيم السياسات في لبنان من قطاع النقل إلى الخدمات، هي سياسات مداها قصير جداً ولا يوجد ملاحقة عليها، يتم تطبيق أجزاء منها بحسب التمويل وبالتالي لا تعطي أي نتيجة من النتائج المرغوبة. بالإضافة إلى التلكؤ في تطبيق السياسات وملاحقتها، هناك الوضع السياسي الذي يفرض نفسه في لبنان، والدورة السياسية القصيرة. المجموعات والأحزاب السياسية تحول إنجاز مهمات كبيرة ضمن مهل زمنية قصيرة لإثبات وجودها وأيضاً في محاول قطف أرباح سريعة، وهو أمر يؤثر بالتأكيد على الوضع في لبنان بشكل عام وتحديداً الوضع البيئي وأزمة النفايات المستمرة."

تحاول الدولة الدفع باتجاه إقرار بند المحارق وإنشائها وانطلاق العمل بها في عدة مناطق لبنانية منذ عام 2010. لماذا؟ هل من مستفيدين مادياً؟ بالتأكيد – هل المحارق هي الحل الأنسب؟ بالتأكيد لا

ما قالته زينة بشكل ديبلوماسي، يؤكد عليه مصطفى رعد، الصحافي المتخصص بالشأن البيئي بشكل أكثر مباشرة: "الفساد يحوّل نفايات لبنان إلى مناجم للذهب. تحاول الدولة الدفع باتجاه إقرار بند المحارق في عدة مناطق لبنانية منذ عام 2010. لماذا؟ هل من مستفيدين مادياً؟ بالتأكيد. هل المحارق هي الحل الأنسب؟ بالتأكيد لا. الدولة تختار الذهاب إلى الحل الأسرع والذي هو المحارق على الرغم من مخاطرها البيئية، يحاولون "دحوشة" النفايات هنا وهناك للتخلص منها."

ويتابع رعد: "الفساد هو قائد مسيرة عدم إيجاد حلول للأزمة اليوم، الكل مستفيد ويريد تقاسم قطعة الجبنة والحصول على أرباح منها، والمبكي بالموضوع أن لا مستفيد حقيقي حتى أصحاب الصفقات، لأن الضرر البيئي وانعكاساته الصحية ستطال الجميع دون استثناء، فقط شهدنا ارتفاعاً في الإصابات بمرض السرطان في عدة مناطق لبنانية. يتعاملون مع الموضوع وكأنه منجم للمال فيما هو في الحقيقة منجم أمراض."

إعلان

وعن الفساد والمحسوبيات يقول مكرم عويس في مقابلة مع مركز كارنيغي للدراسات نُشرت أواخر أغسطس: "إن الطبقة السياسية في لبنان غير آبهة بإيجاد الطريقة المُثلى لإدارة ملف النفايات. فالخطط الراهنة، التي لا تزال تنطوي على إنشاء مطامر ومحارق، تولّد أرباحاً كبرى لمختلف الأفرقاء."

في ظل عدم وجود أي حلول حقيقية لأزمة النفايات، المشكلة ستستمر وستكبر وستتسبب بآثار جانبية طويلة الأمد كما يقول جوليان جريصاتي، مدير الحملات في منظمة "غرينبيس" في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "يكفي أن نحاول أن نتخيّل الانبعاثات الكيميائية السامة التي تنجم عن تكوّم وطمر النفايات بشكل غير صحّي، ناهيك عن حرقها. الانبعاثات السامة والسموم تتكوّن وتتجمع في الهواء، في الغيوم، في المياه الظاهرة وتتسرّب حتى إلى مياهنا الجوفية، وتتجمع حتى في أجسامنا ما قد يؤدي إلى أمراض خطيرة."

الحل هو تغيير نظرتنا للنفايات
تشدد منظمة "غرينبيس" أن النظرة العامة للنفايات لا تزال تختصر بكونها شيء يجب التخلص منها: في المحارق أو المكبات والمطامر بشكل مباشر. ولكن الحل هو في تغيير تعاملنا مع النفايات، فبدلا من اعتبارها مشكلة ورؤيتها كمصدر ربح من استخدامها كسماد أو إعادة تدويرها. تأسيس مراكز للفرز وإعادة التدوير هو الحل الصحي وطويل الأمد.

وبحسب باحثين في "الجامعة الأميركية في بيروت، 77 % من النفايات في لبنان إما تُرمى في مكبات مكشوفة أو تُطمَر، مع أنهم يقدّرون أن 10 إلى 12 % فقط من نفايات لبنان لا يمكن إعادة تدويرها أو تحويلها إلى سماد عضوي، فيما تؤكد كل من عبلة والخليل أن حوالي 55% من نفاياتنا عضوية يسهل علاجها طبيعياً مثلا الهضم اللاهوائي (يمكن إعادة إنتاج طاقة منه) أو استخدام النفايات كسماد طبيعي.

يجب أن نخلق نظام متكامل يبدأ من التخفيف من إنتاج النفايات، أي على الدولة اعتماد سياسات تضع فيها أدوات ومحفزات اقتصادية لبعض الشركات لتشجيعها على إعادة تصميم انتاجاتهم

وقد عمدت عدة دول إلى تشييد محطات لإنتاج الغاز الحيوي من النفايات باستخدام تقنية الهضم اللاهوائي أو الهضم من دون أكسجين، وهو عملية تحلل حيوي بطريقة طبيعية للمواد العضوية ينتج عنها أسمدة عضوية تستخدم في تخصيب التربة أو أحياناً إنتاج الطاقة وإشباع أجهزة التدفئة المنزلية بها. بالإضافة إلى ذلك يعتبر قطاع البناء أكثر القطاعات استهلاكاً للمواد الأولية، فقد وجد باحثون أن بعض النفايات العضوية يمكن أن تكون بديلاً نظيفاً لمواد البناء المستخدمة حالياً.

"يوجد هرم لإدارة النفايات وتقنيات معروفة لإدارة النفايات،" تشرح الخليل: "يجب أن نخلق نظام متكامل يبدأ من التخفيف من إنتاج النفايات. على الدولة اعتماد سياسات تضع فيها أدوات ومحفزات اقتصادية لبعض الشركات لتشجيعها على إعادة تصميم انتاجاتهم والتخفيف من المواد الضارة المستخدمة."

ولكن، الكلام سهل… في بلد مثل لبنان، إعادة الفرز والتدوير هي ثقافة غير موجودة. كما أن الحلول تعتمد على التعاون بين الدولة، المؤسسات البيئية، والمجتمع بشكل عام. هل يمكن أن يحدث ذلك؟ ربما، فدوام الحال من المحال كما يقال.