صحة نفسية

لماذا نشعر بالقلق بشكل أكبر خلال الليل؟

النهار مليء بتقنيات التشتيت والتكيف، لكن عندما نخلد للنوم، تظهر جميع مخاوفنا على السطح فجأة
2020 يناير 20, 7:03am
صحة نفسية

إنها الساعة الحادية عشر مساءً، وقتُ خلودك للنوم. كل شيء يبدو على ما يرام، تطفئ المصباح وتغلق عينيك. لسبب ما، تستيقظ الساعة الثالثة فجراً ولا تستطيع العودة للنوم تهاجمك كل تلك الأفكار والأسئلة، هل يحبك أصدقائك، أم أنهم يتظاهرون بأنك تروق لهم فحسب؟ أو ربما خطر ببالك أن تتصل بصاحب المنزل لتخبره عن شيء يتعلق بالمنزل، أم عليك أن تستغل الوقت بما أنك لا تشعر بالنعس، وتقرأ الأبراج؟ هذه التفاصيل، ليست غريبة بالنسبة للكثيرين، غير أن هناك نقصاً في البحث عن أسباب القلق الشديد الذي يتملكنا أثناء الليل.

تركز معظم الأبحاث في هذا المجال على ما إذا كان القلق له علاقة مباشرة باضطرابات النوم، والعكس بالعكس، وليس على ما يجعل البعض منا يشعر بالقلق الشديد في الليل من أشياء لا تبدو مخيفة خلال النهار. تقول كات، 32 عاماً، والتي تعيش في لندن، إنها تشعر أنها على ما يرام خلال النهار، ولكن بمجرد أن تخلد للنوم، تطفو جميع مخاوفها على السطح: "ينتهي بي الأمر بأن أبدأ بالجدال في عقلي مع أشخاص حول أمور لم يفعلوها، يبدو الأمر أحياناً كما لو أنني أمر بأزمة عاطفية، حتى أنني بكيت من أمور كما لو أنها حدثت بالفعل، مثل الانفصال عن شريكي أو شخص ما أساء لي في العمل. عندما أغرق في النوم لاحقاً وأستيقظ في اليوم التالي، لا أستطيع أن أتذكر سبب غضبي الشديد."

كات ليست الوحيدة التي تمر بهذه الحالة، غابرييل، 27 عاماً، يخبرني أن مستوى القلق لديه يبلغ أشده بين منتصف الليل والساعة الخامسة فجراً: "لقد كنت دائماً شخصاً قلقاً وذو عقل مفرط النشاط، لكن في النهار هناك شيء ما يلهيني، وحتى لو ساورني القلق نهاراً، يمكنني التغلب عليه. ولكن أعتقد أنه عندما تستيقظ في الليل وأنت تشعر بالقلق، فهذا شعور معزول ومجرّد. تستيقظ مشوش الذهن، ما يجعلك تشعر بذعر أكثر من اللازم لأنك لا تستطيع أن تخلق سياقاً بنفس الطريقة التي تفعلها أثناء النهار، ولا يمكنك تتبع أصل المشكلة، وببساطة، يمكن أن تُأخذ على حين غرة."

لجأ غابرييل إلى آليات تكيف مختلفة على مر السنين، آليات كان بعضها أكثر نجاحاً من غيرها: "لقد ساعدني كثيراً تدخين الحشيش في التغلب على مشاكل النوم، لأنه يخدرك في البداية، ولكن قد تستيقظ لاحقاً مشوش الذهن وعندها يتملكك قلق شديد، لهذا تدخين الحشيش هو سيف ذو حدين. إلا أن هناك شيئاً ساعدني حقاً، وهو ممارسة روتين يومي، مثل الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، ما يجعلني أشعر بالتعب عندما أخلد إلى النوم."

ترى إيما كارينجتون، مديرة المشورة والمعلومات في المؤسسة الخيرية Rethink Mental Illness أن الشعور بالقلق الشديد في الليل يمثل مشكلة للكثير من عملائها: "إنه أمر شائع للغاية، وأعتقد أنه من المنطقي تماماً معرفة السبب الذي يجعل القلق يزداد سوءاً في الليل، فخلال النهار عادة ما نكون منشغلين بعدة أمور، سواء كان ذلك العمل أو الأصدقاء أو العائلة،، لكن عندما تكون مستلقياً في فراشك في الثالثة صباحاً لن يكون لديك ما يلهي ذهنك، وسيسيطر القلق على أفكارك."

كيف يمكننا أن نمنع القلق من أن يتسلل إلى أدمغتنا ويدور فيها كما تدور غسالات الملابس عندما عندما نكون بمفردنا في السرير؟

كريس أوسوليفان، من مؤسسة الصحة العقلية Mental Health Foundation يرى أن هناك عدداً من الأسباب التي تجعل القلق يبلغ أشده في الليل، حيث يقول: "الأمر مرتبط بالميل إلى التأمل في ما فعلته خلال اليوم وإطالة التفكير في شتى الأمور، وهناك هذا الشعور بالوحدة والعزلة، حيث تقل فرصة التحدث إلى صديق ما عبر تطبيق الواتس أب على سبيل المثال. وأخيراً هناك قلق بشأن المستقبل، وما سيكون عليه. النهار مليء بتقنيات التشتيت والتكيف، لكن عندما نخلد للنوم، تظهر جميع مخاوفنا على السطح فجأة."

ويضيف كريس أن هناك أنواعاً مختلفة من القلق قد تتملكنا أثناء الليل بطرق مختلفة: "النوم والوعي المتغير يمكن أن يكونا مصدراً خاصاً للقلق بالنسبة لأولئك الذين مروا بصدمة نفسية، الكثير منا مصابون بصدمات نفسية، وقد تتحفز هذه الصدمة عندما نخلد للنوم، أو بسبب العتمة. كما يمكن لأعراض اضطرابات ما بعد الصدمة والصدمة الناتجة عن اعتداء جنسي أثناء الطفولة أو غير ذلك أن تؤثر في رغبتنا في الخلود للنوم، وإن كان لديك كوابيس وذكريات توقظك من نومك، فقد تواجه صعوبة في العودة إلى النوم."

إذن كيف يمكننا أن نمنع القلق من أن يتسلل إلى أدمغتنا ويدور فيها كما تدور غسالات الملابس عندما نكون بمفردنا في السرير؟ لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال كما هو الحال مع القلق خلال النهار، فالأمر يتعلق بتجربة عدة أمور، حيث تقول إيما: "أحد الأشياء التي يمكننا القيام بها للتغلب على القلق في الليل هو أن نكون أكثر وعياً بتلك المخاوف أثناء النهار، وأن نتعامل معها عند ظهورها. كما أن التحضير للنوم أحد الحلول الرئيسية، ويُفضل الامتناع عن القيام بالتمارين الرياضية لمدة ثلاث ساعات تقريباً قبل النوم، وحاول ألا تأكل مباشرة قبل النوم، كما أن بإمكان حمام ساخن مساعدتك على الاسترخاء، وحاول التقليل من الكافيين والكحول، وأطفئ هاتفك، وحافظ على غرفتك جيدة التهوية."

ولكن إن كان في حمام ساخن مع بعض أملاح الخزامى اللطيفة علاجاً لاضطرابات القلق، فسنكون قد وجدنا حلاً للمشكلة، وإن لم تساعد أي من هذه التقنيات في حل هذه المشكلة، فمن الأفضل دوماً الذهاب لرؤية طبيبك والذي سيساعدك في التعامل مع حالات القلق هذه.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE UK