انتحار
صحة نفسية

ما سبب ارتفاع معدلات الانتحار بين الطلاب في فلسطين؟

26% من طلاب المدارس بالضفة الغربية بعمر 13-15 فكروا أو حاولوا الانتحار

"الانتحار قرار اتخذته بلمح البصر دون أي تفكير ولا وعي بالعواقب…كل ما كان يلزمني قطعة زجاج والكثير الكثير من الجرأة والإصرار،" بهذه الكلمات بدأت "وفاء" (اسم مستعار) حديثها عن تجربتها في الانتحار. وفاء، 29 عاماً، من قرى مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، حينما قابلتها لم أجد صعوبة في الحديث معها، على العكس بادرت بالحديث بكل التفاصيل عن "تجربة إنهاء حياتها." تقول إن الضغط والطاقة السلبية التي يبثها الناس المحيطين بها وشعورها بالخذلان هو السبب في تفكيرها بالانتحار، إضافة إلى رغبتها في الانتقام من نفسها ومعاقبة محيطها.

إعلان

هذه ليست المرة الأولى التي تحاول وفاء الانتحار، المرة الأولى في عمر الـ 17عاماً، كانت أسهل كما تقول، ولكن الثانية والتي كانت بعد عام فقط، كانت أصعب "المرة الثانية كان يلزمني الكثير من الشجاعة." في المرتين استطاعت والدة وفاء اكتشاف الأمر قبل انتهائه ونقلها للمستشفى. لم تفسر وفاء حيثيات الأسباب المباشرة التي دفعتها إلى الانتحار واكتفت بالقول إن عدم فهم المحيط لها والضغط الممارس عليها من المجتمع.

عائلة وفاء أصابتها الصدمة من هذه المحاولات، وهو ما جعل البعض يعتقد أنها بحاجة "لشيخ يقرأ عليها" ليخرج الجن الذي تلبسها، بينما كانت والدتها أكثر عقلانية وطلبت منها مراجعة طبيب نفسي، وهو الذي ساعدها كثيراً على المضي قدماً في حياتها كما تقول والنجاح في عملها كمحامية.

إرتفاع معدلات الانتحار في العام 2018 بنسبة 14% مقارنة بالعام الذي سبقه، مسجلاً 25 حالة انتحار

وفاء هي واحدة من مئات الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين حاولوا الانتحار. وقد سجلت معدلات الانتحار ارتفاعاً ملحوظًا بحسب تقرير نشرته الشرطة الفلسطينية، حيث أشار التقرير إلى إرتفاع معدلات الانتحار في العام 2018 بنسبة 14% مقارنة بالعام الذي سبقه، مسجلاً 25 حالة انتحار، منهم 15 ذكراً و10 إناث مقابل 22 حالة في العام 2017، ومعظم من أقدموا على الانتحار كانوا ضمن الفئة العمرية ما بين 25-28 عاماً.

وبخلاف المرض النفسي، جاءت جاءت الخلافات العائلية، الأوضاع المادية والأسباب العاطفية والتعرض للابتزاز من الأسباب الرئيسية لمحاولة أو التفكير بالانتحار. الاحتلال الإسرائيلي وتقييد الحركة وفقدان الأمل بالأفق السياسي أيضاً ينعكس على الحالة الاجتماعية والنفسية للشباب، في الوقت الذي سجلت نسبة البطالة بين الشباب (19- 29 عاماً) حوالي 44%.

إعلان

ورغم الصدمة التي أثارتها هذه الأرقام إلا أنها يمكن أن تكون أقل من الأرقام الحقيقية، ولا تعطي صورة شاملة لهذه الظاهرة، كما تقول مسؤولة دائرة الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتورة سماح جبر. "كثير من الحالات يتكتم عليها الأهل وأحياناً عاملين الطوارئ في المستشفيات، كما أن بعض الحالات تسجل على أنها حوادث،" تقول جبر والتي تشير إلى أن النسبة الأكبر من الذين قاموا أو حاولوا الانتحار هم من طلاب المدارس. وتحدثت جبر عن دراسة نشرت في الدورية العالمية لطب الأطفال والمراهقين تشير إلى أن 26% من طلاب المدارس بعمر (13-15) في فلسطين فكروا أو حاولوا بالإنتحار، وهذه النسبة أكبر من نظيراتها في البلدان المجاورة التي تتراوح ما بين 15-23%.

"هذه الأرقام مخيفة، ولكنها ليست مسلمات، يجب أن نفحص آلية المسح ودقتها ولا يوجد لدينا أرقام سابقة لمقارنتها بها. التصييد (أي دراسة أسباب الأمراض الاجتماعية في وقت الصعوبات ثم تعميم النتائج) للأمراض الاجتماعية لا تخلو من صعوبات اجتماعية وسياسية وبالتالي لا تمنحنا دقة في الأرقام، وتبقى في إطار الانحياز للسياق الذي جرت فيه،" تضيف جبر.

حوالي 98% من حالات الانتحار تكون أسبابها أمراض نفسية، بينما النسبة الباقية تكون لأسباب اقتصادية واجتماعية تتعلق بالأهل والدراسة أو نتيجة للتعرض للصدمات كفقدان شخص عزيز

نداء (اسم مستعار)، 19 عاماً، تقول أنها حاولت الانتحار مرتين بسبب علاماتها المتدنية في المدرسة: "لقد شعرت أنني شخص فاشل، جميع من حولي كان يشعرني بأنني شخص لا أستحق العيش، وأنني لن أنجح بحياتي ولن أحقق شيئاً. الانتحار كان وسيلتي للهرب من ذلك، ولكن في كل مرة كان أخي هو المنقذ. بعد وعدي له بأن أتوقف، لم أعد أفكر بالانتحار ولكني لا أزال أشعر بأنني شخص غير جدير بالحياة."

إعلان

وبحسب جبر فإن الانتحار له أسباب خاصة بالشخص ذاته، وأسباب عامة، تتعلق بالمجتمع والبيئة التي يعيش فيها، وأشارت إلى أن محاولات الانتحار ترتفع بين النساء لأنهم الأكثر تعرضاً للاكتئاب، بينما يتمم الانتحار الرجال بنسبة أكبر: "حوالي 98% من حالات الانتحار تكون أسبابها أمراض نفسية، بينما النسبة الباقية تكون لأسباب اقتصادية واجتماعية تتعلق بالأهل والدراسة أو نتيجة للتعرض للصدمات كفقدان شخص عزيز."

لمى (إسم مستعار) من مدينة نابلس، 25 عاماً، هي من بين الذين تحدثت عنهم جبر، فقد حاولت الانتحار ثلاثة مرات، بعد صدمتها بوفاة والدها المفاجئ كما تخبرني: "كانت أول مرة أتعامل مع فكرة الموت لأول مرة في حياتي." وبفعل هذه الضغوط لم تتجاوز لمى امتحان الثانوية العامة الذي صادف موعده بعد أشهر قليلة من وفاة والدها، إلى جانب مرض والدتها وتحملها كل الأعباء في البيت.

من يتحدث إلى لمى لا يحتاج للكثير ليلمس شخصيتها الإيجابية، فهي تتحدث بكثير من الانفتاح، ولكن كل ذلك لم يمنعها من كره حياتها في فترة وفاة والدها فقد كانت الصدمة أكبر من استيعابها: "كنت بحاجة لحضن أرتمي يفهمني وأرمي همومي فيه، شعرت نفسي وحيدة وسندي في الحياة لم يعد موجوداً." لا ترى لمى فيما أقدمت عليه حَرجاً، وتشير إلى أنها استطاعت أن تعالج نفسها بنفس الألم الذي دفعها إلى الانتحار، فهي تعكف على كتابة رواية جعلت واحدة من شخصياتها تشبه ما تعاملت معه والشعور بالفقد الذي التي شعرته حينها.

ولكن الكثيرين لا يستطيعون تخطي الأمر بدون توجيه، كما تقول المرشدة الاجتماعية حكمت بسيسو، والتي تشير إلى أن من يتوجه لها طلباً للمساعدة هم بالعادة الأهل عد محاول أبنائهم الإنتحار. تعمل بسيسو مع فئة المراهقين فقط، وتؤكد على أن السبب في هذه المحاولات هو سوء العلاقة والتواصل بينهم وبين الأهل يصل خلالها المراهق إلى نتيجة أنه غير مهم لأهله، يقابلها الأهل باستخدام أدوات قديمة كالتوبيخ، التأنيب أو التعويض بالماديات. "لا أعتقد أن الأمر مرتبط بالوضع الاقتصادي والاجتماعي لهؤلاء المراهقين، بمقدار وصول المراهق أو المراهقة إلى نتيجة في حياتهم، "بإن وجودهم غير مقدس لوالديه،" تقول بسيسو.

إعلان

سؤال الشخص أذا فكر بالانتحار أم لا على عكس الشائع، لا يغرس الفكرة في ذهن المريض النفسي، على العكس يكشف الدوافع ويجعل العلاج ممكناً

هذا التقديس الذي تحدثت عنه بسيسو هو ما لم يجده الفتى عمر (أسم مستعار) مما جعله يحاول الانتحار. عمر، 17 عاماً، يسكن مدينة رام الله، ومنذ انفصال والديه وسفر والدته مع زوجها الجديد يشعر أنه يعيش وحيداً بلا عائله تهتم به، يقول: "لا أحد يهتم لوجودي، أبي وأمي مشغولان بحياتهما." لم يتحدث عمر عن تفاصيل كثيرة، كان بالكاد يكمل الكلمات: "كانت تجربة قاسية أحاول ألا أتذكرها." يساعد عمر على تجاوز هذه التجربة وأسبابها مراجعته لطبيب نفسي، وهو ما يطمئن والده من عدم إقدامه على إعادة المحاولة من جديد.

تقول جبر أن العلاج النفسي هو الحل الأمثل: "كأخصائية نفسية أتعامل مع كل مريض يراجعني على أنه يمكن أن يقدم على هذه الخطوة، في كل مرة يجب أن أسأله عما إذا فكر بالانتحار أم لا. هذا السؤال على عكس الشائع، لا يغرس الفكرة في ذهن المريض النفسي، على العكس يكشف الدوافع ويجعل العلاج ممكناً."

في ظل هذه الأرقام والمعطيات، ما هو دور المؤسسات الرسمية للحد من هذه الظاهرة، ومنع ارتفاعها في ظل ازدياد العوامل المسببة؟ تقول جبر: "نعمل في وزارة الصحة على خطة وطنية بالشراكة مع لجنة شكلت من عدد من الوزارات، ومؤسسات المجتمع المدني العاملة في الصحة النفسية من المقرر أن تصدر نهاية العام لايجاد حلول للحد من معدلات الانتحار." وتشير جبر إلى أن المؤسسة التي ترأسها لديها 14 مركزاً في الضفة الغربية لاستقبال الحالات النفسية ومن بينها حالات الانتحار، إلى جانب إصدار قرار وزاري باستقبال الحالات الانتحار المتكرر مجاناً.

من جهتها تعتقد بسيسو أن التوجه الرسمي هذا غير كاف: "نحن لا نحتاج لخطة وطنية وإنما ثورة فكرية في التعامل مع الأطفال والمراهقين والطلاب، نحتاج إلى نظريات جديدة في التعامل مع الأمراض النفسية وفهم مدى تأثير البيئة المحيطة على بناء شخص معافى نفسياً، نحن الآن نعيش على كرة أرضية جديدة تتطلب تغييراً في أساليب التربية."

اتصل بخط ساخن إذا احتجت إلى الدعم لنفسك أو إلى المساعدة لدعم صديق.