فيلم

فيلم "بلاش تبوسني" والسخرية من أبناء الوسط الواحد

هو النيلة مصطفى ريحة بقه وحشة؟
10.9.18
ياسمين رئيس في دور فجر (لقطة من فيلم بلاش تبوسني)

في المشهد الأخير من فيلم "سينما باراديسو" للمخرج الإيطالي جوسيبي تورناتوري، يجلس بطل الفيلم في قاعة عرض ويشاهد شريطاً سينمائياً يحتوي على القبلات المقصوصة من الأفلام التي كان يشاهدها في صغره. تذكرتٍُ هذا الفيلم -الذي صار علامة مهمة في سينما الثمانينات - أثناء مشاهدتي للفيلم المصري "بلاش تبوسني" (2017) للمخرج أحمد عامر. لم أتذكر فيلم تورناتوري بداعي المقارنة لأن الفيلمين يختلفان تماماً في السردية، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً هنا جمع بين الفيلمين، القُبلات، أو في حالة "بلاش تبوسني" عدم وجودهم.

الفيلم المصري الذي عُرض فبراير الماضي في السينمات المصرية (وبدأ عرضه في عدد من الدول العربية مؤخرًا) وشارك بالعديد من المهرجانات، يمكن تصنيفه تحت فئة الـ mockumentary، والتي يمكن تعريفها بأنها صيغة ساخرة لصناعة فيلم في شكل وثائقي، حيث يبدو الفيلم وكأنه يعرض لقصة حقيقية، لكنها ليست كذلك. وهو من بطولة ياسمين رئيس، ومحمد مهران، وبمشاركة المخرج المصري الراحل محمد خان. وقد عرض الفيلم، المقتبس اسمه من أغنية لمحمد عبد الوهاب يقول فيها "بلاش تبوسني بعيناي ده البوسة بالعين تفرق" أداها في فيلم "ممنوع الحب" عام 1942، للمرة الأولى في مهرجان دبي الدولي في نهاية ديسمبر 2017. يحكي "بلاش تبوسني" قصة مخرج شاب يحاول أن يقوم بإخراج فيلمه الأول ويوجد مشهد وحيد متبقي يجب على البطل فيه تقبيل البطلة، لكنها ترفض ذلك رغم أنها ممثلة إغراء مشهورة. في نفس الوقت، يوجد مخرج أفلام وثائقية صديق للمخرج الشاب يحاول عمل فيلم وثائقي عن تاريخ القبلات في السينما المصرية. الفيلم هو عبارة عن ثلاثة أفلام واحد منها وثائقي في الفيلم الأساسي. الفيلم الذي يدور حول القبلة بين الممثلة فجر (والتي تقوم بدورها ياسمين رئيس) وبين مصطفى (يقوم بدوره شريف الخيام) هو الأقوى، لأن جزئية الفيلم الوثائقي لم تنجح بتقديم تأريخاً أو توثيقاً للقبلات في السينما، بل كانت محاولة للحديث عن الشرعية المنسية للقبلات في تاريخ السينما المصرية، نظرًا لكونها شحيحة في أفلام الجيل الحالي.

الفيلم نجح في إلقاء الضوء على جدلية ربط الفنانين المصريين بين أفلامهم وحياتهم الخاصة وعلاقتهم بالدين والله ونظرة المجتمع لهم

"هو النيلة مصطفى ريحة بقه وحشة؟" هكذا قالت والدة البطلة (تقوم بدورها عايدة رياض) لابنتها عندما رفضت تقبيل بطل الفيلم مصطفى، وهي ما ردت عليه النجمة فجر بالقول "أنا مستحرمه ابوسه،" وهي واحدة من العبارات الكوميدية الذكية التي كانت في الفيلم، ما بدا وكأنه محاولة من المخرج أحمد عامر السخرية من زملائه في الوسط السينمائي. الفيلم نجح في إلقاء الضوء على جدلية ربط الفنانين المصريين بين أفلامهم وحياتهم الخاصة وعلاقتهم بالدين والله ونظرة المجتمع لهم. هذا الربط ظهر بشكل مباشر بأعمال فنية وضعت تحت إطار ما سُمي "بالسينما النظيفة" التي ظهرت في نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة ويُقصد بها السينما الخالية من القبل ومشاهد التعري، اضافة الى اعتزال عدد الفنانين والفنانات للتمثيل ثم العودة بشكل يرون أنفسهم فيه أكثر التزامًا من خلال لحية أو حجاب. استمرت سخرية الكاتب والمخرج أحمد عامر لتطال الرقابة، ففي أحد المشاهد يتحدث صانعو الفيلم وقاموا باستخدام الكثير من الألفاظ الخارجة، لكن تم حجب الصوت، كما يحدث في حالات عديدة نشاهدها على التليفزيون أو في شاشة السينما.

هذه هي التجربة الأولى لأحمد كمخرج لفيلم طويل، الذي عمل من قبل لسنوات طويلة كممثل وله تجارب في التأليف حيث قام بكتابة فيلم "علي معزة وإبراهيم" (اخراج شريف البنداري) وفيلم "الشتا إللي فات" (اخراج ابراهيم البطوط). في "بلاش تبوسني" حاول أحمد عامر أن يظهر التناقض الذي قد يحمله بعض العاملين في مجال السينما، عندما يقومون مثلًا بتصوير قبلة ويعتبرونها جزءًا من عملهم الفني، لكنهم لا يرغبون في الحديث عن الأمر إذا كان متعلقاً بأشخاصهم الحقيقية خارج بلاتوه العمل. وقد ظهر هذا في مشهد المخرج الشاب الذي يرى أن القبلة في الفيلم جزء من دراما الفيلم ولايمكن التغاضي عنه، إلا أنه شعر بحرج شديد، عندما روت والدته لصديقه صانع الفيلم الوثائقي، حكاية أول قبلة تلقتها في السينما أثناء مشاهدتها لفيلم خلي بالك من زوزو. في نهاية المشهد قالت الأم التي تجسد شخصيتها الفنانة سلوى محمد علي "الناس عايزة تتباس."

كما نجح الفيلم في السخرية والتكسير لأحد الأساطير التي تلقى قدرًا من الانتشار بين عدد من المشاهدين حول وجود حاجز زجاجي بين الممثلة والممثل أثناء التقبيل. ففي أحد الحوارات بين بطلة الفيلم ومساعدتها، أشارت المساعدة بشكل ساخر أن القبلات ليست حقيقية في الأفلام وأنه خلال هذه النوعية من المشاهد "يتم وضع زجاج بين الممثلين." رواج هذه الرواية يصل حد التصديق، فعندما كنتُ صغيرًا قالت لي أمي نفس الرواية، وعندما كبرت وعلمت أنها ليست حقيقة، سألت أمي عن الأمر وعرفت أنها حتى اليوم تصدق أن حاجزًا زجاجياً يوضع بين الممثلين.

قد يرى بعض منا أن علاقتنا بالقبلات ربما لعبت السينما دورًا في تحويلها لهوس بل يراها بعض آخر أنها تحولت لطريقة تعبيرية تسمى بـ Kissography والتي تعني استخدام القبلة كوسيلة للتعبير عن شعور ما، مثلها مثل التصوير: فوتوغرافي، تعني استخدام الصورة كوسيلة تعبير عن شيء ما. في قاعات السينما، تتنوع ردود أفعال البشر بشكل كبير عند مشاهدة فيلم فيه مشهد لقبلة، أو ما هو أكثر من ذلك، دون اهتمام كبير بجنسية الفيلم. وإن كان من الصعوبة معرفة متى وكيف حدثت أول قبلة في تاريخ البشرية، إلا أنه يمكن تتبع تاريخ القبلات في السينما. وربما فيلم (القبلة) عام 1896 إنتاج شركة توماس إديسون، يعتبر أول فيلم يحكي قصة قبلة بين رجل وامرأة في مدة لا تتخطى الـ 50 ثانية. ويُروى أن الفيلم عند عرضه على الجمهور، كان بعض المواطنين يطالب البوليس بالتواجد ومعاقبة المشاهدين لانعدام الأخلاق، وعلى الرغم من ذلك حقق الفيلم نجاحاً واسعاً.

معظم النقد الذي تلاقاه الفيلم كان ايجابياً، إلا أن البعض اعتبر أن الفيلم أطول من اللازم، حيث أشار الناقد الفني المصري طارق الشناوي، أن الفيلم زمنه الحقيقي لا يتجاوز نصف الساعة "ده فيلم روائي قصير أو فيلم تسجيلي، ضلّ طريقه فأصبح فيلماً روائياً طويلاً." شخصياً، لم أشعر بالملل أثناء مشاهدتي لهذا الفيلم، وهذا في حد ذاته أحد إيجابيات الفيلم. ولم أشعر أنه كان خادشاً لحياء أحد (تم تصنيفه لا 18 عاماً) فخدش الحياء يحدث في الشوارع أكثر من قاعات السينما.

الفيلم من بطولة ياسمين رئيس ومحمد مهران وسلوى محمد علي وعايدة رياض مع النجمة سوسن بدر كضيفة شرف، بالإضافة إلى مشاركة المخرج الراحل محمد خان والمخرج خيري بشارة بشخصيتيهما الحقيقية. الفيلم إنتاج شركات أفلام ميدل وست وويكا للإنتاج والتوزيع وMAD Solutions وتوزيع شركة MAD Distribution.