جدل

هل تعتبر زيارة اللاجئ الفلسطيني لبلده تطبيعاً؟

خلاف بين من يرى زيارة فلسطين ضرروية وواجبة وبين من يراها تطبيعاً وكسراً لانجازات حركة المقاطعة
14.10.18
تطبيع

مطبع أم غير مطبع، هو جدل لا ينتهي في فلسطين، ففي اللحظة التي نتفق فيها على الخطوط العريضة لزيارة فلسطين من عدمها، ندخل في تفاصيل واستثناءات ويُفتح الباب أمام هذا النقاش مجدداً. موخراً، أثار مغني الراب الأردني من أصل فلسطيني مسلم هديب، جدلاً واسعاً في فلسطين وعبر شبكات التواصل الاجتماعية فور إعلانه عن نيته القيام بجولة فنية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، بسبب حصوله على فيزا زيارة من السفارة الإسرائيلية في الأردن. مسلم، هو لاجئ فلسطيني يعيش في الأردن ولا يحمل جواز سفر فلسطيني، مما يعني أنه لا يستطيع دخول الأراضي الفلسطينية دون تصريح من الإسرائيليين.

إعلان

حركة مقاطعة إسرائيل BDS وضمن نطاق عملها في المقاطعة الثقافية والفنية لـ إسرائيل تواصلت مع الفنان في محاولة لإقناعه بالعدول عن قرار الزيارة، لكنه رفض طلبهم، الأمر الذي اعتبرته الحركة تطبيعاً في بيان إدانة أصدرته في حينها. وقالت في بيانها: "هذه المشاركة الفنية تطبيعية لمخالفتها معايير المقاطعة ومناهضة التطبيع التي تبنّاها المجتمع المدني الفلسطيني والعربي، والتي تطالب حملة جنسيات الدول العربية الشقيقة بمقاطعة سفارات العدو وممثلياته الدبلوماسية في الوطن العربي وعدم استصدار تأشيرة (فيزا) إسرائيلية للدخول إلى فلسطين التاريخية."

مغني الراب الفلسطيني رد على اتهامه بالتطبيع مع إسرائيل، بأن حفلاته تمت بالتنسيق مع جهات فلسطينية، وأن قدومه كان بدايةً بهدف الزيارة لكن بعد أن علم جمهوره بذلك أصروا عليه أن يقيم احتفالات، وقال أنها فرصة "لكسر حالة العزلة التي يعيشها الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 والضفة الغربية جراء إجراءات الاحتلال الذي يعمل على إبعاد الفلسطينيين وقطع أوصالهم اللاجئين في الخارج."

وما بين حق الفلسطيني بزيارة بلده وبين الالتزام بمقاطعة إسرائيل، اختلفت الآراء بين مؤيد ومعارض، فيما تساءل البعض، لماذا تعتبر زيارة اللاجئ الفلسطيني –مهما كانت مكانته- في الخارج للأراضي الفلسطينية المحتلة، تطبيعاً أصلاً؟

زيارتهم تزيدنا قوة كفلسطينيين لم نُهجّر ومازلنا نعيش داخل الأراضي المحتلة، ويُمارس علينا يومياً أقصى أنواع العنصرية

علياء (اسم مستعار) 28 عاماً، من مدينة القدس، وتعمل كمنسقة مشاريع، وصفت قرار إدانة زيارة مسلم هديب بالقرار غير الحكيم، وتقول: "نحن كفلسطينيين من حقنا أن نحضر حفلات ونستمتع بها، وليس من حق أحد منعها مهما كان السبب، ولا أرى في زيارته أي تطبيع لأنه لا يوجد أي حل أو طريقة أخرى أمام جميع اللاجئين في الخارج لدخول فلسطين." تتابع علياء متسائلة: "قبل أشهر، إحدى قريباتي زيارة فلسطين لأول مرة بعد 22 سنة، وحصلت على فيزا اسرائيلية بذات الطريقة التي حصل فيها هديب على إذن دخول. هل سنعتبر زيارتها تطبيع؟ وإذا اعتبرناها تطبيعاً، هل هناك طريقة أخرى يُمكن لها أن تزور وطنها وأهلها؟"

وأيدت ميسان صبح، 29 عاماً، من الجليل، شمال فلسطين، والتي تعمل مدققة لغوية سابقتها في الرأي، حول أهمية زيارة اللاجئين من الخارج للأراضي المحتلة، قائلة: "لا أرى أي تطبيع في زيارة اللاجئ لأرضه وتواصله مع أهله وشعبه في فلسطين التاريخية، ومن حقه أن يزور بيت جده الذي هُجر منه مثلاً. أيضاً زيارتهم تزيدنا قوة كفلسطينيين لم نُهجّر ومازلنا نعيش داخل الأراضي المحتلة، ويُمارس علينا يومياً أقصى أنواع العنصرية."

إعلان

حسين (اسم مستعار) 28 عاماً، من مدينة رام الله، ويعمل في مجال تدريبات التنمية البشرية، يرى أن الحفلات للاجئين فلسطينيين من الخارج التي يقيمونها في مناطق الـ 48 في الوقت الحالي "هي رسالة لكل الفلسطينيين الذين لم يهجروا من أراضيهم عام 48، تثبت أن أحداً لم يتخلى عنهم وعن نضالاتهم وصمودهم." ويضيف حسين أن زيارة هديب في الوقت الحالي الذي يتم فيه الحديث عن قانون القومية في دولة الاحتلال، هي رسالة مهمة للاحتلال والعالم، تؤكد على أن فلسطين التاريخية ما زالت محتلة ولم يتغير شيء."

أما عن الحصول على فيزا زيارة من سفارات الاحتلال، يقول حسين: "أعتقد لو حصل مواطن عربي على فيزا من سفاراتهم، فمن الممكن أن يكون ذلك تطبيعاً ولكن لا أجزم بذلك، أما في حالة اللاجئ الفلسطيني فلا أعتقد أنه تطبيع، لأنه لا يوجد طريقة أخرى لزيارة بلاده وأقاربه."

ولاء سبيت، وهو أحد أعضاء فرقة الـ47 Soul الفلسطينية المعروفة، أيد مسلم ورحب فيه في بوست على صفحته الشخصية معتبراً أنه لا يوجد الكثير من الخيارات أمام الفلسطينيين الراغبين بزيارة بلدهم في ظل "إنعدام الدعم والتمكين الثقافي والسياسي" لفلسطيني 48.

برأيي، قمة الإنفصام إنك تقول عن نفسك جاي تغني مقاومة بموافقة الاحتلال

لا يتفق الجميع على "تبرير" هذه الزيارات. حسام النعيمي، 19 عاماً، وهو لاجئ فلسطيني يعيش في الأردن ويعمل في سوبرماركت، رفض الطريقة التي استخدمها هديب وغيره من الفنانين في سبيل دخوله الأراضي المحتلة بفيزا اسرائيلية، وهو موقف شخصي أولاً قبل أن يكون تنظيراً: "أنا شخصياً منعت نفسي من دخول الأراضي المحتلة بفيزا من سفارة الاحتلال، مع أنني أرغب بزيارة فلسطين كثيراً جداً. ولكن، لن أدخل أرض أبي وأجدادي إلا إذا سمحت لي الفرصة بطرق أخرى دون إذن الاحتلال."

يارا يعيش، 29 عاماً، والتي تعمل في مجال الإعلام بمؤسسة نسوية في رام الله، عارضت أيضاً زيارة الفنان هديب، قائلة: "معارضتي لزيارة هديب نابعة من تحايله على الجمهور، فهو يقول أنها زيارة عائلية، بينما الحقيقة أنها زيارة عمل لإقامة حفلات بمقابل مادي، وبرأيي قمة الانفصام إنك تقول عن نفسك جاي تغني مقاومة بموافقة الاحتلال." وتضيف: "نحن لا نعيش في وضع طبيعي، وبالتالي الدخول إلى الأراضي المحتلة ليس بالطريقة الطبيعية، وهناك فرق بين اللاجئ العادي القادم لزيارة عائلية ورؤية بلده، وبين الفنان القادم للمشاركة في مهرجان أو عرض فني."

إعلان

الباحث والصحفي الفلسطيني مجد كيال يرى أن المشكلة الحقيقية في زيارة هديب هي شهرته التي ساهمت في إحداث ضجة كبيرة حول الزيارة، حيث يقول: "هناك العديد من اللاجئين يدخلون الأراضي المحتلة دون أي ضجة، ومتابعتهم ليست من مهمة الـ BDS، ولكن زيارة هديب ولأنه فنان مشهور وقرر زيارة الأراضي المحتلة بهدف إقامة عمل فني بمقابل مادي، فهذا عملهم وتوجب عليهم محاولة إقناعه بالعدول عن الحضور."

استطاعت حركة المقاطعة أن تلحق أضراراً اقتصادية وثقافية وأكاديمية على إسرائيل

ويعتقد كيال أن المشكلة ليست بقيام لاجئ فلسطيني –غير مشهور- من الخارج بزيارة أرضه ووطنه وأقاربه، ولكن المشكلة تقع عندما يقوم لاجئ فلسطيني –مشهور- ويخرج ليصرح علناً بأنه حصل على فيزا دخول الأراضي المحتلة من سفارات الإحتلال الاسرائيلي. ويتساءل كيال: "ما الهدف من التصريح علناً؟ هل يريد إعطاء السفارات الإسرائيلية في دول العالم شرعية؟ وهل وظيفتنا أن نكسر علاقة الرفض العربي التعامل مع سفاراتهم؟ أعتقد أن ما قام به هديب غير مقبول على المستوى السياسي، لكن هذا الفعل لا يستحق كل هذه الضجة أيضاً على شبكات التواصل الاجتماعية."

إستطاعت حركة المقاطعة، التي تعرف نفسها بحركة مقاومة سلمية مناهضة للعنصرية بكافة أشكالها، أن تلحق أضراراً اقتصادية وثقافية وأكاديمية على إسرائيل من خلال حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها، كما حققت الكثير من الإنجازات دولياً. مؤخراً، انسحب عدد من الفنانين والفرق الموسيقية العالمية من مهرجان "ميتيور" Meteor الإسرائيلي للموسيقى بعد ضغط شعبي ومناشدة من حركة المقاطعة، أبرزهم الفنانة الأمريكية "لانا ديل ري". كما أعلنت مغنية البوب النيوزلندية الشهيرة لورد إلغاء حفلها في إسرائيل نهاية العام الماضي بعد تعرضها لضغوطات، إلى جانب مقاطعة العديد من الجامعات العالمية للجامعات الإسرائيلية أكاديمياً، وإلغاء الأرجنتين لمباراة مع المنتخب الاسرائيلي كان مقرر إقامتها في مدينة القدس المحتلة بعد تعرضها لضغوطات، وأيضاً مقاطعة شركات تجارية عالمية لإسرائيل سابقاً أبرزها انسحاب شركة الاتصالات الفرنسية "أورانج" من السوق الإسرائيلي. وتشير تقارير الى أن الحركة تكبد إسرائيل نحو 11.5 مليار دولار سنوياً بسبب حملات المقاطعة.

إعلان

وتتمثل مطالب حركة المقاطعة في ثلاث مطالب رئيسية وهي: إنهاء احتلال إسرائيل واستعمارها لكافة الأراضي الفلسطينية والعربية وتفكيك الجدار، وإنهاء كافة أشكال الفصل العنصري ضد الفلسطينيين واعترافها بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لفلسطينيي أراضي العام 48، وإحترام وحماية ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها واستعادة ممتلكاتهم كما نص على ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194.

لا فرق بين زيارة الفنانين للأراضي المحتلة مهما اختلفت جنسياتهم. على العكس، في حال كان الفنان عربي أو فلسطيني يجب أن يكون التعامل معه أشد من قبل الحركة

"الحركة تعمل في مناخ دولي وعربي متصالح في المستوى الرسمي مع إسرائيل إن لم نقل مناصر لها، بسبب الحالة العربية المتداعية والحالة الدولية المنحازة لإسرائيل، ولكن بالرغم من ذلك حققت الحركة نجاحات لا يستهان بها،" يقول الكاتب الصحفي سليمان أبو ارشيد عن نجاحات الحركة حتى الآن، ولكنه يشير الى أن الحركة أخفقت في بعض الحالات التي تم تستطع فيها إلغاء زيارة أديب أو فنان عالمي أو عربي. وعن زيارة هديب وغيره من الفنانين الفلسطينيين يقول أبو ارشيد: "لا فرق بين زيارة الفنانين للأراضي المحتلة مهما اختلفت جنسياتهم. على العكس، في حال كان الفنان عربي أو فلسطيني يجب أن يكون التعامل معه أشد من قبل الحركة، لأن مثل تلك الزيارة هي خرق لتحريم التطبيع مع إسرائيل وهو جرم لا ينسحب على الأجانب."

على الرغم من شبه الإجماع الفلسطيني والعربي وحتى الدولي على عدالة الأهداف التي تطالب بها الحركة، إلا أن هناك تناقض بين بعض مطالبها.* فمثلاً تقول الحركة أنها لا تعمل من أجل حل سياسي، محدد للقضية الفلسطينية، بل تناضل من أجل تطبيق "الحد الأدنى" من الحقوق الأساسية للشعب الفلسطينية المذكورة أعلاه. يوضح الباحث والصحفي كيال ذلك بالقول "الحركة تحتاج إلى اجماع من كافة الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية عندما تتوجه في مطالبها إلى العالم، لذلك تضطر أن تطالب أحياناً بالحد الأدنى الذي يُجمع عليه أكبر قدر من الفلسطينيين والعرب."

إعلان

ما بين الحد الأدنى أو الأعلى، يعتبر البعض أن الحركة تضع أهدافاً صعبة التحقيق، والأفضل أن يتم التركيز على الأهداف الممكنة والواقعية. هذه القضية تحدث عنها الفنان الفلسطيني جوان صفدي، الذي طرح مجموعة من الأسئلة موجهة لـ BDS، حول مطالبها على صفحته الشخصية "هل الأمل حقيقي؟ هل ترى الحركة أن بإمكانها تشكيل ضغط كافي على اسرائيل لتنفيذ مطالبها الثلاث؛ الانسحاب من المناطق المحتلة عام 67، تحقيق المساواة الكاملة في الداخل، والسماح بعودة اللاجئين؟ وهل يجب أن تصر الحركة على هذه المطالب أم آن أوان التعديل بما يتلاءم مع الواقع الجديد."

قد يجمع الغالبية العظمى من الفلسطينيين في الداخل والخارج على أهمية حركة مقاطعة إسرائيل وإنجازاتها، ولكن الأمر لا يخلو من توجيه الانتقادات والتساؤلات التي لم يجدوا لها جواباً. "هناك بعض السلبيات في الـ BDS، فمثلاً في خطابهم الداخلي عندما أطلب من أحدهم توضيحاً لنقطة ما، يرسل لي رابط صفحتهم الإلكترونية ويطالبني بالقراءة، في حين أنا بحاجة إلي توضيح أكثر مما هو مكتوب،" يقول حسين من رام الله ويتابع "أيضاً بعضهم يُشخصن الأمور ويتعاملون بحدية مع الآخرين كما حدث مع هديب مؤخراً." أما الفنان الفلسطيني صفدي فيؤكد مجدداً على ضرورة أن يكون هناك استثناء واضح للفلسطينيين عند زيارة بلدهم، كما يقول في بوست آخر.

قد يستمر الجدل طويلاً حول المقاطعة بسبب اختلاف وجهات النظر بين من يرى أن زيارة فلسطين ضرروية وواجبة وبين من يراها تطبيعاً وكسراً لانجازات حركة المقاطعة، وما بين هذا وذاك، يقترح حسين إعادة "صياغة معايير أو ميثاق واضح ومحدد يتفق ويجمع عليه الكل الفلسطيني، لتحديد ما هو التطبيع في ظل كل الوقائع التي على الأرض، ومتى يكون الشخص مطبعاً."

*معد التقرير، حاول التواصل مع حركة مقاطعة إسرائيل في فلسطين للحصول على استفسار ورد منهم حول بعض النقاط على مدار أسبوعين متتاليين دون أي إجابة.