الصورة لـ رحاب العلاوي - صورة قيصر المسربة
"غالبية الذين قضوا في السجون والمعتقلات السورية في عمر الشباب، وأسباب الموت التي تذكرها شهادات الوفاة والتقارير الطبية عادة لا تؤدي لوفاة الشباب"، هذا ما أكده وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة فراس الجندي، مضيفًا: "يُصدر النظام ومؤسساته الطبية والأمنية تقاريرًا طبيةً تقول إن سبب الوفاة هو نتيجة لتوقف القلب، أو التنفس، لكن كما هو معروف أن معظم المعتقلين من الشباب، وليس من المعتاد أن يموت شاب بسبب توقف في القلب أو جلطة. ما نعرفه أن المعتقلين يتوفون نتيجة سوء التغذية والإهمال الطبي والتعذيب الشديد الذي يتعرضون له في السجون والأفرع الأمنية."وحتى نتمكن من الوقوف على السبب الحقيقي لوفيات المعتقلين السابقين، جمعنا شهادات وفاة لمعتقلين قضوا في السجون من داخل أفرع ومستشفيات عسكرية، بشكل حصري، لا يتم إظهار هذه الشهادات للعائلات لكن يتم الاستناد إليها في تحرير إفادة مدنية بالوفاة. كما حصلنا على صور لجثث الضحايا من تسريبات قيصر وعرضناها على طبيبين شرعيين، فضلًا عن التواصل مع أهالي معتقلين ظهرت جثث أبناءهم ضمن التسريبات أو تلقوا وثائقًا رسمية تفيد وفاتهم خلال اعتقالهم، لنتمكن فيما بعد من مطابقة هذه الشهادات مع محتجزين سابقين ومنشقين عن النظام السوري من أطباء وضباط عملوا في هذه الأفرع الأمنية والمشافي والسجون والتي كانت كلها تؤكد أن المعتقلين توفوا نتيجة التعذيب أو ظروف الاحتجاز في السجون أو الأفرع الأمنية.مئات الصور المسربة عبر المصور العسكري المنشق "قيصر" توثق لعشرات الجثث المكدسة على الأرض، تم التعرف عليها من قبل عائلات المعتقلين عن طريق الوجوه والعلامات للأجساد، بحسب شهادات الأهالي. تتبعنا عشرات الصور والتقينا مع عائلاتهم، ومن بينهم صورة الطبيب أيهم غزول، والذي توفي قيد الاعتقال في التاسع من نوفمبر 2012 بعد مرور أربعة أيام على توقيفه داخل حرم جامعة دمشق.
في العاصمة الألمانية برلين التقينا السيدة مريم الحلاق، والدة الطبيب أيهم، تحدثنا معها عن ملابسات ما حدث مع الطبيب الشاب، فقالت: "اُعتقل ابني من حرم جامعة دمشق في كلية طب الأسنان، حيث كان يشرف على طلبة الصفوف الثالث والرابع بالكلية، خلال تحضيره رسالة الماجستير، وحين خروجه من المدرج مع طلبته تقدم عدة شبان من المنتمين لما يسمى "اتحاد طلبة سوريا" واعتقلوه." تتابع السيدة: "جروه إلى غرفة إدارية في كلية الطب البشري وكبلوا يديه وبدأوا بضربه على بطنه ورأسه واقتلعوا أظافره من قدميه ثم نقلوه إلى جهة غير معلومة." هذه المعلومات أخبرها بها طالب من كلية الآداب كان شاهداً على ما جرى كما تقول مريم: "أكد لنا أن أيهم فقد الوعي فصبوا عليه ماءً مغليًا، ثم جاءت سيارة الأمن التابعة لسرية المداهمة 215 وأخذته."جروه إلى غرفة إدارية في كلية الطب البشري وكبلوا يديه وبدأوا بضربه على بطنه ورأسه واقتلعوا أظافره من قدميه ثم نقلوه إلى جهة غير معلومة
جثة الطبيب أيهم غزول على اليمين وصورته قبل مقتله يسار - صور قيصر المُسربة
شهادة وفاة من الشؤون المدنية تقول أن الطبيب أيهم غزول توفي نتيجة "سكتة قلبية" في مستشفى تشرين العسكري
أكد على ذات التفاصيل الطبيب عبد التواب شحرور، رئيس الأطباء الشرعيين في حلب سابقًا، الذي انشق عن النظام السوري نهاية 2013 والمتواجد حاليًا في ألمانيا. وقال شحرور في إفادته لنا حول الجثث التي كانت ترسل إليه من الأفرع الأمنية والسجون: "كانت جثث المعتقلين تصل إلينا من السجون والأفرع الأمنية وعليها آثار التعذيب، ومنهم من يصل إلينا بعدما تم تصفيته بطلق ناري أو بطعنة سكين، لكن الضباط المتواجدين كانوا يطلبون من الطبيب المناوب كتابة تقرير طبي يُفيد بأن وفاة المعتقل كانت طبيعية مثل (احتشاء عضلة قلبية) أو (توقف قلب وتنفس) وهو مغاير لطريقة الوفاة الحقيقية التي كانت بسبب التعذيب وظروف الاحتجاز أو القتل المباشر." سَلّم النظام السوري خلال الأسابيع الماضية مئات الوثائق وشهادات وفاة طبية تفيد بأن المعتقلين قضوا نتيجة أسباب طبيعية، وقال مروان العش، أمين سر اللجنة السورية للمعتقلين والمعتقلات - وهي منظمة مستقلة غير حكومية تعمل على توثيق حالات الاعتقال وبيان مصيرهم ودعمهم وأسرهم من ألمانيا حيث يُقيم - "أن النظام السوري سلم أهالي المعتقلين شهادات وفاة طبية تفيد بوفاة المعتقل بـ(سكتة قلبية)، في محاولة لإخفاء طريقة وفاتهم الحقيقة وطمس معالم جريمة القتل الفردية والجماعية التي ينتهجها النظام السوري مع المعتقلين من خلال تعذيبهم وقتلهم في المعتقلات، وذلك بهدف حماية مسؤولي النظام وقياداته العسكرية من أي ملاحقة قانونية محتملة مستقبلًا."كانت جثث المعتقلين تصل إلينا وعليها آثار التعذيب ومنهم من يصل بعدما تمت تصفيته بطلق ناري أو طعنة سكين، لكن الضباط المتواجدين كانوا يطلبون من الطبيب المناوب كتابة تقرير طبي يُفيد بأن وفاة المعتقل طبيعية
روى لنا أحد المعتقلين السابقين عن تفاصيل عمليات الضرب المرعبة للمعتقلين في السجون والأفرع الأمنية السورية ومن بينها فرع فلسطين والمزة وسجن صيدنايا وغيرها بالقول: "كنا نسمع أصواتًا مرعبة منذ غياب الشمس وحتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، كنا نسمع الصراخ والصياح يأتيان من تحتنا لم يكن صوتًا طبيعيًا.. لم يكن عاديًا. يبدو الأمر كما لو أنهم يُسلخون وهم أحياء."كنا نسمع أصواتًا مرعبة منذ غياب الشمس وحتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، كنا نسمع الصراخ والصياح يأتيان من تحتنا لم يكن صوتًا طبيعيًا.. لم يكن عاديًا.. يبدو الأمر كما لو أنهم يُسلخون وهم أحياء
شهادة وفاة صادرة عن مؤسسات حكومية سورية توضح أن سبب وفاة أحد المعتقلين توقف قلب وتنفس- مستشفى تشرين العسكري
صورة تقرير طبي صادر عن الشؤون المدنية- مكان الوفاة مستشفى تشرين العسكري

تتطابق الشهادة التي حصلنا عليها مع إفادات تلقيناها خلال مقابلات أجريت مع عائلات ضحايا التعذيب في معتقلات النظام السوري، والذين شكلوا "رابطة عائلات قيصر" وهي العائلات التي ظهرت صور جثث أولادهم في الصور المسربة بهدف تعريف العالم بما يحدث في معتقلات سوريا وعن الشباب الذين يقضون تحت التعذيب والتجويع والضرب المبرح.في محاولة للتحقق من صحة الصور تمكننا من الوصول إلى طبيب شرعي كان يخدم في المستشفيات العسكرية بدمشق لأكثر من 14 سنة برتبة ضابط مقدم قبل أن يفر منذ عامين خارج الحدود. رفض الطبيب الحديث معنا مرات عدة خوفاً على سلامته، إلا أنه وبعد محاولات متكررة وبعد عرضنا عليه الصور وبعض الوثائق التي بحوزتنا من شهادات وفاة وتقارير طبية قبل الحديث معنا. يقول الطبيب في شهادته وبعد التدقيق في الصور واستناداً لخبرة طبية: "إن الجثث تعرضت لكدمات وضرب بأدوات حادة، كما أن أثار التعذيب واضحة عليها،" مشيراً أنه شاهد وعاين أكثر من ألف جثة معتقل في مشفى 601 أو ما يعرف بـ مستشفى المزة العسكري.تتنافس أجهزة المخابرات السورية والأفرع الأمنية على إبراز وحشيتها في تعذيب المعتقلين
صور قيصر المسربة لمعتقلين قُتلوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات النظام السوري
لمعرفة مصير الجثث التي ظهرت في الصور المسربة، التقينا في العاصمة السويدية ستوكهولم، بطبيب برتبة عميد، خدم في وقت سابق في مستشفى تشرين العسكري. رفض الطبيب الظهور أمام الكاميرا أو الكشف عن اسمه خوفاً على حياته، لكنه كشف لنا عن آلية التخلص من جثث المعتقلين الذين يلقون حتفهم في المعتقلات: "كان يتم تكديس الجثث الواردة إلى المستشفى من مقار الاحتجاز المختلفة في دمشق والمدن القريبة داخل برادات. بعد ذلك يتم نقلها إلى غرف بجانب المستشفيات وثم تُحمل في سيارات إلى مقابر جماعية في إحدى القطع العسكرية بمنطقة تسمى (نجها) قرب ما يسمى حقل الرمي جنوب دمشق، إضافة لمقابر قرب مطار الضمير العسكري وقرب مقرات الفرقة الرابعة بالعاصمة دمشق الواقعة بين جبل قاسيون و مدينة قدسيا."وبحسب شهادة "قيصر" فإن كل جثة مُرّقمة يعاينها طبيب شرعي، ثم تترك في العراء عرضة للقوارض والحشرات. وبعد أن يتزايد عدد الجثث بما يتجاوز المائتين أو الثلاثمائة، يتم جمعها وأخذها إلى أماكن مجهولة. وفي شهادة مطابقة حصلنا عليها من طبيب كان يعمل في إحدى هذه المستشفيات العسكرية بدمشق، أكد أن الطبيب الشرعي يقوم بـ "تفريز الجثث" أي تصنيفها وفق نسق محدد، ويأمر بتعبئة بعضها في أكياس وتحميلها في السيارات فوق بعضها. تؤكد عدة شهادات متطابقة لكوادر طبية عملت في المستشفيات العسكرية إلى أن الجثث التي تصل إلى المشفى من كافة الأفرع الأمنية في دمشق، يتم تجميعها وتكديسها في حافلات تقع داخل مستشفى تشرين العسكري أو مستشفى 601 إلى أن يقوم الطبيب الشرعي بالكشف عليها وتسجيل تقرير طبي، يؤكد بموجبه أن صاحب الجثة قد فارق الحياة نتيجة جلطة دماغية، أو سكتة قلبية، ويقوم الطبيب بعد ذلك بكتابة رقم الجثة على جبين المتوفي أو صدره، وتحته رقم الفرع.
جنديان سوريان يغلفان الجثث تمهيدًا لنقلها إلى حيث يتم التخلص منها بالحق - صور قيصر
