hijab
مرأة

"حجابي ليس دينياً ولكنه يجعلني أكثر إنسانية"

من يرتدين حجاباً طويلاً أو نقاباً أو برقعاً لسنَ أفضل ممن يرتدين حجاباً "ناقصاً"
4.8.19

لا تعرف الصراعات الثقافية في إندونيسيا أية حدود، فقد أصدر البنك المركزي في أواخر العام الماضي سلسلة تصاميم لأوراق روبية جديدة صُمم أحدها تكريماً لِـ "جوت نياه موتيا" وهي بطلة من قومية "الأتشيه" قاومت الاحتلال الهولندي، وفي الصورة يظهر شعر "نياه" مربوطاً ككعكة بدلاً من أن يُستر بالحجاب، وهو ما أغاظ الطبقة المحافظة في البلاد، فهؤلاء يعتبرون أن على النساء من كل بقعة من مقاطعة آتشيه - وهي المقاطعة الوحيدة في إندونيسيا المسموح لها بتطبيق الشريعة الإسلامية - أن يرتدين الحجاب.

إعلان

ولكن واقع الحال ليس كذلك، فقد قاتلت "جوت نياه موتيا" قوات الاستعمار الهولندي في أواخر العقد الأول من القرن التاسع عشر، وحينئذ لم تكن المرأة الإندونيسية ترتدي الحجاب، كما أن أحد أحفاد "جوت" ويدعى "توكو راملي" قال بأنه لا يرى مشكلة في الصورة، وصرح لوسائل الإعلام المحلية بأن جدته لم ترتد الحجاب رغم أنها كانت مسلمة متدينة. غير أن الجدل في إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة تطرق إلى قضيةٍ أعمقَ، قضيةٍ تتناول دلالة الحجاب بالنسبة للمرأة. يرتبط الحجاب غالباً بالتقوى الدينية والمعايير الأخلاقية المستقيمة من ناحية؛ أما من الناحية الأخرى، فيُنظر للحجاب على أنه أداة يستخدمها الرجال لقمع النساء.

وأثناء فترة النظام الجديد (The New Order) لم يُسمح للنساء بارتداء الحجاب في صور بطاقات الهوية التي كانت تصدرها الحكومة؛ أما اليوم، فتجبر الكثير من المدارس الحكومية الفتياتِ المسلماتِ على ارتداء الحجاب. والآن، ينظر الكثير من الناس إلى النساء المسلمات اللواتي لا يرتدين الحجاب على أنهن غير متدينات أو غير "عفيفات" بما فيه الكفاية.

ليلى فترية، طالبة دكتوراه في علم اللاهوت في جامعة نوتردام في الولايات المتحدة تقول لمجلة VICE أن علينا نحن النساء، أن نتحد لمحاربة هيمنة السردية الأبوية المستمدة من تفسير الآيات الدينية. وليلى هي ناشطة نسوية وامرأة مسلمة ترتدي الحجاب منذ أن كانت في السادسة من عمرها، وقد ترعرعت في جاوة الشرقية التي لا تستغرب أن ترى فيها نساءً يرتدين الحجاب. تَدرس ليلى الإسلام في جامعة كاثوليكية، وقد علمها انتماؤها لأقلية معنى التسامحَ، كما علّمها معنى أن تكون امرأة ترتدي الحجاب.

VICE: لماذا ترتدين الحجاب؟
ليلى فترية: نشأتُ في مدرسة إسلامية داخلية، فكان ارتداء الحجاب إجبارياً. جميع النساء في عائلتي يرتدين الحجاب منذ بلوغهن سن السادسة أو السابعة.كنت أتساءل عن الحجاب منذ الصغر، ففي المدرسةِ الإعداديةِ، البيئة الدينية التي تفرض على جميع النساء ارتداء الحجاب، لم أجد الإجابات التي كنت أبحث عنها. ارتديتُ الحجاب طوال فترة المدرسة الإعدادية؛ لكني طالما قلتُ في نفسي: "عندما أتخرج من المدرسة، سأخلع الحجاب." ولم أجد إجابة على أسئلتي "لمَ عليّ ارتداء الحجاب؟ لماذا لا يمكن تفسير القرآن بطريقة مختلفة؟" وعندما حصلتُ على درجة البكالوريوس، كنت قد خرجتُ من المدرسة الإسلامية الداخلية. كنت أعيش بمفردي؛ لذا خلعت حجابي؛ حتى أني ادعيت أني ملحدة لبعض الوقت.

إن سألتني عما إذا كان الحجاب تحريراً أم قمعاً، فسأقول إني أرى فيه القمع والتحرير معاً؛ وقد تسمعين إجابات أخرى من نساء أخريات

متى قررتِ العودة لارتداء الحجاب؟
عندما كنت أدرس الماجستير في الولايات المتحدة، قابلتُ العديد من الفقهاء في الإسلام وجلستُ في بعض الصفوف الدراسية التي فتحت عقلي على تفسير القرآن. أنا أتعامل مع الحجاب كشيء وظيفي، وأرتديه عندما يكون لزاماً عليّ ارتداؤه، وأخلعه عندما أكون في الصحراء أو في نزهة طويلة. كما أثّر فيّ شيء آخر إبان عودتي إلى الولايات المتحدة، إذ كانت المرة الأولى التي شعرتُ بمعنى أن تنتمي لأقلية. كنتُ بعيدة عن أي مسجد، وكان العثور على زميلة مسلمة في جامعة نوتردام أمراً صعباً؛ كما واجهتُ الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري، وشاركت في العديد من النشاطات الاجتماعي منها حركة Black Lives Matter ، وحركات دعم المثليات والمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً، والدفاع عن حقوق الأقليات. لقد أدركتُ في ذلك الوقت قيمة جديدة للحجاب، وهو أني أرتديه لتذكير نفسي بأني أنتمي لأقلية، وأني فرد يختلف عن الآخرين، وأني أود أن يحترم الناس ذلك؛ وبما أنني مختلفة، فعليّ احترام "المختلفين" أيضاً، وأحتاج دائماً إلى منح الاختلاف فسحة ما؛ سواء كان اختلافاً في الدين أو الجنس أو العرق أو ما إلى ذلك. إن حجابي حجابٌ اجتماعي وليس دينياً، وهو يجعلني أكثر إنسانية.

ولكن القرآن يحوي آياتٍ كثيرةً حول ما ينبغي للمرأة أن تلبسه.
لقد كُتب القرآن في سياق اجتماعي معين لحلّ المشكلات التي كانت سائدة في سياقات سياسية وثقافية معينة؛ أما فيما يتعلق بالآيات التي تخص الحجاب، فقد كُتبت في سياق اجتماعيّ وسياسيّ مختلف تماماً عمّا هو الحال اليوم، ولكل منهما قضيته الخاصة. كثيراً ما يُستشهد بالآيات القرآنية كأساس لارتداء الحجاب، كالآية 31 من سورة النور، والآية 59 من سورة الأحزاب، ولتطبيق هذه الآيات في يومنا هذا، نحتاج إلى مراعاة التجارب والتحديات التي تواجهها النساء المسلمات. تقول الآية 59 في سورة الأحزاب بأن علينا ارتداء الجلباب، وهو عباءة فضفاضة؛ والجلباب ليس حجاباً، بل عباءة واسعة ترتدى فوق الملابس التي نرتديها. ولكن إذا ما نظرنا إلى الحياة الحديثة؛ نجد أن لدى الكثير من النساء يعملن ويواجهن أنواعاً مختلفة من التحديات خارج بيوتهن، لذا ليس من المنطقي فرض ذلك الأمر على جميع النساء المسلمات. لا ينبغي لطريقة فهمنا للآية أن تركز على الجلباب، إنما على الرسالة التي تحاول الآية إيصالها، والمتمثلة بالحشمة، وهي لا تعني أن على المرأة المسلمة تغطية كامل جسدها وارتداء البرقع، إنما عليها الاحتشام في مظهرها وسلوكها.

في إندونيسيا، ترى بعض المجتمعات المسلمة أن "العورة" تشمل الجسم كله باستثناء الوجه والكفين. ما رأيك في هذا؟
يسود المجتمعاتِ الإسلاميةَ اعتقادٌ خاطئ فيما يتعلق بتعريف الشريعة والفقه؛ فيفترض الناس أن الشريعة الإسلامية تشمل جميع ما يتعلق بتعاليم الإسلام؛ وهذه التعاليم مقدسةً وغير قابلة للتغيير. الحقيقةُ هي أنّ الشريعة ليست الفقه، كما أنّ الفقه ليس هو الشريعة؛ فالفقه هو مجموعة التعاليم التي وضعها رجال الدين استناداً إلى القرآن والسنة النبوية والمناقشاتِ بين رجال الدين أو الأئمة، كما يمكن للعادات والتقاليد المحلية أن تكون مصدراً من مصادر الفقه.

إعلان

كما أن العورة التي نعرفها اليوم ليست مفهوماً مستمداً من الآياتٍ القرآنية؛ فقد بيّن الفقه مفهوم العورةَ المتعلقة بالمحارم، وهم ذكور الأسرة الذين يشكلون الأوصياء لحضور حفل زفاف؛ ونحن لسنا ملزمات بستر العورة أمام المَحرَم. بيد أن الثقافات المختلفة لها تفسيرات مختلفة حول معنى "ستر العورة"، فالنساء المسلمات في تركيا؛ على سبيل المثال، لا يرتدين الجحاب أ، ملابس الصلاة إلا أثناء الصلاة، بينما ترتدي النساء المسلمات الإندونيسيات طبقة أخرى من الملابس تدعى "موكينا"؛ ولا بأس في أن تكون مختلفة لأنها مسألة فقه، فمفهوم العورة مفهومٌ مرن جداً، ويعتمد كلياً على السياق؛ وطالما أننا لا ننتهك الحدود التي بيّنها القرآن، من قبيل أن على المرأة أن تكون محتشمة، فلا بأس في ذلك، وطالما أننا لا نرتدي ملابس النادي حين نصلي، فلا بأس بذلك أيضاً.

يجب أن يكون للقيم الإسلامية ضوابط عامة، وخاصة فيما يتعلق بالحجاب في إندونيسيا أو في أي مكان لا تكون الثقافة المحلية فيه ثقافة إسلامية. إن عدم إقصاء الثقافة المحلية أمرٌ مهم، بل ينبغي احترامها عند وضع الفقه الإسلامي؛ ولهذا السبب لم تعترض زوجات علماء المسلمين الإندونيسيين على طول الحجاب وعرضه، أو على وجوب ارتداء المرأة المسلمة لباساً طويلاً. في الماضي، أخذ الناس السياق المحلي بعين الاعتبار، وكان رجال الدين في غاية الحكمة، مثل مؤسسي منظمة نهضة الأمة والمنظمة المحمدية؛ أما الآن فنفتقر لذلك كله.

أعتقد أن ما يمكننا فعله هو العودة لحجابنا الخاص. كيف يكون ذلك؟ يكون ذلك من خلال التفكير في الغاية من ارتدائنا للحجاب في المقام الأول، وفيما يعنيه هذا الحجاب بالنسبة لنا

أفهم من كلامك أن تعريف "الحجاب" قد تطور بمرور الوقت.
فيما يتعلق بإندونيسيا، حدث ارتفاع في أسلمة المجتمع، وخاصة بعد انتهاء نظام سوهارتو؛ وإني لممتنة جداً أنه لم يعد رئيساً، إلا أنّ مِن نتائج نظامه حصول الإسلاميين على سلطة واسعة. إن الإندونيسيين اليوم يفتقرون للشعور بالأمن، فهم يعتقدون أن النموذج التقليدي للإسلام وغيره من نماذج الإسلام الممزوجة بالثقافة المحلية هي نماذجُ "غير إسلامية بما فيه الكفاية" ولذلك نجد تلك الرغبة في العثور على الهوية الحقيقية.

هناك مدارس جديدة تنسب لنفسها صفة المدارس الإسلامية الداخلية، غير أن مناهجها تختلف عمّا يتم تدريسه في المدارس الإسلامية التقليدية في جاوة الشرقية؛ والأمر هنا متعلق بالبحث عن الأصالة التي تحدثنا عنها، لكن هذا البحث خطير لأنه لا توجد طريقة نعرف من خلالها أيهما أكثرهما أصالة، ومن يجب أن يكون له الكلمة الفصل، ولهذا السبب نميل إلى نسيان حكمتنا الإسلامية المحلية، الحكمة التي تمتع بها السلف من رجالات الدين. إننا اليوم نتنافس من منا أكثر عروبة، لأن العرب مرتبطون بالإسلام؛ وأنا أرى أن هذا التنافس مثير للاشمئزاز.

إعلان

يرى بعض الناس الحجابَ شكلاً من أشكال القمع؛ بينما يرى آخرون فيه تحريراً المرأة. أنتِ كنتِ ترتدين الحجاب، ثم خلعتيه، وترين اليوم أن له دلالة ثقافية أكثر من كونه ضرورة دينية؛ فكيف تشعرين حيال هذه الأفكار المتضاربة إذن؟
أنا أرى أن في كل منهما صواباً؛ وأعني بذلك أن ارتداء الحجاب ليس ذا معنىً ثابتٌ؛ فالناس يضفون عليه معنى ما كما يفعلون حيال أيّ شيء نرتديه ونفعله. ربما ترى النساء الأفغانيات اللائي يعشن تحت حكم طالبان؛ وربما الإيرانيات أيضاً؛ في الحجاب شكلاً من أشكال القمع.

أما بالنسبة للنساء اللواتي يعشن في فرنسا أو الولايات المتحدة، يمكن أن يمثل الحجاب بياناً سياسياً للاحتجاج على الملابس الموحدة، أو للكفاح في سبيل نيل حيّز ما في المجال السياسي والاجتماعي غير الإسلامي. إن معنى حجابي قد تطور وسيواصل التطور؛ فأنا التي ارتديت الحجاب مذ كنت طفلة صغيرة؛ وإن سألتني الآن عن معنى حجابي، فسأقول إنه ظاهرة اجتماعية أكثر منها دينية، وإن سألتِ النساء عما إذا كان الحجاب تحريراً أم قمعاً، فسأقول إني أرى فيه القمع والتحرير معاً؛ وقد تسمعين من نساء أخريات إجابات أخرى.

تتعرض الكثير من النساء اليوم لضغوط لارتداء الحجاب؛ سواءً من قبل الرجال أو النساء؛ فلمَ أصبح الحجاب شائعاً جداً في إندونيسيا؟
حينما تقتضي الأعراف في مجتمعنا أن سترَك لجسدك شرطٌ من شروط المرأة المسلمة "الحقيقية"، فمن الصعب تجنب الحكم. أنا شخصياً أقف في صف كل امرأة تريد ارتداء النقاب، أو البرقع إنْ كان هذا نابعاً من إرادتها فعلاً؛ ولكن، على الناس أن يعوا أن من يرتدين حجاباً طويلاً أو نقاباً أو برقعاً لسنَ أفضل ممن يرتدين حجاباً "ناقصاً." علينا، نحن النساء، أن نتحد ونحارب ضد السردية الأبوية السلطوية المستمدة من تفسير التعاليم الدينية. يبدو أحياناً الأمر وكأننا في مواجهة بعضنا بعضاً، فيقال إن هنالك "فتيات صالحات يذهبن إلى الجنة" في مقابل نساء "لسن ملائكة" ونحن نهدر كثيراً من طاقتنا في محاربة النساء الأخريات.

إذن هل يمكن للمرأة المسلمة في إندونيسيا أن تتخذ قراراتها الحرة والمستقلة فيما يتعلق بارتداء الحجاب؟
أعتقد أن عزل الفرد عن سياقه الثقافي والاجتماعي أمرٌ صعبٌ بعض الشيء؛ كما لا أجزم في نهاية المطاف أنّ كل من يرتدين الحجاب متأكداتٌ تماماً من أنه قرارهن الحر المستقل عن تأثير أبناء عمومتهن مثلاً. أعتقد أن ما يمكننا فعله هو العودة لحجابنا الخاص. كيف يكون ذلك؟ يكون ذلك من خلال التفكير في الغاية من ارتدائنا للحجاب في المقام الأول، وفيما يعنيه هذا الحجاب بالنسبة لنا؛ وإن كانت الإجابات على هذه الأسئلة تقربنا من خلع الحجاب، فلا ضير في ذلك أيضاً. إنْ هي إلا رحلةٌ علينا أن نتساءل فيها عن دوافعنا لنقيّمها بين الحين والآخر.

تم تحرير هذه المقابلة من أجل الوضوح والسياق. انتجت هذه المقابلة بالتعاون مع FemFest 2017 - حدث سنوي يناقش قضايا النوع الاجتماعي والجنس والنسوية في جاكرتا، إندونيسيا.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE Asia