مجتمع

ثقافة لوم الضحية.. ما بين الجبن واستعذاب القهر

لوم الضحية لا يصدر عادة إلا ممن يشعرون بضعف داخلي شديد، أو خوف شديد، أو يعانون من شعور مسيطر بالذنب
19.6.19
Blame

هناك فارق بين "لوم الضحية"، ومحاسبة المخطئ، وإن كان يعاني من ظروف سيئة، ومحاولة تحري الموضوعية. ثلاث اتجاهات إنسانية ونفسية واجتماعية وقانونية يسيرون في مسارات منفصلة، إلا أن مفاهيمهم ونهج تطبيقهم يختلط كثيرا على عامة الناس.

تحري الموضوعية هو التجرد من العواطف والميول الفكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية، ومحاولة الحكم عن طريق أن يضع الإنسان نفسه محل الطرفين، وذلك يحدث في نزاع بين طرفين متكافئين، إما في القوة، أو التأثير، أو الأذى الذي لحق بهما، بقول آخر، ربما يلحق الطرفين أذى ببعضهما البعض، ويكون الأذى مستاو أو متقارب لا يحيل أحدهما إلى ضحية مطلقة والآخر إلى جان مطلق، ومن أجل الحكم الموضوعي، على الإنسان أن يتحلى بالتجرد.

إعلان

أما محاسبة المخطئ، حتى وإن كنت تشعر ببعض التعاطف معه لظروفه النفسية أو الاجتماعية، فهو أمر قانوني، فمثلاً، من المفترض أن الناس سواسية أمام القانون، ومن المفترض أن السارق يتم محاسبته، فقيرًا كان أم ثريًا. إلا أن القانون يراعي ملابسات الجريمة، فالذي سرق رغيف خبز لأنه جائع لا يحاسب كالذي اختلس من المال العام، إلا أن جريمة الاختلاس من المال العام يحاسب عليها الغني والفقير على حد سواء، وإذا ما اختلس رجل أعمال من المال العام، سيحاسب تمامًا كما يحاسب موظفًا اختلس من المال العام كي يزوج ابنته. هناك بالطبع تعاطف اجتماعي مع الموظف، إلا أنه أمام القانون مذنب، وسوف يتم محاسبته.

أما لوم الضحية فهو أمر آخر. أنت هنا أمام جان ومجني عليه، مجرم وضحيته، معتد ومعتدى عليه. إذن، لا يليق بالمرة أن تقف أمام قضية فيها طرفين أحدهما اعتدى والآخر ضحية لتتساءل، في ادعاء كاذب للموضوعية والعدالة: طيب وهو إيه اللي ودا الضحية هناك؟ طب هي كانت لابسة كده ليه؟ طب هو ليه استفزه وخرجه عن شعوره؟ طب ليه شتمه بأمه؟ ما هو طبيعي حيقتله!

في عام 1947 وصف الدكتور ثيودور و. أردونو هذا المسلك بأنه من أسوأ خصال الفاشية في السلوك الإنساني. وفي عام 1950، ألف البروفيسور المذكور كتابًا مشتركًا مع اثنين من الأساتذة بجامعة كاليفورنيا أطلقوا عليه "الشخصية السلطوية"، وتحت عنوان "الشخصية الفاشية" بالكتاب، شرح البروفيسور أن تساؤل حول أفعال الضحية واعتبار الجريمة ردة فعل لما أتت به الضحية هو من خصال الشخصية الفاشيستية.

إلا أن تعبير "لوم الضحية" سكه الطبيب النفسي ويليام رايان، في كتاب ألفه بالعنوان نفسه سنة 1971، ناقش فيه السلوك العنصري والذكوري والسلطوي والطبقي لدى بعض الأشخاص الذين يلومون ضحايا العنصرية من السود، أو النساء اللاتي يتعرضن للتحرش والاغتصاب، أو الفئات الضعيفة كالفقراء والمستعبدين أو حتى الأطفال. وأوضح في كتابه أن المجتمعات التي تلجأ إلى لوم الضحية تعاني من تخلف إنساني، وقهر، وسلوك سلطوي ناشئ عن رغبة في التقرب للأقوى نظرا لإحساس الفرد بالضعف، أو الرغبة في التخلص من الشعور بالذنب الجمعي الذي يلحق بمجموعة بشرية يقوم أحد أفرادها بالاعتداء على مجموعة بشرية أخرى بدافع عنصري أو طائفي أو جنسي.

من هو الشخص الذي يلوم الضحية؟

كما ورد سابقًا، فإن هناك صفة إجمالية لمن يلجأ إلى لوم الضحية، وهي صفة الفاشيستية. لكن، ما الذي يدفع الإنسان إلى الفاشيستية بالأساس؟.. الحقيقة أن لوم الضحية لا يصدر، عادة، إلا ممن يشعرون بضعف داخلي شديد، أو خوف شديد، أو يعانون من شعور مسيطر عليهم بالذنب. لمزيد من الإيضاح سنورد نماذج مفترضة، نقابلها يوميًا في حياتنا.

إذا ما قام فرد أو أفراد ينتمون إلى مجموعة بشرية ما، بالاعتداء على مجموعة بشرية أخرى، ولنقل لأسباب طائفية كالديانة أو المذهب، أو لأسباب عنصرية، ولنكن أكثر تحديدًا، مثلاً في مصر، حين تقوم مجموعة من الأفراد بالاعتداء على إحدى الكنائس، وهؤلاء الأفراد هم مواطنون عاديون، وليسوا ضمن جماعة إرهابية، ولا يحملون فكرًا متطرفًا خاصًا، إلا أنهم خرجوا عقب صلاة الجمعة، وهاجموا بيتًا مملوكًا لأحد المسيحيين بالقرية، يتجمع فيه بعض المسيحيين لإقامة صلاتهم نظرا لأنه ليس لديهم كنيسة في القرية. عادة ما يكون هناك إدانة واسعة لهذه الجريمة بين الفئات "الطبيعية" من البشر، أو الذين يتمتعون بالحد الأدنى من الصحة النفسية، إلا أننا، وللأسف، نجد أيضًا ردود أفعال تلوم الضحية، وبعض عبارات مثل "أصل المسيحيين استفزوهم" أو "ما هم بيخالفوا القانون، المفروض يصلوا في الكنيسة، والصلاة في البيت مش مصرح بيه، المفروض ياخدوا تصريح، ولو كانت الحكومة قبضت عليهم ما كانش الناس اضطرت تضربهم"!. أي أنهم لا يكتفون بالاعتداء الذي تعرض إليه أناس كل جريمتهم أنهم يصلون، بل يناشدون السلطات بإلقاء القبض عليهم لإنهم يصلون بدون تصريح!

إعلان

هناك جريمة طائفية أكثر تحديدًا، حدثت منذ سنوات، وهي جريمة قتل حسن شحاتة، المفكر الشيعي المصري، حيث قام العامة بسحله وقتله بطريقة بشعة، وجاءت ردود الأفعال تتراوح ما بين شماتة في القتيل الذي "يسب الصحابة" وما بين أناس أكثر "اعتدالًا" عزوا الجريمة إلى تقصير السلطات في القبض على حسن شحاتة مما "اضطر" العامة إلى التخلص منه!

هذا الاتجاه في لوم الضحية، نابع من عدة مشاكل نفسية متشابكة، منها الشعور الجمعي بالذنب، ومحاولة التخلص من هذا الشعور بالذنب عبر لوم الضحية، ومنها الانتشاء بالشعور بالقوة العددية والاستمتاع بالإحساس بالقدرة على فئة أضعف، وهذا الشعور ينشأ عن شخص يشعر بشكل عام أنه ضعيف ومغلوب على أمره، مما يدفعه إلى تحين أي فرصة لاستشعار القوة، ولو عن طريق ظلم الآخرين، ومنها الشعور غير المبرر بالتفوق: أنا أحسن منهم عشان أنا مسلم وهم مسيحيين/ شيعة/ بهائيين/ ملحدين… إلخ، هم حيروحوا النار وأنا حاروح الجنة، إذن فأنا متفوق عليهم، ومن ثم، فلا يمكن أن أضع نفسي مكانهم، لأنهم أدنى، وعليهم أن يعيشوا صاغرين، منسحقين، وإذا ما قاموا بأي تحرك يشي بإنهم لا يرضون بالقواعد التي تمنحني التفوق عليهم فعلينا تأديبهم.

مثال آخر: حين تتعرض امرأة لانتهاك جنسي من أي نوع، بدءا من التحرش اللفظي مرورا بالتحرش الفعلي وحتى الاغتصاب، هناك تعبير شهير موجود في بلاد الغرب يتبناه أصحاب نظرية لوم الضحية: She asked for it.. she gave mixed messages أو "هي من طلبت ذلك، لقد أرسلت رسائل مربكة".

بالطبع هناك جهود حكومية وإعلامية واجتماعية وحقوقية في العالم الغربي لوأد هذا الاتجاه والتخلص من هذه العبارات إلى الأبد؛ إلا أنه لدينا في مجتمعاتنا العربية هذا المسلك بقوة: منذ سنوات طوال، كان هناك حادث اغتصاب شهير في مصر عرف إعلاميا باسم "فتاة المعادي". كانت فتاة المعادي مع خطيبها في سيارة في مكان ناء بالمعادي، فهجم عليها مجموعة من الشباب وأقدموا على باغتصابها. يذكر أن الشباب المتهمين في هذه القضية صدرت في حقهم جميعهم أحكامًا بالإعدام.

الملفت للنظر، أن الشباب المحكوم نال تعاطفًا واسعًا في المجتمع المصري حينها، حيث كتبت إحدى الصحف أن الشباب لم يتمكنوا من تقطيع ملابس الضحية نظرًا لإنها كانت ضيقة.

حين تنشر فتاة صورتها ووجها مشوه من أثار ضرب والدها أو أخيها لها على مواقع التواصل الاجتماعي، تقابل بعاصفه من الاتهامات: "أبوك/ أخوك، وخايف على مصلحتك، عملتي إيه يا منيلة خلاه يعمل فيك كده؟ طبعًا لابسه محزق وملزق وعايزة تنزلي الشارع، تسلم إيده الراجل الجدع!".

بصرف النظر عن رأيي الشخصي في حكم الإعدام ومناهضتي له، إلا أن الشباب قد تمت إدانته، كما أن التعاطف الواسع في المجتمع المصري في حينها مع هؤلاء الشباب لم يكن نابعًا من موقف حقوقي ضد حكم الإعدام، على العكس تمامًا، فحتى هذه اللحظة، دائما ما نسمع عبارات شائعة حول رغبة الجماهير في إعدام فلان أو علان في ميدان عام. لكن التعاطف مع هؤلاء الشباب جاءت حيثياته كالآتي:

الشباب حيعمل إيه؟ مش لاقي يتجوز، والتكاليف الجواز غالية، وهي إيه اللي وداها مع راجل في حتة مقطوعة وفي عربيته، يعني كانت في عربيته بتعمل إيه؟ ما احنا فاهمين، ولابسه ضيق ومحزق وأغرت الشباب" وفجأة، تحول مجموعة من الشباب المغتصب، الذي أقر بجريمته ولم يجد عذرًا لما قام به سوى أنهم كانوا تحت تأثير الكحول، إلى أبطال اجتماعيين فشر أدهم الشرقاوي، وتحولت الفتاة الضحية إلى عاهرة، ومنحطة، وتستحق ما جرى عليها، بل إنها هي من أغرت الشباب وأوقعتهم في المحظور.

إعلان

قضية فتاة المعادي ربما مر عليها أكثر من خمسة وعشرين عامًا، إلا أن هذا المسلك الفاشيستي في التعامل مع النساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري أو الانتهاك الجنسي، لم يتوارى، بل لم يضمحل ولو قليلاً.

حين تنشر فتاة صورتها ووجها مشوه من أثار ضرب والدها أو أخيها لها على مواقع التواصل الاجتماعي، تقابل بعاصفه من الاتهامات: "أبوك/ أخوك، وخايف على مصلحتك، عملتي إيه يا منيلة خلاه يعمل فيك كده؟ طبعا لابسه محزق وملزق وعايزة تنزلي الشارع، تسلم إيده الراجل الجدع!".

ولا جدال في أن الفتاة التي تتعرض للتحرش تكون موضع اتهام، بل إن الأمر يجري مجرى الدم في العروق، حتى بلغ الأمر بإن الفتيات أصبحن حين يشتكين من تحرش جنسي، يجب عليهن أولاً أن يقدمن شرحًا تفصيليًا لما كن يرتدينه، كما إن الفتيات قد طبعن مع الفكرة، ولا تبدأ بالشكوى من التحرش قبل أن تقول: كنت لابسة بنطلون واسع، وبلوزة بكم وطويلة وواسعة ومقفولة، وأنا محجبة، وما كنتش حاطة مكياج، ومع ذلك.. ثم تروي قصتها، وأحيانًا ما يكون في قصتها شخصية لامرأة مسنة وقفت عقبة للحيلولة دون تسليم المتحرش للقسم، وعادة ما تقول هذه السيدة المسنة: ما خلاص بقى… حتضيعي مستقبل الواد عشان كده؟ ما أنت ضربتيه… وعيب أما تروحي قصاد الرجالة تقولي اتحرش بيا.. الناس تقول عليك إيه؟ وقد حدث في مرويات عديدة حول التحرش أن من يقوم بمساعدة المتحرش على الهرب هن نساء مسنات!

الرجل، متحرشًا كان أم متعففًا، سلطة، والمرأة تابع، وهذه هي العقيدة المتجذرة لدى السواد الأعظم في المجتمعات العربية مهما ادعى الناس عكس ذلك. والمرأة في التراث القديم: سلب ونهب وسبية. والرجل في التراث القديم: صياد ومقاتل وفارس. هذا تراث يقبع في اللا وعي الجمعي بلا أي محاولة لخلخلته.

حتى المرأة حين تصبح سلطة يقوم الجميع بالانحياز لها، ولا سلطة للمرأة في مجتمعاتنا سوى الأمومة: "أمي ضربتني ودعت عليا".. هكذا تكتب إحدى الفتيات على أي مجموعة نسائية على مواقع التواصل الاجتماعي، فتنهال عليها النصائح: روحي بوسي إيديها ورجليها وراضيها، دي لو حطت السكينة على رقبتك.. دي أمك.. ده أنت تخشي بيها الجنة، أكيد عملتي عملة سودا.. تدعي عليك وقلبها بيقول بعد الشر" ثم مزيد من الابتزاز العاطفي: "بكرا تندمي على الأيام دي وتقولي فينك يا ماما!".

والحقيقة أن هذا الضغط العاطفي والنفسي على الضحية ليس أفضل شيء لعلاج مشكلتها. لا يوجد شخص لا يحب أمه تحديدًا، ربما، ولأسباب اجتماعية ونفسية، قد يوجد قلة من الأشخاص لا يحبون آبائهم لما اقترفه هؤلاء الآباء بحق الأبناء، لكن الأم، لا أحد يقوى على كراهيتها، وذلك لأسباب عملية بحتة: الأم في الطفولة المبكرة هي صورة الطفل عن نفسه، ولعدة أشهر بعد الولادة، يظل الطفل لا يعي أنه شخص مفارق لأمه، ويظن دومًا أنه وأمه شخص واحد، بعد حوالي من أربعة إلى ستة أشهر من عمره، يبدأ الطفل في ملاحظة أنه وأمه شخصان، إلا أنه لا ينفصل عنها نفسيًا أبدا، وإن كان هذا الارتباط النفسي يستمر في الخفوت مع تقدم العمر، إلا أنه لا ينقضي أبدا حتى نهاية العمر، لذلك، فكراهية الأم، لأي سبب من الأسباب، تعني كراهية الذات، وهذا يسبب مشاكل نفسية قد تودي بالشخص إلى الإدمان أو الانتحار أو غيرها من المشاكل النفسية والعصبية.

إعلان

إذن، ليس هناك داع لتوبيخ تلك الفتاة الضحية وتقريعها وابتزازها باحتمالية موت أمها! هذه ضحية عنف أسري، بدني ونفسي، ولابد من التعامل معها من هذا المنطلق، لا إشعارها بمزيد من الذنب.

ما استعرضته آنفا في النقطة الثانية من نماذج لوم الضحية يحتاج إلى تحليل شديد التركيب والتعقيد، وسنحاول، بعد الاستعانة بالقراءات النفسية، تفسيره. هذا المسلك هو خليط من الانحياز الأعمى للسلطة، وهذا الانحياز الأعمى لأي سلطة كانت، ينبع أيضا من شعور بالضعف، والدونية، والرغبة في التميز عن طريق التقرب للأقوى، والأعلى.

فالرجل، متحرشًا كان أم متعففًا، سلطة، والمرأة تابع، وهذه هي العقيدة المتجذرة لدى السواد الأعظم في المجتمعات العربية مهما ادعى الناس عكس ذلك. والمرأة في التراث القديم: سلب ونهب وسبية. والرجل في التراث القديم: صياد ومقاتل وفارس. هذا تراث يقبع في اللا وعي الجمعي بلا أي محاولة لخلخلته. الفارس المقاتل الصياد يحق له أن يمد يده إلى الشائع من أجل سلبه أو نهبه أو صيده. ولا يحق للـ"نهيبة" الاعتراض طالما أنها وضعت نفسها في طريقه، إن كانت لا ترغب في تسلب أو تنهب فعليها القبوع في منزلها، ذلك أكرم لها وأفضل.

الرجل في التراث القديم يتباهى بفحولته الجنسية، والمرأة في التراث القديم تختن حتى تقتل رغبتها الجنسية. إذن، فالمرأة هي المسؤولة عن استثارة الرجل، وطالما استثارته بملابسها أو بصوتها أو نظراتها، فهي تحول نفسها لنهب ومشاع، ولا لوم على رجل مفطور على الشره الجنسي والصيد، بل إنهما من دواعي فخره، أن يقوم بدوره المنوط به، بل إنه ربما ينظر إليه بدونية إن لم يتحول إلى حيوان جنسي خارج السيطرة، فهذا يعني أنه ليس بالفحولة الكافية. أي أن هناك ضغط اجتماعي مبطن على الرجل ليدعي هياجًا جنسيًا ليس بالضرورة حقيقيًا: هو أنا مش راجل ولا إيه؟ لا ده أنا راجل وسيد الرجال.. طب أهو.

إعلان

هذه السيدة المسنة، التي تظهر في كل حكاية تحرش لتهرّب المتحرش، هي أم، تربي ابنها على هذه القيم المذكورة أعلاه، وتتباهى بفحولته، وتضحك حين يصل إلى سن البلوغ ويتحرش ببنات الجيران، وتشعر بالزهو والفخر، إذن من الطبيعي أن ترى في ذلك المتحرش المقبوض عليه صورة ابنها، لذلك، فهي تسعى جاهدة لتهريبه، كما أن هذه السيدة في شبابها تعرضت لانتهاكات كثيرة، وصمتت، وسكتت، وصبرت، عشان عيب يعني لما تتكلمي وتقولي اتحرش بيا، الناس تقول عليك إيه؟ وبما أنها قبلت تلك الإهانة، فلماذا لا تقبلها هذه الشابة؟ هي أحسن مني؟!

هذا التبرير غير المنقطع للعنف الأسري بدعوى "الحب" و"الخوف" و"عايز مصلحتك" و"راجل وبيحمي أهل بيته"! نابع أيضًا من الانحياز لسطوة الرجل، فالرجال الذين يتحدثون بهذه اللهجة يدافعون عن سلطاتهم، والنساء اللاتي تتحدثن بهذه اللهجة كانوا في السابق ومازالوا يقبلون المهانة والعنف ويخضعون له، وهم الآن يريدن التقرب للسلطة، كي يحصلن على مكانة أرفع بين قريناتهن من النساء.

نموذج آخر شائع جدًا في مجتمعاتنا العربية: حين يتسبب الرجل في آلام نفسية قد تؤدي بها إلى المرض وقت اكتشافها خيانته لها، سواء بالزواج من أخرى، أو بإقامة علاقة مع امرأة أخرى. رد الفعل الاجتماعي يأتي بإدانة الآتين بالترتيب:

1- خطافة الرجالة اللي طمعت في راجل متجوز وعنده أسره

2- الزوجة المهملة اللي سابت جوزها ولم تحم بيتها

3- أما الرجل فلا يدان لكن يرجوه الناس أن ينظر لمصلحة أطفاله وأن يعود لبيته من أجل الأطفال: واحنا حنكلم المدام وننبهها لغلطها، لازم تاخد بالها منك أكتر من كده. (التراجع عن الخيانة يكون من أجل خاطر الأطفال.. أما الزوجة فهي مخطئة دون مناقشة).

إعلان

هذا المسلك لا يتم تبنيه حين تخون المرأة زوجها: فلا الرجل الثاني خطاف ستات، ولا الزوج مقصر في حق زوجته، هي اللي مجرمة وسافلة ورمت ضناها وشمال.

1561019676561-Screen-Shot-2019-06-19-at-13058-PM

لا بأس، هي فعلا مجرمة وسافلة وشمال، كذلك الرجل الخائن، مجرم وسافل وشمال.. لا؟ لماذا؟.. لإنه الطرف الأقوى. لإن لديه من السلطات الاجتماعية والقانونية بل والبدنية ما يرفعه فوق الملام. لإنه ليس "شرف" العائلة، فشرف العائلة محصور في المرأة، لأنها الأضعف، هي التي يمكن الإلقاء بها في الطريق والتخلص منها، هي التي يمكن لزوجها أن يأتي بغيرها وهو مازال متزوجًا منها، وعليها القبول لأنه "حقه"، هي من تتعلق حياتها ومستقبلها ومستقبل أطفالها على طرف لسان الرجل، بكلمة واحدة ينهي على حياتها بالكامل: أنت طالق. خلاص كده بقت في الشارع.

هذا انحياز مطلق للأقوى نابع من تراث قديم وطويل ومتغلغل. المجتمعات التي تعاني من الضعف والقهر هي من تنحاز للأقوى، لأنها لا تملك أسباب قوتها في ذاتها، فتستمد قوتها من الانحياز للقوي، وتعريف القوي في هذه المجتمعات لا ينبع من إنجازه الإنساني أو إسهامه الحضاري أو حتى قوته في مقاومته غرائزه وضعفه الإنساني، ولكن يعتمد على مدى قدرته على إيذاء الآخرين والإفلات من العقوبة، ويعاونه المجتمع على الإفلات من العقوبة ومن حتى الشعور بالذنب، تزلفا ونفاقا وتقربا وتأكيدا على سلطاته ومنحه المزيد من القوة.

كيف تتعامل مع الضحية؟

المجتمعات التي تحظى بالحد الأدنى من التحضر ومن ثم الإنسانية، لها معايير مغايرة في التعامل مع الضحية. الضحية هي في موقف الضعيف، والمعتدى عليه، تعاني من الارتباك النفسي والبدني، تشعر بمشاعر مختلطة من الغضب والحزن والشفقة على الذات وكراهيتها في آن معا، والشعور بالذنب ومحاولة رفض تصديق ما حدث لها. إذن، فالإنسان القوي في ذاته، والذي لا يحتاج إلى الانحياز للظالم كي يشعر بقوته، لا يتعامل مع الضحية إلا من واقع المساندة والدعم غير المشروط.

أنت لا تسأل الضحية عن سبب اقتراف الجاني لجريمته، هذا سؤال يوجه للجاني لا للضحية. مفيش حاجة اسمها: علمت إيه؟ إيه اللي وداك هناك؟ كنت لابس إيه؟ طب إيه اللي خلاه يعمل معاك كده؟.. هذا النوع من الأسئلة يزيد من حزن الضحية وارتباكها النفسي ويشعرها بمزيد من الضعف ويضعها في موقف المدافع وهي معتدى عليها.

إعلان

أنت لا تسدي الضحية نصائح من قبيل: طب مش تخلي بالك؟ ابقى خلي بالك المرة الجاية… مرة جاية؟ مواطن يعاني من اعتداء بدني أو جنسي أو نفسي أو مادي، تقول له المرة الجاية؟ بدل ما تقول له حتعدي إن شاء الله؟.. ثم إنه ليس في موقع يتحمل فيه سماع النصائح، فالنصائح ثقيلة على نفس الإنسان الطبيعي، فما بالك بإنسان متألم نفسيا أو بدنيا أو كلاهما؟

أنت لا تغيظ الضحية بمحاولة ادعاء الموضوعية وتبني وجهة نظر المعتدي: "ما هو برضه شايف من وجهة نظره إنك استفزيته!”

يعني أنت عايز تموته منقوط مثلاً؟

- أنت لا تعذر سوى الضحية في هذا الموقف. الضحية تحتاج إلى مساندة كاملة، ودعم كامل، وانحياز كامل، والانحياز للضحية لا يجافي الموضوعية على الإطلاق، على العكس تمامًا، فادعاء الحيادية أمام معتد ومعتدى عليه هو الذي ينافي الموضوعية والعدالة.

فلان سبني، فسببته، حتى الآن يمكنك أن تكون حياديًا، أما فلان سبني فقتلته، كيف تكون حياديًا أمام هذا الموقف؟

أنت لا تقول للضحية سوى: أنا معك، أنا أساندك، إذا احتجت أي شيء أرجوك خابرني، يمكنني تقديم الدعم ولو بسماع شكواك والإنصات إليها، أنا أحس بك، أنا أتفهم مشاعرك، أنا أساندك في السعي إلى القصاص من المعتدي عليك بإنفاذ القانون. والعبارة الأخيرة هي العبارة الوحيدة التي يمكنك أن تناوئ فيها الضحية إذا ما أرد الشخص الواقع تحت اعتداء أن يقتص بأساليب غير قانونية، أنت تساعده على أن يحتفظ برباطة جأشه، وألا يقترف جريمة قد تضره وتسيء إلى مستقبله، وتساعده على نيل حقه بالنهج القانوني.

بخلاف ذلك، وفر أسئلتك ونصائحك لنفسك.

يمكنكم متابعة نوارة على تويتر nawaranegm@