صحة نفسية

المكتئبون يستخدمون هذه الكلمات أكثر من غيرهم

إنها ليست كلمات سلبية دائما لكنها تحتل مساحة كبيرة من قاموس مصطلحات مُصابي الاكتئاب
16.2.18
ستوكساي

من الطريقة التي تتحرك وتنام بها، وكيفية تفاعلك مع الناس من حولك، يعمل الاكتئاب على تغيير كل شئ، بل يمكن أن يقوم بتغيير الطريقة التي تتحدث بها بطريقة ملحوظة، وقدرتك على التعبير عن نفسك في الكتابة، وهو ما يُطلق عليه في بعض الأحيان "لغة الاكتئاب"، والتي يمكن أن يكون لها تأثير قوي على الآخرين. يمكنك فقط أن تنظر إلى تأثير الشعر وكلمات الأغاني على كل من سيلفيا بلاث وكيرت كوبين واللذين انتحرا بعد معاناة كبيرة مع الاكتئاب.

إعلان

حاول العلماء منذ فترة طويلة تحديد العلاقة الدقيقة بين الاكتئاب واللغة، وساعدتنا التكنولوجيا على الاقتراب من ذلك الأمر بصورة كاملة، وقد كشفت دراسة جديدة، التي نشرت في مجلة Clinical Psychological Science، أصناف من الكلمات التي يمكن أن تساعد بدقة على التنبؤ ما إذا كان شخص ما لديه الاكتئاب أما لا.

وجرت العادة أنه يتم إجراء التحليلات اللغوية في هذا المجال من قبل الباحثين بالقراءة وتدوين الملاحظات، ولكن في الوقت الحالي، فإن أساليب تحليل النصوص الإلكترونية تسمح بمعالجة البيانات الكبيرة في غضون دقائق، وهذا يمكن أن يساعد في تحديد السمات اللغوية التي قد يفقدها الإنسان، وحساب النسبة المئوية لانتشار الكلمات وأصناف تلك الكلمات، والتنوع المعجمي، ومتوسط طول الجملة والنماذج النحوية والعديد من المقاييس الأخرى.

حتى الآن، كانت المقالات الشخصية والمذكرات التي تتناول الاكتئاب مفيدة في هذا الأمر، وكذلك ما تم بحثه حول الفنانين المعروفين كوبين وبلاث، فبالنسبة للكلمة المنطوقة، تم تقديم مقتطفات من اللغة الطبيعية بين الناس الذين يعانون من الاكتئاب، وتشير نتائج هذه البحوث إلى اختلافات واضحة ومتسقة في اللغة بين أولئك الذين يعانون من أعراض الاكتئاب ومن لا يعانون؛ فاللغة يمكن فصلها إلى عنصرين: المحتوى والأسلوب، ويتعلق المحتوى بما نعبر عنه - أي معنى أو مضمون المعلومات، ولن يكون مفاجآة لأحد أن يعلم أن الذين يعانون من أعراض الاكتئاب يستخدمون كمية مفرطة من الكلمات التي تنقل المشاعر السلبية، ولاسيما الصفات السلبية مثل "وحيد"، "حزين" أو "بائس".

الأكثر إثارة للاهتمام هو استخدام الضمائر، حيث أن أولئك الذين يعانون من أعراض الاكتئاب يستخدمون بشكل ملحوظ الضمير المفرد، مثل أنا ونفسي وغيرها من الضمائر التي تتحدث عن الذات، على عكس الآخرين الذين يستخدمون تلك الضمائر بشكل أقل بكثير، حيث يستخدمون "هم"، "لهم" أو "هي".

إعلان

هذا النمط من استخدام الضمير يشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أكثر تركيزًا على أنفسهم، وأقل ارتباطا مع الآخرين، وأفاد الباحثون أن الضمائر في الواقع أكثر موثوقية في تحديد الاكتئاب من الكلمات العاطفية السلبية.

ونحن نعلم أن الاجترار أو التفكير السلبي (إطالة الحديث في المشاكل الشخصية) والعزلة الاجتماعية هي سمات مشتركة بين المصابين بالاكتئاب. ومع ذلك، نحن لا نعرف ما إذا كانت هذه النتائج تعكس الاختلافات في الاهتمام أو أسلوب التفكير، فهل يسبب الاكتئاب أن يصب الناس كل تركيزهم على أنفسهم بشكل أكبر، أم أن الناس الذين يركزون على أنفسهم يصابون بأعراض الاكتئاب؟

أما بالنسبة لأسلوب اللغة، وهو ما يتعلق بكيفية التعبير عن أنفسنا، وليس المحتوى الذي نعبر عنه، فقد أُجرى مؤخرًا تحليل كبير لنصوص البيانات من 64 منتدى مختلف للصحة العقلية عبر الإنترنت، وفُحص أكثر من 6400 عضو، وكشف أن "الكلمات المُطلقة" - التي تنقل مقادير أو احتمالات مُطلقة، مثل "دائمًا"، "لا شيء" أو "تمامًا" – علامات واضحة عند المصابين بالاكتئاب، أكثر من الضمائر أو الكلمات العاطفية السلبية.

منذ البداية، توقعنا أن أولئك الذين يعانون من الاكتئاب سيكون لديهم بشكل أكبر نظرة أبيض وأسود للعالم، وأن هذا سيظهر في أسلوبهم من اللغة، فمقارنة بـ 19 منتدى مختلف، (على سبيل المثال Mumsnet وStudentRoom)، تنتشر الكلمات المُطلقة بنسبة تقترب من 50% في المنتديات التي يعاني روادها من القلق والاكتئاب، وأكثر بنسبة 80% للمنتديات التي يفكر روادها بالانتحار.

وأظهرت الضمائر نمط توزيع مماثل للكلمات المُطلقة في المنتديات، ولكن التأثير كان أصغر، وعلى النقيض من ذلك، فإن الكلمات العاطفية السلبية كانت بشكل غريب أقل انتشارًا في المنتديات التي يفكر روادها في الانتحار عن المنتديات التي يعاني روداها من القلق والاكتئاب.

إعلان

وشملت الأبحاث أيضًا منتديات التعافي، حيث الأعضاء يشعرون أنهم قد تعافوا من الاكتئاب، ويقومون بكتابة المشاركات الإيجابية والمشجعة حول حالتهم النفسية، وهنا وجد الباحثون أن الكلمات العاطفية السلبية استخدمت على مستويات مماثلة للمنتديات السابقة، في حين أن الكلمات العاطفية الإيجابية ارتفعت بنسبة 70% تقريبًا. ومع ذلك، فإن انتشار الكلمات المُطلقة ظلت أكبر بكثير، ولكن أقل قليلا مما كانت عليه في منتديات القلق والاكتئاب.

والأهم من ذلك، أن أولئك الذين لديهم أعراض الاكتئاب في السابق هم أكثر احتمالًا أن تعاودهم الإصابة بتلك الحالة مرة أخرى. ولذلك فإن ميلهم إلى التفكير المطلق- حتى عندما لا يكون هناك أي أعراض خاصة بالاكتئاب- علامة على أن ذلك قد يلعب دورًا في التسبب بالتعرض لنوبات الاكتئاب، وينظر إلى نفس التأثير من خلال استخدام الضمائر، ولكن ليس الكلمات السلبية.

إن فهم لغة الاكتئاب يمكن أن يساعدنا على فهم الطريقة التي يفكر بها أولئك الذين يعانون من أعراض الاكتئاب، ولكن له أيضا آثار عملية، حيث يجمع الباحثون بين تحليل النص الآلي مع التعلم الآلي من خلال (أجهزة الكمبيوتر التي يمكن أن تتعلم من الخبرة دون برمجتها) لتصنيف مجموعة متنوعة من الظروف الصحية العقلية من عينات النصوص اللغوية الطبيعية مثل مشاركات المدونات.

هذا التصنيف يعبر عن تفوق في الأداء الذي وصل له معالجي النصوص المدربين. الأهم من ذلك، أنه سوف يساعد على تحسين تصنيف التعلم الآلي كما يوفير المزيد من البيانات والخوارزميات الأكثر تطورًا. وهذا يتجاوز النظر إلى الأنماط الواسعة من الكلمات المُطلقة والسلبية والضمائر التي نوقشت بالفعل.

وقد بدأ العمل على استخدام الحواسيب للكشف عن الأصناف الفرعية بدقة؛ لتحديد الكثير من مشاكل الصحة العقلية - مثل مشاكل تقدير الذات، والقلق الاجتماعي.

ومع ذلك، فمن الممكن بالطبع استخدام اللغة المرتبطة بالاكتئاب دون أن تكون في الواقع تعاني من الاكتئاب، لأنه في نهاية المطاف، سيكون السؤال هو كيف تشعر مع مرور الوقت، وهو الأمر الذي يحدد ما إذا كنت تعاني من الاكتئاب أم لا.

ولكن كما تقدر منظمة الصحة العالمية هناك أكثر من 300 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يعانون الآن مع الاكتئاب، بزيادة قدرها أكثر من 18% منذ عام 2005، ومع وجود المزيد من الأدوات المتاحة لتحديد المرض، فإنه بالتأكيد سيكون أمر مهم لتحسين الصحة ومنع حالات الانتحار المأساوية مثل تلك التي حدثت للفنانين بلاث وكوبين.

محمد الموسوي مرشح لنيل الدكتوراة في علم النفس من جامعة ريدنج . نشرت هذه المقالة في الأصل على The Conversation . اقرأ المقالة الأصلية هنا وتابعه على تويتر .