زلمة

من معرض زلمة لمهدي البراغيثي

فن

معرض "زلمة" يفكك الصور النمطية للرجل العربي

مقابلة مع الفنان الفلسطيني مهدي البراغيثي حول معرضه الجديد
26.3.19

شواربٌ معقوفةٌ وعضلاتٌ مفتولة ٌوصوتٌ خشنٌ حاد يهز أرجاء المعمورة، صفاتٌ ملتصقةٌ التصاقًا أبديًا بمفهوم الرجولة وهي الحد الحاسم بينها وبين مفهوم الذكورة في عالمنا العربي بشكل خاص. إنَّ الصورة النمطية التي اعتدنا على أن نرى الرجل بها لا بد أن تتلاشى بشكل أو بآخر وهذا هو الدافع الأكبر وراء ظهور حركات جديدة تدعو إلى ما هو خلاف ذلك أو انبثاق فنون جديدة لتعبر عن هذا المفهوم. الفنان التشكيلي الفلسطيني مهدي البراغيثي، 27 عاماً، ابتكر طريقًة جديدًة يعمل من خلالها على تفكيك وتحليل القوالب والصور النمطية التي وضع بها الرجل العربي وبشكل خاص الفلسطيني من نواحي اجتماعية وسياسية أو حتى دينية. فهو يطرح الموضوع للمناقشة في معرضه الجديد بعنوان "زلمة" (أي رجل) والذي يضم أعمال الفنان القديمة والحديثة، والتي تتنوع في الشكل ما بين العروض الادائية والتركيبية والكولاج مع التركيز على صورة الرجل العربي في الثقافة الشعبية والوطنية والدينية.

1553591506951-Mahdi

مهدي البراغيثي.

"المعرض يركز على نظرة الرجل للرجل وانتقاد الذكورية للذكورية التي تؤثر على الجميع بغض النظر عن الجنس،" يخبرني مهدي في مقابلة عبر الايميل: "أقول الجميع، وأعلم أن الذكورية تؤثر على المرأة بشكل كبير، لكنني لا أحاول أن أتحدث بصوتها فأنا أرى أن الفنانات والناشطات الحقيقيات صوتهم أقوى بطرح المواضيع التي تؤثر بهن شخصيًاً."

البراغيثي خريج الأكاديمية الدولية للفنون المعاصرة في فلسطين، درس تخصص الفنون البصرية المعاصرة، واشترك بعدة ورشات وبرامج دراسية داخل وخارج فلسطين منها معرض المدن 6 "اللد الحديقة المغيبة" في متحف جامعة بيرزيت، و "مستقبل المدن" في إيطاليا. لم يكن هناك لحظة محورية معينة في حياته كانت سببًا مباشرًا لاختياره الفن ولكنه كان قراراً واعياً.

1553589692328-5
1553591941052-1

أنتج صور مفرغة من الايقونات المحلية وأشخاصاً دون وجوه، وأثبتهم على خلفيات بيضاء، فأسقط عليها تأثيرات لا علاقة لها بالأشخاص لتبرز عزلتها عن محيطها

"منذ صغري علمت أن هذا هو ما سأفعله في حياتي المستقبلية،" يقول مهدي ويضيف: "قررت بالبداية دراسة التصوير الوثائقي بعدما من المرحلة المدرسية وعلمت مع بعض المحطات التلفزيونية، لكنني لم أجد فيها أي مساحة للتعبير المحايد والشخصي، لأن المجال الصحفي محكوم ومراقب. لهذا قررت ان التحق بأكاديمية الفنون ودراسة الفنون البصرية، ومن ثم حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة اينسا بورجيس في فرنسا عام 2018."

أقيم معرض "زلمة" في غاليري زاوية، وهي صالة عرض مستقلة للفنون البصرية في مدينة البيرة في فلسطين، لدعم وتشجيع الفنانين المحليين وتقديمهم للساحة العالمية. عرض مهدي أعماله في كل من فلسطين وفرنسا ولبنان منها عروض أدائية وتركيبية وكولاج، لكن جميعها تتمحور حول نقطة واحدة -وهي تفكيك وإظهار العناصر المركبة لجسد الرجل ومن أين أتت هذه القوالب بالأساس.

1552386849449-6-2
1552387326076-5-2

"اخترت تسمية المعرض "زلمة" التي تستخدم بشكل عام بالمعنى المتعارف عليه لكلمة "رجل" لتوحي بالقوة المطلقة كمثال "الزلمة بعيطش" أي "لا يبكي" حتى أنها تستخدم بشكل كبير بين الشباب لتفخيم بعضهم البعض والتفاخر فيما بينهم "والله إنك زلمة" مما يظهر أن "الزلمة" هو القوة العظمى التي يسعى الجميع للوصول إليها،" يقول مهدي ويضيف: "عندما تقوم فتاة بعمل يستدعي الفخر تلقب ب "أخت زلام" وكأن المرأة ليس لها يد بأي إنجاز عظيم على هذا الكوكب." يشير مهدي الى أنه يحاول في أعماله التركيز على جسد الرجل والإسقاطات الجندرية عليه من خلال التأطيرات الاجتماعية والسياسية النمطية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من الجسد، وأصبحت تفرض تعريفات الرجولة والشكل المقبول من الذكورية في المجتمع.

من خلال اللون الأخضر، أريد أن أعطي طابعًا ومرجعًا دينيًا الهدف منها السخرية من المبالغة في التقديس، وإدخالنا للدين بكل تفصيل بسيط من تفاصيل حياتنا

ويضيف: "أستخدم جسدي وصور معاد تدويرها تتخللها عناصر خيالية من الثقافة الشعبية، والحرفية، والذوق الرديء، أستقيها من شبكات التواصل الاجتماعي لتخلق بعناية حالات معينة، استخدم هذا الأسلوب كطريقٍة للتحقيق في الصور النمطية في هذه الأعمال." ويتابع قائلًا: "سلسلة لوحات الكولاج والأعمال التركيبية التي أنتجها تمنح نقطة مرور للتفكيك النقدي لكيفية إدراك الجسد الذكوري إلى جانب تجميل وزخرفة تضاف إلى الأجساد المختلفة من ورود وشرائط دانتيل. أنتج صور مفرغة من الايقونات المحلية وأشخاصاً دون وجوه، وأثبتهم على خلفيات بيضاء، فأسقط عليها تأثيرات لا علاقة لها بالأشخاص لتبرز عزلتها عن محيطها."

1552387050601-4-2
1553591862654-7-1

كثر ما يلفت الانتباه في معرض "زلمة" هو اللون الأخضر الذي يطغى على كثير من أعماله: "إريد أن أعطي طابعًا ومرجعًا دينيًا الهدف منها السخرية من المبالغة في التقديس، وإدخالنا للدين بكل تفصيل بسيط من تفاصيل حياتنا." ويتابع: "اللوحتان البارزتان في المعرض مكتوب على إحداهما "يا كبير" والأخرى "يا وحش" مخطوطتان بذات اللون الأخضر، فيا ترى كيف يرى الدين هاتين الكلمتين وما موقفه منهما؟ لماذا يعتقد الكثيرون أن الدين دائماً بصف الرجل، وأن له الدور الأكبر بنصرة الكثير من الرجال على النساء أو أنه مصدر هذه القوة العظمى التي يتفاخر بها الرجل."

1552386782379-4
1553589849998-2015

عمل تركيبي بعنوان كالنقش على الحجر.

واحد من الأعمال المحببة لقلب مهدي، هو مشروع قام بإتمامه في فرنسا عام 2018 خلال فترة دراسته يحمل عنوان "كيف تنجو في أوروبا." يقول مهدي الى أن فكرة المشروع جاءت عندما تعرض هو وصديق مغربي للملاحقة من قبل شباب وشابات كانوا ينادون عليهما بأسلوب هجومي بأنهما "خلفاء أسامة بن لادن" ويريدونهما أن يخرجا من فرنسا. "الطريقة الوحيدة التي فكرت بها للهروب كانت هي أن نمسك بباقة البنطال ونصرخ بأعلى صوت "الله أكبر." لذلك هذا العمل له مكانة خاصة في قلبي لأنه يحمل مشاعر الخوف والخطر الذي عشناه،" يضيف مهدي.

1552386892735-
1552386915984-4-1-1-1

لأخذ فكرة الخوف من الآخر للنهاية، قام مهدي بتصميم ملصق ساخر وضعه بين اللوحات الاعلانية الموجودة في محطات القطار، حيث أضاف كل تلك العناصر النمطية التي يعتقد بها البعض، لإظهار مدى سخافتها وغباءها في كثير من الأحيان.

1553590179124-Mahdi-Baraghithi-how-to-survive-europe-1

"لا زلت في بداية الطريق، ربما لست الشخص الأفضل ليتبع خطاه أحد لأنني ما زلت أحاول وأتعلم، أرى الإنسان الأنجح هو الذي وجد طريقه الخاص." بهذه العبارة اختتم مهدي حواره معي.

جميع الصور مقدمة من مهدي البراغيثي.