قصص نساء عربيات حرمهن الفقر والحروب من استخدام الفوط الصحية

صورة Sergey Pesterev من Unsplash

قصص نساء عربيات حرمهن الفقر والحروب من استخدام الفوط الصحية

الفوط الصحية ليست رفاهية، والبدائل الشعبية غير آمنة أو صحية
7.3.19

قبل أربع سنوات انقلبت حياة عرفة رأسا على عقب بعد اندلاع الحرب في إقليم دارفور بالسودان واضطرارها للهروب طلبا للجوء في مصر. استقرت عرفة وطفلتها الرضيعة في غرفة متواضعة بمنطقة مساكن عثمان التابعة لمدينة 6 أكتوبر، لتبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة والكدح حتى تجد ما يكفي بالكاد قوت يومها وإيجار مسكنها، وبالطبع هذا لا يشمل ثمن شراء الفوط الصحية.

"أعمل في المنازل لأُعيل نفسي وابنتي. لم أفكر منذ سنوات أن أشتري ملابس جديدة حتى أشتري الفوط الصحية، واستخدم قطع القماش كبديل أوقات الحيض الشهري. أظل في غرفتي هذه الأيام ولا أخرج للعمل." تحكي عرفة، 30 عاماً، عن ملمح صغير من معاناتها كلاجئة مضطرة للاستغناء عن أبسط حقوقها كإنسانة وكإمرأة.

عرفة واحدة من آلاف من اللاجئات في بلدان عربية مختلفة لا تتوافر لهن الفوط الصحية بسبب الفقر وظروف الحرب وعدم الالتفات للنوع الاجتماعي في كثير من الأحيان عند تقديم خدمات الدعم والمساندة للاجئين، وهو ما يزيد من معاناتهن ويجعلهن يفتقدن للشعور بالأمان والثقة والراحة. وقد انطلقت في عدد من الدول العربية منها مصر والسودان، حملات لمطالبة الحكومات بتخفيض الضرائب على الفوط الصحية.

"بعد احتلال داعش الموصل تركت الكثير من العائلات بيوتها ونزحت إلى المخيمات التي تفتقد للخدمات الخاصة بالنساء سواء كانت مستلزمات النظافة الشخصية أو الصحة الإنجابية وغيرها من الاحتياجات النسائية، وهو ما يدفع النساء والفتيات للرجوع إلى الوسائل البدائية مثل الخرقة (قطع من القماش) وهو ما يُسبب لهن الشعور بالحرج والقلق وعدم الراحة، كما يمكن أن يتسبب بأمراض الحساسية،" تحكي زينب المشاط، 29 عاماً، عضو بجمعية الأمل العراقية عن أوضاع شبيهة تعاني منها نساء العراق.

هناك بعض الفتيات اللواتي يعتمدن على حفاضات الأطفال كبديل عن الفوط الصحية لأنها أرخص ثمنًا

تضيف زينب إنه في بعض المناطق العشوائية في العراق لا تمتلك النساء ما يكفي من المال لشراء الفوط الصحية فما لديهن يكفيهن بالكاد لشراء الطعام والمياه النظيفة. "لا يوجد مياه نظيفة في الكثير من هذه المناطق، وإذا حاولت أن تملأ كوبا من ماء الصنبور ستجده مختلطًا بالطين ولذلك نشتري الماء للشرب والنظافة الشخصية. أما الفوط الصحية فتتوافر في المدينة بأسعار تتراوح من 2 إلى 3 دولارًا لمن يقدر على شرائها،" تقول زينب.

لا تختلف الأوضاع كثيراً في إقليم كردستان العراق، وفقًا لنياز عبد الله، 30 عامًا، الإعلامية بـ راديو نوا ومؤسسة تحرير درو ميديا. "اللاجئات العراقيات محرومات من كثير من حقوقهن الأساسية وفي مقدمتها مستلزمات النظافة الشخصية والفوط الصحية. وهناك آلاف من النساء العراقيات يعانين من هذه المشكلة سواء من النساء اللاتي أسرهن عناصر تنظيم داعش من الموصل أو من الإيزيديات المغتصبات اللواتي تحررن من قبضتهن ولكن معاناتهن لا تزال مستمرة في المخيمات بسبب كونهن إناث،" تقول نياز وتضيف: "المرأة دائمًا أثناء الحروب والنزاعات هي الضحية. ولا ينظر للبعد الجندري بعين الاعتبار في أكثر الأحيان رغم أهميته الكبيرة، فمسألة مثل افتقاد المرأة الفوط الصحية يجعلها عرضة للقلق والتوتر وانعدام الثقة ويزيد من معاناتها."

الفقر وقلة الحيلة أسباب أخرى لعدم توافر الفوط الصحية للفتيات في مصر كما تحكي لنا سمر مصطفي، 25 عامًا، والتي استقلت مؤخرًا عن عائلتها: "قررت أن أستقل عن منزل أسرتي قبل عامين وأن أتحمل مسؤولية نفسي كاملة، ومع موجات ارتفاع الأسعار المتتالية كان لابد أن أُقلل من نفقاتي وأحذف بعض البنود من قائمة المشتريات الشهرية كي أتمكن من دفع الإيجار ويتبقى ما يكفي للطعام والمواصلات دون أن أحتاج لطلب المعونة من أحد."

البديل عن الفوط الصحية في المخيمات هو استخدام بقايا الملابس القديمة وقطع القماش التي يعاد استخدامها عدة مرات

الفوط الصحية كانت واحدة من الأشياء التي تخلت عنها سمر، وأصبحت تعتمد على قطع القماش أو المناديل الورقية كبديل، وتشير الى أن كثير من الفتيات لا يشترين الفوط الصحية بسبب ارتفاع أسعارها فأقل عبوة تبدأ من 30 جنيهًا وتصل بعض الأنواع إلى 50 و60 جنيهًا بسبب الضرائب المفروضة عليها وكأنها من الرفاهيات، وهو أمر يجب تغييره وتوفير الفوط الصحية للنساء بأسعار مدعمة. "هناك بعض الفتيات اللواتي اعتمدن على حفاضات الأطفال كبديل عن الفوط الصحية لأنها أرخص ثمنًا فالقطعة منها تباع مقابل جنيه واحد، كما أنها مريحة ولا تسبب مشاكل جلدية لمن يعانين من الحساسية،" تقول سمر.

وتعاني النساء والفتيات في مصر في بعض المناطق النائية من المشكلة ذاتها، كما عرفنا من شادية، 18 عامًا، إحدى فتيات واحة سيوة المصرية (أقصي الشمال الغربي قرب الحدود الليبية): "لا نستخدم الفوط الصحية، يوجد القليل منها في واحة سيوة حيث أعيش (واحة صحراوية مصرية معزولة في أقصي الشمال الغربي للبلاد)، كبرنا ووجدنا أمهاتنا تستخدم فوط قماشية لهذا الغرض تُغسل ويعاد استخدامها مرة ثانية،" تقول شادية وتضيف: " عندما تمر الفتيات بفترة الدورة الشهرية لا يذهبن للمدرسة خلال هذه الأيام. وتتوقف الفتيات هنا عن الدراسة بعد المرحلة الإعدادية أو الثانوية ويتزوجن بعدها، ولا يوجد فتيات تذهب إلى الجامعة أو تغادر الواحة إلا مرات قليلة في حياتها كلها."

في سوريا، عانت النساء والفتيات في المناطق المحاصرة من نقص الأغذية والمياه والأدوية على مدار سنوات منذ 2011. طبعاً، الحديث عن نقص الفوط الصحية رفاهية في وقت لم تكن تتوافر فيه الإمدادات الحيوية كالطعام والدواء، كما تشير الشابة السورية ربا حنانا، 25 عامًا: "حتى عندما كانت بعض المنظمات تقدم رزم مستلزمات النظافة الشخصية تتضمن فوط صحية كان عددها غير كافي ويأتي على فترات متباعدة، فكان البديل هو استخدام بقايا الملابس القديمة وقطع القماش التي يعاد استخدامها عدة مرات. نحن نتحدث هنا عن مزيج من الشعور بالحرج وقلة الراحة وغياب الخصوصية لاسيما في المخيمات التي تتشارك فيها أكثر من عائلة في دورات المياه. الكثير من اللاجئات السوريات يفتقدن أبسط حقوقهن ويمنعهن الخجل في الحديث عن الأمر وربما لذلك لا يوضع بعين الاعتبار حتى الآن في أكثر مخيمات اللاجئين."

الحصار القاسي المفروض على قطاع غزة من قبل اسرائيل منذ سنوات، أدى الى منع دخول الكثير من المواد الضرورية لاعادة بناء القطاع ومساعدة الأهالي على استعادة حياتهم بعد عدد من الحروب. هاجر حرب، صحفية فلسطينية، 33 عامًا، وتعيش في قطاع غزة تقول أن هناك بعض المناطق لا تتوافر فيها الفوط الصحية ولكنها ليست كثيرة. "نشعر بوطأة هذه المشكلة في أوقات الحروب وتسعى بعض المنظمات لتوفير الاحتياجات الأساسية للنساء ولكنها بالطبع لا تصل إلى الجميع، فبحسب دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة بعنوان "حماية في مهب الريح" عام 2014 فإن 16% من النساء والفتيات النازحات إلى مراكز الإيواء حصلن على طرود صحية خاصة بالنظافة الشخصية، قدمتها وكالة الأونروا والصليب الأحمر وبعض مؤسسات المجتمع المدني. وكان لغياب هذه المستلزمات أثر كبير في تعزيز الشعور بالاغتراب وانعدام الشعور بالراحة والطمأنينة والخصوصية."

والأمر سيان في المغرب، حيث انطلقت حملة توقيع إلكترونية تطالب وزارة المالية في المغرب بتخفيض الضرائب المفروضة على الفوط الصحية وتوفيرها بشكل مجاني للنساء وخصوصا الطالبات في المناطق النائية، باعتبار أن صعوبة وصول الفتيات لهذا المنتوج واحد من بين أسباب توقفهن عن الدراسة. ويعتبر القائمون على الحملة الإلكترونية، أن الفوط الصحية ليست منتجات لتحقيق ترف للنساء، كما تقول فاطيما سليماني، 27 عامًا: "تعاني النساء من أسر فقيرة من مشكلة مؤرقة فترة الحيض، فارتفاع اسعار الفوط الصحية يجعلهن غير قادرات على شرائها والاعتماد على الوسائل البدائية (قطع القماش) التي تسبب لهن التهابات مهبلية وغيرها من المشاكل الصحية، كما أن الفتيات تتوقف عن الذهاب للمدرسة بسبب افتقادهن للفوط الصحية. " وعلى الرغم من الحملات لتخفيض الضرائب على الفوط الصحية، إلا أن فاطيما تشير إلى أن هذه الحملات لم تحقق أي شيء ملموس حتى الآن.