تعليم

فليكر

مجتمع

صناعة التعليم في المنزل.. بديل المصريين لتحقيق معادلة التكاليف والجودة

اتجهت العديد من الأسر المصرية مؤخرًا لنظام "التعليم المنزلي" لتوفر لأبنائها تعليم جيد بتكاليف معقولة
SA
إعداد Sara Adel
21.5.18

تُردد الأمهات العربيات عامة والمصريات خاصة، عبارة: "صناعة المنزل أفضل"، أيًا كان ذلك المصنوع، من عجائن البيتزا والفطائر إلى تفكير بعضهن الآن في صنع التعليم نفسه منزليًا بعد فقدانهن الأمل في وجود تعليم حكومي أو خاص يلبي احتياجات أبنائهم، أو ينمي مواهبهم.

معظم من تحدثنا معهم من أصحاب تجربة التعليم المنزلي يرون أن اللجوء إليه دافعه ارتفاع مصروفات التعليم غير الحكومي لما قد يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات للطالب الواحد، خاصة إن كنت تبحث عن العلوم واللغات إلى جانب الترفيه، بالإضافة إلى عدم صلاحية التعليم الحكومي من وجهة نظرهم حتى لتلبية احتياجات سوق العمل في المستقبل، لكن هناك عدة أسئلة ينبغي طرحها، وأولها هل بذلك نحرم الطفل من مجتمع المدرسة؟ وما كيفية هذا التعليم وآلية مناهجه وكيف توضع؟ وماذا لو اكتمل ما ينقص التعليم الحالي؟ وما موقفهم من قوانين التعليم المصرية التي لا تعترف بالمتعلمين منزليًا وكيف يتعاملون معها؟

إعلان

أمن فكري
من وجهة نظر معارضة للتعليم المنزلي، يقول طارق نورالدين، معاون وزير التربية والتعليم المصري سابقًا: "إن التعليم ليس فقط مقدار المعلومات التي يحصلها الطالب، بل يرتبط بتوجهات الدولة وسياساتها، فتقي بالمناهج التي تضعها شر زرع السموم في العقول".

نور الدين، لا ينكر على أولياء الأمور حقهم في البحث عن تعليم أفضل لأبنائهم، وهو يقر أيضًا بالبيروقراطية، لكنه لا يرى في التعليم المنزلي حلًا، خاصة في المرحلة الحالية. يضيف: "التعليم في المدارس بالشرح، والرفقاء أيضًا حين يختلطون، وبالأنشطة وإن كانت محدودة، طالما كنا على أرض مصرية، فعلينا الالتزام بالمناهج التي تعتمدها الدولة"، وذلك في إشارة إلى عدم اعتماد التعليم المنزلي حتى اللحظة من قبل وزارة التربية والتعليم.

الدستور المصري
المادة 19 من الدستور المصري لسنة 2014 تتناول التعليم باعتباره حقًا ينمي المواهب ويؤصل المنهج العلمي في التفكير: "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقاً لمعايير الجودة العالمية."

وتضيف هذه المادة : "والتعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقاً للقانون، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها."

إعلان

مناهج مخفية
سندس، أم مصرية لا يزيد عمر ابنها الأكبر حمزة عن ثلاثة سنوات ونصف، ومتخرجة في كلية التربية قسم رياض الأطفال، تعيش في إحدى المدن الجديدة على أطراف القاهرة، قررت خوض تجربة التعليم المنزلي مع حمزة - أكبر أبنائها - في سن صغيرة، وبالتحديد منذ عام ونصف تقريبًا.

تقول سندس إن هناك ما يعرف بـ"المناهج المخفية"، وهو ما يمكن تعريفه بشكل مبسط بأنه الغرض من المناهج، هنا كل دولة تضع أهدافها الخاصة دون اعتبار للرغبة الشخصية للفرد ماذا ستكون، فتشكل وعيه بما يتفق وسياسات الدولة، لا بما يريد هو أن يكون.

تقليم الزرع ضمن النشاط الزراعي في التعلم المنزلي

على الجانب الآخر، فإن الأم هي مجرد منظمة للعملية التعليمية في "التعليم المنزلي"، فيما يبدأ الطفل رحلته نحو الاختيار مبكرًا، هكذا ترى سندس، وتضرب مثلًا بابنها الذي أحب الطائرات، فتعلم من خلالها العد والتصنيف وغيرها.

قررت الأم هنا أن تمنع ابنها عن ثقافة مجتمعية سائدة: "من لم يذهب إلى المدرسة، فلن يتعلم أبدًا خارجها، والمدرسة هي الأمان التعليمي، وهو جعلها مترددة للدرجة التي تدفعها للتقديم في إحدى المدارس من باب الاحتياط، ماذا لو لم أكمل ما بدأته؟"

إحصائيات
في الوقت الذي تتصدر فيه الولايات المتحدة الأمريكية عالميًا بـ 2.2 مليون طفل متعلم منزليًا في عام 2010، ومعدل متزايد سنويًا يتراوح بين 7% إلى 15%، يُعد التعليم المنزلي قانونيًا في نيوزيلندا وإنجلترا وكندا.

على الجانب الآخر، تأخذ مصر جانب الدول التي لا تعتمد هذا النوع من التعليم، كألمانيا والسويد، ولا تتوافر بها إحصائيات دقيقة لعدد المتعلمين، فيما تصل نسبة المتسربين من التعليم حوالي 7.3% من إجمالي عدد السكان بدءًا من عمر 4 سنوات فأكثر، وتبلغ نسبة الذين تسربوا من التعليم لانعدام الرغبة حوالي 37.2%، وفقًا لما أظهرته نتائج تعداد مصر لعام 2017.

إعلان

الطفل يختار بعد 6 سنوات
هبة كمال، أم أخرى تخوض التجربة، قريبًا من العاصمة المصرية. ترى أن الطفل يمكن تأسيسه منزليًا حتى سن السادسة، وبعدها يتم تخييره، هل يود الذهاب إلى المدرسة أم يكمل ما بدأه؟

ممارسة الأعمال اليدوية جزء من عملية التعلم

لا تعتبر هبة أنها استبدلت سلطة المدرسة أو مصادر التلقين المختلفة بمصدر واحد، "هي". وتشير إلى مجموعات دراسية يحضرها ابنها ذي الأربع سنوات، في الأحياء والفيزياء، والتي يتخير هو ما يراه ملائمًا، فالتعليم بالأنشطة لا بالتلقين، إضافة لرحلات وصداقات يكونها في محيط هذه المجموعات ومجموعات غيرها.

أحبت هبة أن تكون تنشئة ابنها ثقافيًا وأخلاقيًا على يد أبيه وأمه، وحين يواجه المجتمع يكون قد تلقى درعًا دفاعيًا صنع في المنزل.

ميسرون ومرشدون
عبد الرحمن المكي، معلم للغة العربية، أو مرشد وموجه كما يُطلق على القائمين بالتدريس في حالات التعليم المنزلي، يقول إن مزايا التعليم بهذه الطريقة اعتماده على تدريس الطفل منفردًا في البداية، ثم محاولة التعرف على شخصيته وموهبته الأكثر وضوحًا، بعدها يتم تجميع المتشابهين .

يعتبر المكي قوة التعليم المنزلي، في كونه ليس مرتبطًا بمكان واحد كالفصول مثلًا، وفي اعتماده على الطالب وشغفه الذي يعتبر أساس العملية التعليمية، فيما يكون الأب أو الأم أو كلاهما مجرد ميسريين للعملية التعليمية، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت قدراتهم، وهم في ذلك لا يهتمون بالتحصيل بقدرة اهتمامهم باستطاعة التعلم، حسب تعبيره.

يشير المكي إلى تدريب الآباء أيضًا، خاصة الأمهات، باعتبارهن قائمات على المتابعة الدراسية في نظام التعليم المنزلي، وخلق مجموعات دعم نفسي، لكنه يعتبر غياب الدعاية عن التجربة أشد عيوبها، ويحاول بما ينشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع مصورة أن يلقي الضوء على طريقة التدريس.

إعلان

وفي الوقت الذي يرى فيه المكي أن المدارس بوضعها الحالي مدمرة للعقول، لكن هناك مآخذ أيضًا على تجربة التعليم المنزلي، منها عدم الربط بالأنشطة الاجتماعية، وكذلك غياب المنهجية، والحفاظ على الحرية لدرجة تصل إلى العته، حسب قوله.

التزام مقابل أن تدرس ما تحب
سماح عبد الله، مهندسة كيمياء نووية في الأصل، اضطرتها ظروف الإقامة في المملكة العربية السعودية إلى ممارسة التدريس بأشكال عدة في المدارس السعودية، والمدارس بمنهاج مصري، وأخرى مدارس عالمية الطراز (إنترناشونال)، وعند عودتها إلى مصر استمرت في التدريس، وإن كان على طريقتها الخاصة وفي تجربة جديدة هي التعليم المنزلي.

تحاول في هذه التجربة أن تتلافى أخطاءً كانت أمامها في التعليم النظامي، من خلال عملها في أحد مراكز التعليم المنزلي. تصف "سماح" المناهج بـ "الحشو والقشور"، وأولى خطواتها تجاه ذلك هو تقسيم الفئة العمرية للمتدربين في ورش العمل (البديل عن الحصص الدراسية)، من 4:6 سنوات ومن 6:9 ومن 9:12.

نقاش حول الكلمات والجمل في درس لغة إنجليزية

تشير سماح إلى اختلاف وأفضلية بتجربة التعليم المنزلي لأنها توظف ميول الطفل. وتعتبرها خلاصًا من نظام تعليمي يلزم الطفل بتحصيل وفقًا لنسب مئوية معينة منذ الحضانة، وحتى تخرجه، مع مدرسين غير تربويين، يعملون على إفساد العلاقة بين الأطفال والآباء بالدرجات.

"في التعليم النظامي هناك يوم دراسي دون وجبة ساخنة واحدة"، تتابع سماح: "صحيح هناك التزام في تجربة التعليم المنزلي، لكن الطفل سيتعلم ما يحب بالطريقة التي يحب". وتؤكد على ثقافة الاختيار الذي لا يخلو من التوجيه أو من مفهوم "أستاذ الظل"، وهو أستاذ يتابع من بعيد سلوكيات الأطفال ويعمل على إصلاحها أولًا بأول .

رغم عدم اعتماد نظام التعليم المنزلي في مصر كنظام رسمي، مما يضطر الآباء أحيانًا إلى تسجيل أبنائهم في مدارس نظامية مع تعليمهم بنظام التعليم المنزلي بالاتفاق مع المدرسة، إلا أن الحكومة المصرية تسمح بالتعليم الإلكتروني (التعليم عن بعد)، وكانت أول جامعة مصرية تتبنى المبدأ قد أنشئت بالقرار الجمهوري رقم 233 لسنة 2008 ، تحت اسم الجامعة المصرية للتعليم الإلكتروني.

إعلان

تعليم مُكمّل
دينا حسن رمضان، أم لطفلين ابنة وابن، تعيش بين محافظتي البحيرة، شمال العاصمة المصرية، والقاهرة، إلا أن ترى أن دورها في التعليم المنزلي هو دور مكمل، بوسائل تعليمية أكثر بساطة.

تنوي دينا المتخرجة في كلية الإعلام جامعة القاهرة، إخضاع أبناءها لدورة التعليم الاعتيادية، على أن تمارس معهما تعليمًا مرنًا، في البيت ومكملًا لما يتلقيانه في المدرسة.

التعامل مع الحيوانات جانب رئيس في أنشطة التعليم المنزلي

د. ماجدة عمار، المديرة التربوية لمؤسسة "رؤية" وهي مؤسسة خدمات تربوية تأسست قبل عام 2014، وتعمل في مجال الـتأهيل التربوي للمدارس والحضانات والعاملين بهما، ثم انطلقت في تنفيذ نظام للتعليم الحر، وفقًا لبرتوكول مع جامعة عين شمس.

تقول ماجدة إن الأصل في نقطة هل يستطيع الطفل الاختيار؟ أن الأم تدعم الطفل إلى أن يستطيع دعم نفسه، ويحدث هذا في تجارب التعليم بأسرع ما يمكن، وهو العمر الذي يمكن تقديره بـ 6 - 7 سنوات، سن مناسبة ليحدد الطفل شغفه الخاص. تنفي ماجدة عن التعليم المنزلي كونه حرمان من مجتمع المدرسة، فهناك مجتمع آخر يستطيع فيه الطفل أن يلتقي بأقرانه ويخرج معهم في نزهات قصيرة أو طويلة، الفارق أن ذلك يتم بلا زي مدرسي، فالطفل هو محور العملية التعليمية.

ما يعيب التجربة من وجهة نظر ماجدة، هو كونها غير مكتملة بعد، فهناك آلية للامتحان لا تعترف الدولة بغيرها، كما أنها لا تعترف أيضًا بغير التعليم النظامي في مدارسها أو المدارس الخاصة المرخصة، وتقارن ذلك بآليات التشريع في الخارج التي لا تلزم تقييد الطلاب حتى يكون تعليمهم معتمدًا.

كذلك يعيب التجربة احتمالية تجريم الدولة التعليم المنزلي، في أي وقت، أو امتناع المدارس التي تتعاون وديًا مع الأسر التي ترغب في التعليم المنزلي عن ذلك، لكنها تؤكد أن المدارس بشكلها الحالي لم تعد اختيارًا أبدًا.

إعلان

مشروع قانون
في نوفمبر 2017، تقدمت النائبة ماجدة نصر، بمشروع قانون يعاقب أولياء الأمور على تسريب أبنائهم من التعليم "النظامي"، وحسب تصريحات صحفية للنائبة، فإن العقوبات المقترحة شملت حرمان الأسر من حصة التموين إذا تسرب أحد الأبناء من التعليم.

أوضحت أن القانون به جزء إيجابي وهو مكافأة المواطنين الذين يجبرون أبناءهم على الذهاب إلى المدرسة، وعدم التسرب من التعليم، وخاصة الفقراء لمساعدتهم في استكمال تعليم أبنائهم، وتشجيعا لهم.

منشورات للامتحان
صافيناز خليفة، مديرة شركة للتدريب وبناء الشخصية، تقول إن "العملية التعليمة تنطوي على عيوب كثيرة أهمها أن الأطفال لا يرغبون في الذهاب إلى المدرسة، فيما لا يهتم المعلمون بالمناهج أو بطرق التدريس، فلو أخذنا كتاب الدراسات الاجتماعية كنموذج، سنجده مجرد منشور للاستعداد للامتحانات فقط، لا معلومات أو دروس عملية".

ترى صافيناز إن اللجوء إلى التعليم المنزلي راجع إلى صعوبة التعلم، وغياب طرق التعليم المبتكرة كالتعليم بالترفيه - fun to learn، كذلك الخوف من الصدمات التي يتلقاها الأبناء في المدرسة في السنين الأولى، إضافة إلى أسعار المدارس. وتشير إلى كون بدايات هذه التجربة قد تكون مع عمر 8 أشهر، ورغم اعترافها بقصور في التعليم النظامي، إلا أنها تؤكد أن الطفل في التعليم المنزلي محروم بلا شك من مجتمع المدرسة، حتى وإن كون صداقات.

ترى صافيناز أيضًا أن الحل يكمن في تأهيل المعلمين، والتركيز على الطلاب باعتبارهم نواة للعملية التعليمة، ومحاولة تنمية مواهبهم وتعميق المناهج. كما ترى أن المناهج تكتسب صلاحيتها من الأسماء، فلا يمكن أن يكون هذا منهج جيد لأنه أمريكي أو بريطاني، فلابد للمناهج من تمصير أو تعريب، ووضع مناهج أصلية خاصة بكل ثقافة.