10 أسئلة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على حاملة شهادة دكتوراة

ضيعان الشهادة بلبنان
26.9.18
دكتوراة
د.روان غالي -الصورة مقدمة منها.

هناك من لا يكاد يصدق انتهاء سنوات الدراسة الجامعية من امتحانات ومحاضرات وسكن جامعي ويحلم بالحصول على وظيفة ومعاش والقليل من الاستقلالية. وهناك من لا يضيع فرصة لاستكمال الدراسة سنة بعد أخرى، بكالوريوس ومن ثم ماجستير ومن ثم دكتوراه. قد يستغرب البعض لماذا يقرر شخص ما أن يقضي سنوات طويلة في الدراسة والقراءة والكتابة للتحضير لأطروحة الدكتوراه. ولا شك أن إضافة الدال قبل الاسم لها قيمتها، ولكن هل قضاء الوقت في الدراسة بدلاً من تفقد قصص انستغرام، والسهر والسفر وتضيع الوقت تستحق هذا العناء؟ تحدثنا الى روان غالي، 27 عامًا، والتي حصلت على شهادة الدكتوراه من الجامعة اليسوعية في لبنان (جامعة القديس يوسف)، لتصبح أصغر دكتورة في الترجمة بجامعتها، عن سبب رغبتها بالحصول على هذه الشهادة، وإن كانت الدكتواره غيرت من شكل حياتها.

إعلان

VICE عربية: لماذا قررت الحصول على شهادة دكتوراه؟ ألم تكفيك سنوات الدراسة الجامعية؟
روان غالي: القرار كانت مرتبط بالوظيفة التي كنت أود الحصول عليها. فأنا أرغب بالعمل في مجال الترجمة مع منظمات انسانية عالمية، وظننت أنه بحصولي على الدكتوراه، سأجد عملًا بشكل أسرع في هذه المنظمات، كما أن هذه الشهادة ستساعد في زيادة راتبي. وأتذكّر أنني قررت أن أدرس الدكتوراه، عندما كنت أدرس لفترة وجيزة في إيطاليا، حينها كنت في الحادية والعشرين من عمري. ولطالما أردت الحصول على أعلى الدرجات العملية في اختصاصي، هذا أمر أكيد. تتناول أطروحتي الظروف المناسبة لعمل المترجم من حيث العلوم المعرفية (cognitive sciences) حيث تناولت عاملي: الإدراك والانتباه، لأبرِز تاثيريهما السّلبي الإيجابي على المترجم.

كيف كانت حالتك النفسية خلال سنوات التحضير للاطروحة؟ هل شعرت بقلق، اكتئاب، وحدة…
آه هذا سؤال جيد! بلغت مرحلة قاسية اضطررت فيها أن أتناول فيها أدوية لمحاربة القلق. كنت أعاني من الأرق بشكل مستمر وقلة النوم: أذهب لأنام عند الحادية عشرة ولا أغمض عيني إلا عند الثالثة بعد منتصف الليل، لأن دماغي لا يتوقف عن التفكير. كنت أصاب بالارهاق الشديد ولم أتمكن من مفارقة فراشي أحيانًا. كنت أبكي من دون سبب، وفي أحيان كثيرة، لم أرد متابعة الأطروحة، خصوصاً، عندما أضطر إلى إعادة كتابة أقسام كبيرة منها بعد رفض المشرف لها. كنت في ضغط مستمر، أنفّس عن غضبي بشكل عشوائي مع من حولي. كما أنني زرت معالجًا نفسيًا لمحاولة التخفيف من حدة الوضع وحسن إدارته.

بعد مرورك بكل هذا، هل تعتقدين أن قضاء هذه السنوات في الدراسة يستحق ذلك؟
بالتأكيد. دراسة الدكتوراه كانت خياري، فقد قررت ترك عملي كمساعدة شخصية ومترجمة لرئيس تنفيذي، وكرّست وقتي كلّه للأطروحة، فانتهت خلال ثلاث سنوات ونصف. أنا واثقة بأن تعب هذه السنوات سيجدي نفعاً وسيسهّل حصولي على العمل الذي أطمح له وهو مترجمة لدى منظمة من منظمات الأمم المتحدة. وحتى لو تطلّب الأمر مني الدراسة سنوات إضافية كنت سأقوم بذلك، لأن الشهادة تستحق كل هذا العناء. خلال هذه السنوات، تمكنت من المشاركة في محاضرات عالمية، والكتابة في مجلات عالمية، ومثّلت جامعتي في عدد من الجامعات الأجنبية. لذلك لا أندم على أي شيء. ولو عدت بالزمن إلى الوراء، لكنت كررت ذلك، مع نفس المشرف، وفي الجامعة نفسها.

إعلان

كيف هي حياتك الإجتماعية؟ هل تجدين صعوبة في التعامل مع الناس بدلا من الكتب؟
أنا بطبعي كمالية وأنظّم وقتي بشكل دقيق، وتنظيم الوقت وحسن إدارته يستطيعان توفير حياة اجتماعية عادية. ولكن أحيانًا في ظل الضغط الكبير بين الترجمة لزبائن حافظت عليهم، ومهمات الأطروحة والكتابة، كنت أوقف حياتي الاجتماعية لفترة معيّنة الى أن أنتهي من المشاريع الكثيرة، ومن بعدها تعود الأمور الى مجاريها. فأنا لم أتوقف مثلا عن السهر والسفر والذهاب في رحلات مع الأصدقاء.

حسناً، هل من فوائد إجتماعية أخرى لحصولك على الدكتوراه؟
الأهل والرفاق فخورين جداً "يا لطيف." ولكن هناك جزء كبير من الناس يظن أنني متكبرة، ولا حياة لي إلا مع الكتب. هذا صحيح لأنني أعمل وأدرس بشكل مستمر. لكنني أسهر وأسافر كأي انسان عادي. ولن أصبح في مرتبة أعلى من الآخرين بحصولي على هذه الشهادة. الـ "د" أمام اسمي لن تغيّر أي شيء.

روان- الصورة مقدمة منها.

تحبين مناداتك بـ"الدكتورة"؟
رفاقي يحبون مناداتي بـ "دكتورة روان" أو "دكتورة غالي" ولكنني لا أزال غير معتادة أن على هذا اللقب. ولكنني أحب تعريفي بالدكتورة في المحاضرات، أو في أي محيط عملي فقط. لكن أحياناً، أتقصـد استخدام هذه الصفة لمنع الناس من أن "يستوطوا حيطي" أو الاستهزاء بي. فأنا عازفة بيانو، وأعزف في فندق "الهيلتون" في بيروت أحيانًا، وفي لبنان يعتقدون أن الفنان هو شخص غير مثقف وغير متعلّم، ولديهم نظرة دونية تجاهه. مع هذا النوع من الأشخاص "المستخفين" الذين أصادفهم، ألجأ إلى استعمال صفة دكتورة في التعريف عن نفسي، لأبرهن لهم أنهم مخطئون تماماً. فحين يعلمون أنني أنهيت دكتوراه و"لست فقط مجرد موسيقية" تتغير نظراتهم في اللحظة عينها بشكل تام. إن عزفت خلال عشائك، هذا لا يعني ذلك أنني لاشيء، أو أن قيمتي –المعرفية، العلمية، والحياتية- أدنى منك.

واقعياً، هل الحصول على الدكتوراه تزيد من فرص التوظيف أم تقللها؟
سأخبرك عما حصل معي قبل بضعة سنوات: تقدّمت إلى العمل لدى سفارة معيّنة، وخضعت لإمتحان توظيفي وحللت في المرتبة الأولى، كما أنهم أحبوا سيرتي الذاتية، ولكني لم أحصل على الوظيفة. كانت حجتهم لعدم التوظيف هي أنني بدأت بأطروحتي، وبأنني سوف اتركهم عندما أنتهي منها، على الرغم من أنني وافقت على الشروط والمعاش. حتى في عملي السابق، عندما علموا أنني سأبدأ بأطروحتي، قالوا: "نحن لا يهمنا الدكتوراه وما نفعها" والخ. لا شك أن هناك خوف ممن يحمل هذه الشهادة في سوق العمل، إذ يصبح overqualified. ليس من السهل الحصول على عمل بهذه الشهادة في مجالات معينة، وخاصة أن "الواسطة" تلعب دورًا كبيرًا في التوظيف في لبنان فيما الكفاءة تحكم في الخارج. والآن بتّ أفكر جديًا بالهجرة، على الرغم من أن الرحيل لم يكن موضوع نقاش من قبل. ولكن "ضيعان" الشهادة بلبنان، لا يقدرونها، ولا يستخدموها لإفادة البلد مع أنها – وكل الأبحاث التي نقوم بها خلال التحضير للاطروحة- إحدى الطرق للتقدم للأمام.

هناك مدارس فكرية ترى أن الخبرة العملية أهم بكثير من الدراسة النظرية.
الخبرة العملية مهمة، ولكنني لا أوافقهم الرأي تمامًا. أرى أن النظام الذي يتبعه الشخص أثناء التحضير للدكتوراه يعلمه الصّبر وكيفية مواجهة عوائق عدة حياتية أو عمليّة. بالاضافة إلى تطوّر الشخص فكرياً وتوسّيع وجهات نظره. أعتقد كذلك أنه بنمو القدرات البحثية والمعرفية، ستنمو تلقائيًا القدرات العملية. والخبرة الأكبر أثناء الدكتوراه، هو التعرف على متخصصين من الخارج وتبادل المعرفة والخبرة والانفتاح على أعمالهم الجديدة، والمشاركة في محاضرات عالمية. وكل هذا نوع من الخبرة ايضاً.

إلام تطمحين الآن؟
أحببت شعور إنهاء الدكتوراه في عمر صغير. أطمح الآن أن أحصل على العمل الذي أريده، وأسافر لمتابعة أبحاثي التي لم أتمكن من القيام بها، ونشر المزيد من المقالات. كما أنني أفكر في إفتتاح مركز لتعلّم اللغات ربّما، أو مؤسسة ترجمة. كما أود أن أقوم بالتعليم، لكي يعلم الطلاب الشباب أن الترجمة أكثر من مجرّد نقل كلمات.

هل تغيّرت معاييرك بالنسبة إلى اختيار شريكك؟
لن أكذب عليك، نحن نعيش في بلد يفكر فيه الأهل على الشكل التالي: "ماذا سيقول الناس عنا اذا تزوجت ابنتي الدكتورة من فلان أو فلان…". لا يسري عليّ هذا الأمر، ولم تتغيّر معاييري في اختيار الشريك بفعل الدكتوراه. ولكن لطالما فضّلت أن يكون شريكي مثقفاً ويُحب عمله، من دون أن يكون حاصلًا على دكتوراه ولا حتى ماجستير. وأصلا، إذا كان الشريكان دكاترة، هذا لا يعني أن حبّهما أقوى أو أنهما سيتفاهمان بشكل أكبر. كما أنني أتمنى ألا ينعتون العريس المستقبلي بـ"زوج الدكتورة" لأنهم يقومون بذلك كثيراً في لبنان (تضحك).