سياسة

احتجاجات كبيرة في العراق، ما الذي يحدث هُناك؟

مقتل 9 أشخاص وجرح أكثر من 200 آخرين بسبب استخدام "العنف المفرط" ضد المتظاهرين
العراق

عراقيين يتظاهرون للمطالبة بتحسين الخدمات- شترستوك

"لا يُمكننا العودة عن مطالبنا، فخمسة عشر عاماً من أعمارنا خسرناها بسبب النظام السياسي الحالي، لذا، قررنا أن نقول كلمتنا،" يقول أحمد جبار (إسم مستعار) وهو أحد المشاركين في الإحتجاجات في محافظة البصرة، جنوبي العراق، والمعروفة بغناها النفطي ومدّها لأكثر من 85% من موازنة العراق المالية. أحمد جبار، 27 عاماً، الذي يخشى من إعتقاله بسبب وجود حملات إعتقال مستمرة تقوم بها السُلطات الأمنية في البصرة للناشطين المدنيين والمناصرين للتظاهرات، فضل عدم ذكر إسمه لتلك الأسباب، وفضل أيضاً الخروج من منزله والسكن خلال الأيام المقبلة عند أقاربه. يتحدث جبار لـ VICE عربية: "التظاهرات التي خرجت منذ 10 أيام في البصرة كانت عفوية جداً، ومازالت كذلك. حاولت الحكومة تحييدنا أو تخديرنا بعقد لقاءات مع بعض الشخصيات في المحافظة، لكنها كانت متوهمة، فنحن لن نعود لمنازلنا حتى تتحقق مطالبنا."

إعلان

وشهدت محافظات في جنوب العراق تظاهرات كبيرة، دخلت اسبوعها الثاني، تُطالب بتوفير الخدمات وتُندد بتفشي الفساد وغياب العدالة الإجتماعية، وتدعو إلى ضرورة محاسبة المقصرين في تقديم الخدمة للمواطنين. وتعاني محافظات جنوب العراق من سوء الخدمات وانعدام الماء والكهرباء وإنهيار المستوى التعليمي والصحي. وبعد نحو 15 عاماً من سقوط النظام السابق، لا تزال مشكلة الكهرباء في العراق بدون حل، في حين تصل درجات الحرارة إلى ما يقارب 50 درجة مئوية في الصيف. ويصنف العراق، الذي يملك ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم بعد السعودية من بين أكثر الدول فساداً على المستوى العالمي.

وكانت تركيا قد بدأت منذ فترة بملء بحيرة سد ايليسو العملاق على نهر دجلة مما أدى الى قطع كامل مياه النهر عن العراق وبعد مساعي حكومية أجلت تركيا قطع المياه لمدة محدودة. كما قامت إيران بوقف مد العراق بألف ميغاوط من الكهرباء بسبب تخلف الحكومة العراقية عن دفع مستحقات الجانب الإيراني.

ما هي مطالب المتظاهرين؟
أكبر حركة إحتجاجية شهدها العراق بعد عام 2003، هي تلك التي انطلقت في 30 يوليو 2015 والتي استمرت شرارتها حتى اليوم، ولم تكن البصرة أو بقية المحافظات الجنوبية ببعيدة عنها، حيث بدأت من جنوب العراق بعد مقتل الطفل المتظاهر منتظر الحلفي في يوليو 2015 في البصرة التي عادت التظاهرات إليها. المتظاهرون الذين حاولت بعض الجهات وحسابات مواقع التواصل الإجتماعي أن تُنسبهم لحزب أو جهة أو مكون معين، "أصروا على ألا يرفعوا غير العلم العراقي، وألا يكونوا ضمن أي خانة غير تلك التي تتعلق بحقوقهم،" كما يؤكد علي الغزي (33 عاماً)، وهو أحد المشاركين في المظاهرات من محافظة ذي قار: "كُنت أتوقع في اليومين الأولين أن التظاهرات تُقاد من قبل أحزاب أو على الأقل أشخاص يتبعونها من أجل الضغط على خصومهم، لكن بعد ذلك تبينت الحقيقة. العراقيين سئموا من الحياة البائسة التي يعيشونها بسبب الحكومات التي أهملت المواطن وإنشغلت بالمحاصصة وزج الأحزاب التي شكلتها في مؤسسات الدولة العراقية، وبسبب كل هذا ضاعت الخدمات وضاعت الحقوق وبقي كل شيء في العراق يتراجع ويصير للأسوء."

إعلان

وعن مطالب المتظاهرين يقول الغري: "نطالب بتوفير الخدمات من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، وكذلك القضاء على البطالة أو على الأقل الحد منها، وتخفيف نسبة خط الفقر في البلاد، ومحاسبة المسؤولين الذين تسنموا مناصب تنفيذية دون أن يُقدموا أية خدمة للمواطن العراقي." وقد سلم شيوخ عشائر من محافظة البصرة مطالبهم لرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي في لقاء جمع الطرفين بفندق الشيراتون بمحافظة البصرة يوم الجمعة الماضي، حيث كان العبادي يتوقع أن تخمد التظاهرات بعد تسليم المطالب، لكن توقعه لم يكن في محله فإستمرت حتى اللحظة.

وتشكل الموارد النفطية للعراق 89% من ميزانيته، وتمثل 99 بالمئة من صادرات البلاد، لكنها تؤمن 1% بالمئة من الوظائف في العمالة الوطنية لأن الشركات الأجنبية العاملة في البلاد تعتمد غالباً على عمالة أجنبية. فيما تبلغ نسبة البطالة بين العراقيين رسميا 10,8%.

ما هي آخر التطورات؟
ركز المتظاهرون في أيامهم الأولى على شركات النفط العاملة في محافظة البصرة، واقتحموا مقر شركة (لوك أويل) الروسية التي تعمل في حقول القرنة، قبل أن تتدخل القوات الأمنية وتحمي الشركة التي إضطرت لإجلاء موظفيها بطائرات مروحية. ولم تقتصر التظاهرات على محافظتي ذي قار والبصرة، بل إمتدت إلى محافظة السماوة، وكذلك النجف حيث مرقد الإمام علي ومقر إقامة مراجع الدين الشيعة أبرزهم علي السيستاني، وكربلاء التي تُعتبر قبلة الشيعة حيث مرقدي الإمامين الحُسين والعباس، وكذلك محافظة بابل القريبة من العاصمة العراقية بغداد، وميسان حيث ينتمي إليها عدد كبير من المسؤولين التنفيذيين والتشريعيين في الدولة العراقية.

ينحدر أغلب المسؤولين في الدولة العراقية من المحافظات الجنوبية لذا لم يكن متوقعاً أن تقوم الاحتجاجات من هذه المحافظات

إعلان

وينحدر أغلب المسؤولين في الدولة العراقية من المحافظات الجنوبية، لذا لم يكن متوقعاً بشكل كبير أن تكون هُناك حركة إحتجاجية أولاً وأن لا يتم السيطرة عليها من قبل الحكومة المعروفة بأن رأسها "شيعي" وتلك المحافظات ذات غالبية شيعية. المتظاهرون توجهوا أيضاً إلى مقرات الأحزاب السياسية، وحرقوا مقرات لأحزاب الدعوة الذي يُعتبر رئيس الحكومة الحالية أحد أعضائه، ومقر حركة حزب الله العراق، وكذلك مُنظمة بدر التي ينتمي إليها وزير الداخلية قاسم الأعرجي، وأيضاً حزب الفضيلة الذي ينتمي إليه وزير العدل حيدر الزاملي.

وفي النجف اقتحموا مطار النجف الدولي يوم الجمعة الماضي، قبل أن يعود العمل فيه أمس الأثنين، حيث توقفت حركة الطيران في المطار، وعلى إثر تلك الأحداث أوقفت عدة شركات رحلاتها من وإلى النجف، أبرزها الخطوط الملكية الأردنية. ولم تكن مقار الحكومات المحلية في البصرة وميسان والمثنى وكربلاء والنجف بعيدة عن إقتحامات المتظاهرين أو محاصرتهم لها، وهذه هي المرة الأولى الذي تشتد فيها الحركات الإحتجاجية في العراق وتصل لهذه المرحلة منذ أبريل 2003 وسقوط نظام صدام حسين.

كيف كانت ردة الفعل الحكومية؟
بحسب ناشطين في التظاهرات، فإن القوات الحكومية في العراق، إستخدمت "العُنف المفرط" ضد المتظاهرين، وهو ما تسبب بمقتل 9 أشخاص وجرح أكثر من 200 آخرين، بحسب مصادر طبية تحدثت لـ VICE عربية. وكان عدد القتلى الأكثر في محافظة البصرة، حيث قُتل فيها ثلاثة متظاهرين، فيما توزع الستة الآخرين على المحافظات الأخرى، لكن الحكومة العراقية لم تُعلن حتى الآن عن محاسبة أي من المتسببين بمقتل المتظاهرين. وبحسب المرصد العراقي لحقوق الإنسان، فإن "الحكومة العراقية تتعامل بتهاون كبير مع قضايا القتل التي تعرض لها عدد من المحتجين ضد سوء الخدمات والبطالة في العراق طيلة السنوات الماضية، كان آخرها الحادثة التي وقعت في مدينة البصرة جنوبي العراق قبل أيام."

إعلان

وتجاوز عدد الجرحى في التظاهرات أكثر من مئتي جريح، وهؤلاء جميعهم كانوا يحتجون بشكل سلمي، بحسب إسماعيل الفتلاوي وهو ناشط في المرصد العراقي لحقوق الإنسان: "من الواضح أن الحكومة العراقية تعمدت استخدام العُنف ضد المتظاهرين. جميع الذين أصيبوا وقُتلوا، كانوا يحتجون بشكل سلمي ولم يحملوا السلاح ضد القوات الأمنية أو أية جهة أخرى." وأضاف: "نخشى إستمرار العُنف المستخدم من قبل بعض عناصر الأمن في العراق، فمثل هكذا تصرفات يُمكنها أن تخلق فجوة كبيرة بين المواطنين وأجهزة الدولة الأمنية."

وتحدث عدد من الناشطين المدنيين في البصرة وذي قار والنجف وميسان لـ VICE عربية "عن صدور مذكرات اعتقال بحق عدد منهم لمشاركتهم في التظاهرات، وأن هُناك عمليات إعتقال طالت العشرات من المتظاهرين في محافظة البصرة."

سبب قطع الانترنت؟
لأول مرة منذ أن بدأ العراقيون بإستخدام الإنترنت بشكل علني بعد عام 2003، تقوم الحكومة العراقية بقطع الخدمة عن العراقيين بشكل تام. فمنذ صباح السبت الماضي قطعت وزارة الإتصالات العراقية التي تُسيطر على هذه الخدمة، الإنترنت عن بغداد والمحافظات الجنوبية التي تعيش ثورة شعبية ضد الحكومة. وحاولت الحكومة العراقية منع اتساع حركة الإحتجاج في البلاد إيقاف وصول مقاطع الفيديو والمعلومات من أماكن الحدث، لذا قررت قطع الإنترنت عن تلك المحافظات وبغداد أيضاً، بينما أبقته على محافظات شمال العراق، ومنها محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل.

وقال رئيس مرصد الحريات الصحفية زياد العجيلي لـ VICE عربية: "قطع خدمة الإنترنت عن الناس، هو إنتهاك لحق الحصول على المعلومة. المعلومات التي يجب أن تصل للناس هي حق لهم، والحكومة العراقية سرقت هذا الحق منهم ومنعتهم من المعرفة والإطلاع على ما يدور من أحداث في البلاد." ومازالت حتى اليوم الثلاثاء، حركات الإحتجاج مستمرة في المحافظات الجنوبية، وتطور الأمر لتصل بعض مناطق العاصمة بغداد، وهذا أبرز ماكانت تخشاه الحكومة العراقية.

وتأتي موجة الاحتجاج هذه فيما ينتظر العراق انتهاء عملية إعادة الفرز اليدوي النسبي لأصوات الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في 12 مايو على خلفية شبهات بالتزوير. ووصلت نسبة المشاركة في الاقتراع حوالي (44 بالمئة)، وهي النسبة الأدنى منذ سقوط نظام صدام حسين العام 2003، فيما اعتبر الاحجام الكبير عن التصويت بمثابة نوع من "الرفض" أو العقاب للطبقة الحاكمة العراقية. وقد فاز الائتلاف الانتخابي الذي يقوده الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بالعدد الأكبر من المقاعد، بعد تحالفه غير المسبوق مع الحزب الشيوعي العراقي وبعض التكنوقراط.