مجتمع

هل سطا "البروفيسور" على بنوك في تونس؟

"كانت تجربة مشاهدة المسلسل أشبه بمغامرة شخصية، وعندما انتهيت منه شعرت برغبة كبيرة في القيام بعملية سطو حقيقية"
2018 أغسطس 13, 12:34pm

لقطة من مسلسل "البروفيسور"

يبدأ الأمر بمشهد عادي لمجموعة من الأشخاص يجلسون حول طاولة كبيرة، بينما يقف قائدهم و يدعى البروفيسور في أول الطاولة و خلفه سبورة كبيرة الحجم وقد رسم عليها خرائط و خطوط و دوائر؛ ليتبين بعد ذلك أن تلك الجلسة العادية كانت سببًا في حدوث أكبر وأمهر عملية سطو في التاريخ. كل هذه الأحداث لم تكن حقيقية طبعًا بل هي جزء من المسلسل الإسباني La casa de papel ، بسيناريو متقن وأحداث متسارعة وحبكة درامية رائعة.

خلق هذا المسلسل جدلًا كبيرًا، وجذب انتباه ملايين المشاهدين حول العالم. خطط البروفيسور لكل شيء ولم يترك أي تفصيلة للصدفة، مع استعداده لجميع الاحتمالات، حتى احتمال القبض على أحد العناصر . تسارع الأحداث والحبكة الجيدة دفعت بالبعض إلى مشاهدة حلقاته كاملة دفعة واحدة، وفتح شهية آخرين لخوض تجربة السطو على البنوك التي كانت في مخيلة الشباب التونسي واحدة من الحلول الصعبة لتحقيق حلم الثراء السريع. لكن في تونس ومنذ عرض هذا المسلسل تم السطو على أكثر من 3 بنوك فيما وقعت عملية اختلاس لمبلغ مالي في بنك أخر من قبل أحد الموظفين، فهل هناك علاقة مباشرة بين ما عرض على شاشات التلفزيون و ما حصل في تونس ؟ وهل للمسلسل تأثير على منفذي عمليات السطو؟

أول عملية
بعد عرض المسلسل بأسابيع و في صباح 09 أغسطس 2017، ملثم يحمل مسدس يدخل بهدوء إلى فرع بنك بمنطقة حدائق المنزه في شرق العاصمة حاملاً حقيبة سوداء، يشهر مسدسه في وجه الموظفين، يطالب أحدهم بإخراج المال من الخزنة، يبدو الذعر على وجه الملثم، يبدأ الموظف بوضع المال على الطاولة، يقترب الملثم من الطاولة ليحمل النقود ويضعها في حقيبته ويخرج بكل هدوء. هذا ما أظهرته كاميرا مراقبة البنك الداخلية. كان الجميع مذعورًا بما فيهم الملثم الذي قام بعملية السطو.

لم تكن عملية خطرة بقدر ما كانت مرعبة بالنسبة للموظفين الذين لم يعتادوا على مثل هذه الأحداث. تسببت الحادثة في حالة جدل كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في أوساط الخبراء و المختصين، عصام الدردوري، الخبير الأمني ورئيس المنظمة التونسية للأمن والمواطن، قال "هناك إمكانية كبيرة في تأثر هؤلاء الأشخاص بالإعلام والمسلسلات في القيام بمثل هذه العمليات لكن لا يمكن أن يكون ذلك وحده ما ساهم في بناء الشخصية الإجرامية لدى منفذ العملية.

يعتقد الدردوري أن الشخصية الاجرامية تتأثر بعدة عوامل منها البعد النفسي، والاجتماعي ، والاقتصادي وغيرها. ويؤكد أن تأثر مرتكبي مثل هذه الحوادث بالمسلسلات والأفلام، هو جزء من البعد السيكولوجي الذي يساعد كثيرًا في بناء الشخصية الإجرامية. من ناحية أخرى، يحكي حمزة (33 سنة) ويعمل كمحاسب في شركة خاصة، تجربته مع المسلسل الإسباني وحجم التأثر الذي حدث له عند مشاهدته ""كانت تجربة مشاهدة المسلسل أشبه بمغامرة شخصية، كنت أشعر دائمًا أنني معهم هناك بصدد السطو على البنك المركزي الإسباني. إنها تجربة مليئة بالمشاعر المتناقضة، وعندما انتهيت منه شعرت برغبة كبيرة في القيام بعملية سطو حقيقية"

سطو أمني
عملية ثانية كان أكثر تعقيدًا حدثت الشهر الماضي في فرع بنك أخر في المنار أحد الأحياء الراقية وسط العاصمة، شخص مسلح يقتحم البنك و يشهر مسدسه في وجه الموظفين يطلق طلقتين تحذيرتين في الهواء و يقول - حسب أحد شهادة أحد الموظفين: "لن أمسّكم بسوء، فقط أعطوني المال". تمكن المسلح من الفرار بسهولة لكن الغريب في الأمر أن البنك يقع على بعد بضعة أمتار من مركز الأمن الوطني بالمنطقة. الاغرب من ذلك أن التحقيقات التي أجرتها الشرطة أكدت أن من قام بالعملية كان شرطيًا في إدارة السجون والإصلاح و تم إلقاء القبض عليه.

لغرابتها احتلت الحادثة واجهات الصحف المحلية في اليوم التالي، ودفعت كثير من المحليين لمناقشة الموضوع، فهل يمكن أن يكون أعوان الأمن أيضا قد تأثروا بالمسلسل؟ يرى علم الاجتماع أنه لا توجد علاقة بين المسلسل الإسباني وما حصل في بنك المنار وسط العاصمة.

يقول فؤاد غربالي، المتخصص في علم الاجتماع: "لا يمكن القول أن هناك علاقة مباشرة بين عمليات السطو و المسلسل الإسباني، إلا من خلال دراسة الأشخاص الذين نفذوا هذه العمليات، ولكن يمكن أن يكون الفيلم أو الأفلام التي تناولت هذه القضايا قد وفرت مجموعة من المعتقدات والقيم التي بدورها ساعدت على تكوين إرادة تأكيد الذات والتفكير بالبطولة، و تعطي نوع من النشوة و قدرة على فعل والتحدي. إذن يمكننا اعتبار المسلسل من العوامل، ولكنه ليس العامل الوحيد.

يتفق رئيس المنظمة التونسية للأمن والمواطن عصام الدردوري مع علم الاجتماع في هذه النقطة، حيث يؤكد أنه ما من شخصية تولد إجرامية بطبعها ولكنها تتأثر بعدة عوامل، كما يؤكد عصام أن السطو ليس دائمًا دافعه الفقر، فمنفذ عملية المنار عون أمن يتقاضى راتبًا شهريًا محترمًا، ولكن ما دفعه يمكن أن يكون نوع من أنواع إثبات الذات.

يُرجع طيف واسع من التونسيين ازدياد عمليات السرقة والسطو على البنوك إلى الارتفاع الكبير في الأسعار، وتصاعد الضرائب التي أفقدت التونسيين جزءًا ليس بالقليل من قدرتهم الشرائية. كما أن انتشار الفساد وعجز الدولة عن السيطرة عليه، جعل عملية الإصلاح أصعب بكثير وجعل الإصلاحات المقررة تتقدم بخطى ثقيلة.

عبد الرؤوف، موظف يبلغ من العمر 29 عامًا، يرى أن ما حدث ويحدث وسيحدث هو نتيجة أنانية الدولة أو ما يعبر عنه في اللغة الفرنسية بـ "السيستام". وأضاف: "أتمنى أن يتم تكرار هذه العمليات "فيما تمنى حمزة أن يكون مكان الملثم كنوع من الانتقام من الفساد المتغلغل في أجهزة الدولة"، فيما يقول محسن سائق تاكسي (55 سنة) "يمكن أن تتأكد الآن أن "حاميها حراميها"، هل من المعقول أن يتورط شرطي في مثل هذه العمليات، كيف لشخص يعطونه مسدسًا من أجل الدفاع عن سيادة الوطن و مقاومة المجرمين وآداء واجبه أن يتحول ذلك السلاح إلى وسيلة للقيام بعمليات سطو".

سطو إرهابي
في اليوم الأول من شهر أغسطس الجاري تمكن أكثر من 11 شخصًا من السطو على بنك وسط مدينة القصرين وسط غرب تونس . القصرين التي تعاني منذ سنوات من تواجد مجموعات إرهابية بجبالها. تبين بعد التحقيقات أن العملية التي تمت بتخطيط و تنفيذ محكمين نفذها أكثر من 11 إرهابيًا. تمكن الإرهابين الأحد عشر من الاستيلاء على سيارة خاصة بعدما احتجزوا سائقها. أربعة منهم أخذوا السيارة و احتجزوا مقر البنك الواقع وسط المدينة فيما اضطلع سبعة منهم بمهمة مراقبة صاحب السيارة. تمكنت المجموعة من إقتحام البنك باستعمال 3 أسلحة من نوع كلاشنكوف. حصل الإرهابيون على ما يقارب 90 ألف دينار حسب بلاغ للبنك ثم عادوا إلى الجبال قبل أن يتركوا السائق و سيارته في سفح الجبل.

تعرف هذه الاستراتيجية لدى الارهابيين بـ"الاحتطاب"، وهي القيام بعمليات نوعية لتوفير الغذاء و الدواء و الأموال لضمان استمراريتها، وتلجأ الجماعات الإرهابية إلى القيام بهذه العمليات بعد تعرضها للحصار المطبق، وهو ما يفسر حدوث العملية بعد توجيه قوات الأمن والجيش التونسيين ضربات موجعة في السنوات الاخيرة للمجموعات المتحصنة بالجبال في ولاية القصرين. يقول الخبير الأمني عصام الدردوري، أن عمليتي السطو الأخيرتين قد شجعتا الإرهابيين على النزول من الجبال وتنفيذ عملية بنك القصرين.

بعد إنتهاء عملية السطو في مسلسل la casa de papel قال البروفيسرور موجها كلامه للمحققة "في سنة 2011 قام البنك الأوروبي بطباعة أكثر من 170 مليار يورو تمامًا مثلما فعلنا نحن. 180 مليار يورو طبعها في سنة 2012، و في 2013 ما يقارب 190 مليار يورو، أين ذهبت هذه الأموال؟.. لقد ذهبت إلى البنوك ، ذهبت مباشرة إلى جيوب الأغنياء، هل اتهم أحد البنك المركزي الأوروبي بالسرقة؟ لا أحد، لقد اعتبروه ضخًا للعملة، أنا أيضًا ليس لي أهداف سوى ضخ العملة في السوق و لكن بطريقة أخرى".

تبقى ظاهرة السطو على البنوك ظاهرة دخيلة على المجتمع و سلبية و يبقى أمل الشباب التونسي في الظفر بحياة كريمة وعمل محترم قائمًا، فيما تظل تطلعات جانب كبير منهم في تحقيق ثروة سريعة متوقفة على الفوز بورقة مراهنة رياضية (بلانات وين) إلى حين تحقيق المنشود، وهو الهجرة.