في صباح العام الثامن للحرب: عن كل تلك الأشياء التي لن ننجو منها

باب شرقي في دمشق (مارس 2010). تصوير: برونو فانبيسيان/فليكر

سياسة

في صباح العام الثامن للحرب: عن كل تلك الأشياء التي لن ننجو منها

عشت طوال السبع سنين الماضية في سوريا ومع ذلك هناك الكثير الكثير بخصوص هذه الحرب مما لا أعرفه ولا أفهمه، أو حتى ما لم أعد أذكره
18.3.18

هناك على يوتيوب فيديو لا يتجاوز الدقيقة لـ فيروز تغني وصلة (غرب هودجها) أو ما أسميها أنا للسهولة (يا ويل حالي) وهي لربما الدقيقة الأحب إلى قلبي من التراث الشامي. هناك مئات النسخ لهذه الوصلة الغنائية والمواويل التي تصاحبها، ولكن هذا الفيديو بالذات هو ما يعنيني خاصة، فالصورة الثابتة المصاحبة للأغنية تبدو وكأنها بوستر حفل قد أحيته فيروز في دمشق حيث كتب بالفرنسية "مهرجان دمشق الدولي 1961." أحب أن أتخيل كيف كانت دمشق لتبدو في ستينيات القرن الماضي. أحب أن أتخيل وجوه أولئك الذين حضروا هذا الحفل فيما أسمع أصوات تصفيقهم في التسجيل. أحب فكرة أنه في فترة معينة من التاريخ كانت دمشق تملك منصة يقصدها فنانون من جنسيات مختلفة.

الفكرة ذاتها تنتابني كلما أعدت حضور حلقة Top Gear التي بثّتها البي بي سي عام 2010 والتي تتضمن مرور الفريق بمدن سورية، يومها وضع جيرمي كلاريكسون دمشق في المرتبة الخامسة بين أروع المدن التي زارها على الإطلاق. ولكن بالعموم فإن هذه الحماسة لصورة دمشق في الماضي هو أمر مبرر بالنسبة لشخص مثلي، فالحرب بدأت قبل أن أتجاوز عامي السابع عشر ما يعني أن أي ذكرى لي عن "ما قبل الحرب" هي ذكريات طفولة تبدو اليوم بعيدة جداً (بدأت الحرب في سوريا في 15 مارس 2011)، ولكنني أذكر مثلاً أنني في عيد ميلادي الثامن عشر لم أطفئ الشموع طوال الليل فقد كان التيار الكهربائي منقطعاً عن المدينة بأكملها (الأمر الذي كنا قد اعتدناه في تلك المرحلة). أحب أن أستخدم حجة "جيل الحرب" كشماعة أعلق عليها فشلي وأخطائي في الآونة الأخيرة. لا أعلم إن كان هذا المبرر كافياً فبالنهاية أنا ما زلت على قيد الحياة، جميع أفراد عائلتي وأصدقائي مازالوا بخير وصحة جيدة بغض النظر عن الخسارات المادية والمعنوية التي اختبروها، وبغض النظر عن الرعب الذي تعايشوا معه طوال سبع سنوات، وبغض النظر عن كوني بحسب قوائم الأمم المتحدة أصنف "نازحة داخلية" وأن نصف عائلتي قد هاجرت من البلاد وأن حلب، المدينة التي نشأت وكبرت فيها، تم تدمير أحيائها كلياً أو جزئياً. ولكنني ممتنة فعلاً لمجموعة الصدف التي جعلتني أصنف اليوم بعد كل هذه السنوات ضمن "الناجين." وغريزة النجاة تقتضي أن أقمع مشاعر الشفقة التي تنتابني تجاه نفسي ومن حولي وأن أحاول، كما فعل كل السوريين الناجين أمثالي، خلق فرصة جديدة لحياة "طبيعية."

يا سواد وجهنا قدام إخوتنا الألمان
كثير من هؤلاء الناجين قد نجحوا بذلك ولابد. وحتى إن كانوا في قارات أخرى وبلدان بعيدة ولكن أخبارهم تصل إلينا –في الداخل- وتنجح في كل مرة بإشعارنا بالفخر. إذاً السوري إنسان "طبيعي" كغيره، ضعه في بيئة صحيحة وسيثمر. ربما هذا ما جعل نصف عائلتي المقيم في ألمانيا الذي ذكرته منذ قليل، شديد الغضب تجاهي عندما أعلمتهم بقراري بالبقاء في سوريا (ولو مؤقتاً فقط) وهو غضب مبرر لا بد أن أسامحهم عليه، منطلق من إحساسهم بالذنب تجاهي أنا التي بقيت –في الداخل- وإحساسهم بالعجز عن مساعدتي. ولكنني في الحقيقة لا أشعر أني بحاجة للمساعدة -على الأقل حالياً. قد يبدو هذا عناد مراهقين أو جحوداً وعدم امتنان أو قلة خبرة بالحياة العملية ولكن هذا هو شعوري حالياً.

إعلان

قبل عام شعرت بالاستياء الشديد بعد أن حضرت فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج المصري (تامر السعيد). أعتقد أني من القلة القليلة التي كرهت الفيلم الذي تبنته المهرجانات ودور السينما العالمية، ولكن إلى جانب كونه بطيئاً ومستهلك الحوارات في بعض اللحظات، فالفيلم يتضمن شخصيتان عراقيتان يفترض أنهما أصدقاء، أحدهما مغترب والآخر ما يزال يقيم في بغداد. في لحظة معينة من الفيلم ستتابع حواراً من النوع الذي أصبح معتاداً كلياً بين أي سوريين اتخذا قراراً مختلفاً بخصوص البقاء أو الهجرة. يبدو أن المغترب –العراقي والسوري على حد سواء- الذي اختبر شكلاً أكثر إنسانية للحياة في دول العالم المتقدم، بات أكثر تألماً لدى تفكيره بشكل حياته السابقة. الفكرة المفهومة كلياً. أما ما أغضبني شخصياً هو أن يقوم الفيلم بقتل شخصية العراقي الذي اختار البقاء -في الداخل- إذاً فالرجل الذي لم يستمع لنصيحة صديقه بالهجرة محكوم عليه بالموت حتماً؟ غضبت وأردت أن أبقى غاضبة من المنطق الذي يحكم علينا بالموت أو بالفشل أو بالبقاء في الخلف، في ذنب الإنسانية لمجرد أننا لم نهاجر نحن أيضاً.

غالباً ما أفكر أن أقسى ما فعلته بنا هذه الحرب، طوال سبع سنوات، هو إيهامنا أننا نملك خياراً، أياً يكن. الحقيقية أننا فقط نتحمل مسؤولية ما لم نختره، أو أسوأ: ما لا نعرفه

قبل أيام كتب أحد أصدقائي منشوراُ على فيسبوك حول سوء الظروف التعليمية في جامعته في دمشق، وعنون المنشور "يا سواد وجهي قدام رفقاتي الألمان" الأمر الذي أضحكني طوال أيام. يبدو أنه هو الآخر يحاول بعناد إقناع أصدقائه اللذين هاجروا إلى ألمانيا بأن بإمكانه أن يحظى بحياة "طبيعية" وتعليم ومهنة حتى إن بقي هنا، وأنه شعر بالإحراج من احتمال الفشل الذي يتربص بأي شاب داخل سوريا اليوم. الجملة تعاودني منذ أن عادت القذائف تمطر دمشق طوال الشهر الماضي، ماذا سأفعل أنا التي ما زلت أقنع عائلتي بعناد أن بوسعي أن أحظى في دمشق بحياة جيدة، في حال استمر الوضع على هذا النحو؟ يا سواد وجهي.

معمول بسفرجل
هذا الصراع لا يخصني وحدي، بل هو صراع جيلي بأكمله. في حديث عن قرارات العام الجديد، أخبرني أحد الأصدقاء أنه هدفه الوحيد هذا العام هو البت بقرار بقاءه أو مغادرته للبلاد. هكذا فقط، قرار بحجم عام. غالباً ما أفكر أن أقسى ما فعلته بنا هذه الحرب، طوال سبع سنوات، هو إيهامنا أننا نملك خياراً، أياً يكن. الحقيقية أننا فقط نتحمل مسؤولية ما لم نختره، أو أسوأ: ما لا نعرفه.

إعلان

نعم، يؤسفني حقاً أنني عشت طوال السبع سنين الماضية في هذا البلد ومع ذلك هناك الكثير الكثير بخصوص هذه الحرب مما لا أعرفه ولا أفهمه، أو حتى ما لم أعد أذكره. أذكر مع ذلك المظاهرة الحقيقية الوحيدة التي شهدتها في بداية العام 2012. كنت في السنة الجامعية الأولى في جامعة حلب. اعتصم بعض طلاب السنوات الأخيرة أمام باب الكلية ورفعوا شعار "بدنا المعتقلين." تأملت صور المعتقلين ولكنني لم أتعرف على أي منهم، الأمر الطبيعي كلياً. ففي الشهور الأولى لي في الجامعة كان ليكون ممتازاً إن عرفت أين تقع قاعة المحاضرات أساساً. دقائق من الهتاف لم تكد أن تبدأ حتى بدأ الجميع بالركض باتجاهات مختلفة. بقيت وحدي في الوسط تماماً دون أن أفهم شيئاً. لم أعلم بمن كان يتوجب علي اللحاق، ولكن دخاناً بدأ ينبعث من مكان قريب واستنتجت أنها قنابل مسيلة للدموع. مع ذلك لم أكن أرغب بالركض، كل ما كنت أفكر فيه حينها هو أن حذائي غير مريح ولا يناسب يوماً كهذا. تراجعت قليلاً وجلست على درج قريب أراقب الجلبة المستمرة والركض المتواصل والدخان المتكاثف. شعرت بالإحراج الشديد من جلوسي ساكنة هكذا ولم أملك أدنى فكرة عما يجري. بقيت جالسة أغالب رغبتي بالضحك من فرط الإحراج إلى أن تفرق الجميع في النهاية واستطعت الوصول إلى الباب الخارجي واستقلال حافلة عائدة على المنزل. أحياناً، بل غالباً ما ينتابني الشعور بأنني كنت أجلس على الدرج ذاك طوال السبع سنوات الماضية. أراقب كل شيء دون أن أفهم. رغم أنه هناك أمام عينيّ مباشرةً.

في بيروت، منذ بضعة أشهر، وبين سبعة أو ثمانية من الأصدقاء اللبنانيين، كنت السورية الوحيدة عندما بدأ الحديث عن الأوضاع في سوريا. "جميع اللبنانيين محللون سياسيون بالفطرة" فكرت، وغصصت بقطعة المعمول بسفرجل التي تناولتها من علبة جلبتها لهم معي من دمشق. شعوري بواجب وطني كان يُملي عليّ قول شيء ما في تلك اللحظات، أي شيء. رفعت صوتي فوق صوت الجميع وبدأت بالإلقاء. لا أملك بالطبع أية فكرة عما قلته حينها. ولكن ما أذكره عن وجوههم الصامتة المحدقة يؤكد ولا بد أن أياً مما قلته لم يكن منطقياً أو مترابطاً. ولكن لا بأس، أنا السورية الوحيدة هنا وأنا الوحيدة بينهم التي رأت الحرب بأم عينها، لذا الكلمة الأخيرة لي فقط. كافأت نفسي بقطعة أخرى من المعمول وابتلعتها بانتصار.

لا أعلم حتى إن كنت أملك أنا نفسي أية قدرة على القيام بشيء، من شهادتي الجامعية التي لم أنلها لافتقادي أدنى حافز تجاه مستقبلي المهني، من الفردوس الأوروبي وفرص الحياة الأفضل، من الذنب الشديد الذي يلاحقنا كـ ناجين تجاه كل الأشياء التي نعرفها ولا نعرفها

أهم شي الصحة
ولكن نوعاً مختلفاً من الإحراج ومن الشعور بالذنب سيحكم قبضته على عنقك كسوري، وهو الذنب تجاه ما تعرفه بالفعل. مؤخراً، وأثناء إعدادي لمقال عن الخسارات المادية التي تعرض لها السوريون خلال الحرب، قابلت فاطمة، امرأة كانت ضمن المحاصرين طوال ثمانية أشهر في حي الحجر الأسود في دمشق منذ ثلاثة أعوام، واللذين واجهوا شحاً في المواد الغذائية وصل إلى درجة المجاعة في الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي شهدت فاطمة خلالها ولادة طفلتها الأولى، قبل أن تنجح نهاية بالهرب من المنطقة. التضور جوعاً كما وصفته فاطمة، "وصل بالنساء إلى درجة انقطاع طمثهن تماماً وبشكل جماعي." ما ذكرته كان غريباً بالنسبة لي إلى درجة حاولت معها البحث في مراجع أو مقالات طبية عن تفسير لهذه الحالة الفيزيولوجية، ولكنني في النهاية استسلمت، أي تفسير علمي يهم حقاً هذه المرأة أمامي التي لم تستطع إكمال المقابلة ولم تشأ العودة إلى أي ذكرى عن تلك الفترة؟ تستريح لبعض الوقت ثم تخبرني أن طفلتها بخير وأنها تكبر الآن بصحة جيدة. "أهم الشي الصحة" هذا كل ما سيخبرك به سوري ربما يكون قد فقد لتوه منزله وممتلكاته وشقاء عمره ولكنه نجا بنفسه وأولاده.

لا أعلم فعلاً إذا ما كان "أهم الشي الصحة،" لا أعلم إن كان يجب على فاطمة كبت ذكرياتها القاسية في مخبأ في مؤخرة وعيها وأن تحمد الله على صحتها وصحة طفلتها وعودة الطمث إلى رحمها. أم إن كان يتوجب عليّ أن أجبرها على نبش كل شيء، وأن أهرع بدوري لأحصل على تمويل من مؤسسة ثقافية تعنى بالسوريين في عاصمة ما، وأصنع فيلماً وثائقياً عن فاطمة وابنتها وزوجها المخطوف حتى اليوم.

الحقيقة أنني لا أعلم حتى إن كنت أملك أنا نفسي أية قدرة على القيام بشيء مماثل فيما أصارع طوال اليوم اكتئاباً يجبرني على التكور في سريري طوال أربعة عشر ساعة (في الأيام الجيدة) لأهرب من هذا الواقع. من شهادتي الجامعية التي لم أنلها لافتقادي أدنى حافز تجاه مستقبلي المهني، من الفردوس الأوروبي وفرص الحياة الأفضل، من الذنب الشديد الذي يلاحقنا كـ ناجين تجاه كل الأشياء التي نعرفها ولا نعرفها. من شعور الأمان الذي يباغتك فجأة في ليل حي (ساروجة) عندما يناولك البائع سندويشة باذنجان مقلي، وهو يضبط الراديو على إذاعة (شام إف أم Sham FM) استعداداً لفقرة فيروزيات المساء.