حريات

"أن تظهر ميولك المثلية في العراق يعني أنك وقعّتَ على موتِك"

تعرض الكثير من المثليين إلى القتل والخطف
1.12.20
العراق

"لم يغادرني الخوف منذ اللحظة الأولى التي اكتشفت بها ميولي الجنسية، حاولت التأقلم مع الوضع الذي أنا فيه، لكن محاولاتي بائت بالفشل، لم أختر حياتي، ولا أسمي، ولا جنسي ولكن يتم لومي على ميولي الجنسية، وكأنني اخترتها. أن تظهر ميولك المثلية في العراق يعني أنك وقعّتَ على موتِك،" يقول عبد الرحمن، 20 عامًا، موظف حكومي يسكن في محافظة البصرة (جنوب العراق).

حالة عبد الرحمن تعبر عن واحدة من الكثير من التحديات التي يواجهها مجتمع الميم في العراق، حيث تعتبر المثلية الجنسية أمرًا مرفوضًا من قبل العائلة والمجتمع، وتعرض الكثير من المثليين إلى القتل والخطف. ولا يوجد قانون يحميهم وعندما يقعون ضحايا لجرائم عدوانية، أو يشتكون إلى رجال الأمن، يشارك رجال الأمن في استغلالهم جنسيًا وهذا ما دفع بكثير منهم بالهروب إلى دول أخرى بحثًا عن بيئة آمنة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية، قتل 680 مثلياً بين 2004 و2009. وهناك حوادث كثيرة تم الكشف عنها خلال السنوات الماضية، في يوليو عام 2017، اختطاف ثم قتل الشاب كرار نوشي من قبل مجهولين، وكان نوشي يدرس في معهد الفنون الجميلة ببغداد وممثل مسرحي، الاهتمام بمظهره ونوع الملابس التي كان يرتديها وقصات شعره، كانت سبب رئيسًا لانهاء حياته بطريقة وحشية. وفي ٢٠١٨، تم قتل الشاب حمودي المطيري الذي كان يلقب نفسه "ملك الانستغرام في العراق" بطريقة وحشية كذلك وبحسب ناشطين فإن قتل المطيري جاء نتيجة الاعتقاد بأن لديه "ميولاً مثلية."

 وفي تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2016، ذكرت فيه أن الميلشيات العراقية نفذت حملات ميدانية من الاعدامات والاختطاف والتعذيب بحق الرجال المشتبه بأن سلوكهم مثلي، ومن لا يتسق مظهرهم مع معايير الذكورية السائدة  حيث "بدأت كتائب الإعدام في استهداف ـ تحديدًا ـ الرجال ممّن رأوهم ناقصي "الرجولة" أو من ارتابوا في ممارستهم للسلوك المثليّ. فأصبحت تفاصيل مظهر الرجل ـ طول شعره أو تفصيلة ملابسه ـ تتحكم في حياته أو موته." كما أشار التقرير إلى أن الحكومة العراقية لم تفعل شيئا لوقف القتل.

إعلان

وقد استمرت عمليات الإعدام بحق المثليين من قبل أفراد تنظيم داعش الإرهابي بعد احتلالهم مدينة الموصل العراقية في يونيو عام 2014، كان التنظيم يستخدم أبشع طرق التعذيب والقتل بالسلاح أو إقامة الحد بالسيف، أو الرمي من المباني والمرتفعات في المدينة. وهذا العام، اعتبر الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر أن انتشار فيروس كورونا مرتبط بزواج المثليين.

الجميع ضدنا، القانون ضدنا، المجتمع ضدنا، والدين ضدنا

حفاظًا على سلامته رفض عبد الرحمن كشف مكان إقامته، لكنه وبحسب حديثه أثناء المقابلة ذكر أنه يسكن في منطقة تسودها الأعراف العشائرية وأن لسلطة القبيلة دور بارز أكثر من سلطة الدولة والقانون ويقول: "لا أشعر بالانتماء إلى البلد التي أعيش فيها، أنا أنتمي إلى المكان الذي يحترم ميولي ورغباتي، حتى لو كان هذا المكان في  أبعد نقطة من الأرض. لا مكان لي هنا، فأهلي منذ معرفتهم بمثليتي هددوني بأنني سأكون في عدّاد الموتى."

ليس عبد الرحمن فقط الذي لا يشعر في الأمان داخل بلاده أو مدينته، جواد، ٢٢ عامًا، طالب في معهد النفط، هو الأخر من ضحايا اضطهاد المجتمع له، تحدث لنا عن موقف مخيف: "كنت استخدم برنامج (Grindr) التطبيق الخاص للتعارف ما بين المثليين، أرسلت صورتي إلى أحد الأشخاص أثناء تعارفنا معنًا، لكن تفاجئت به وهو يهددني بنشر صوري وفضحي، تبين لاحقاً أنه ينتمي إلى واحدة من الميليشيات النشطة ويستخدم البرنامج من أجل استدراج الشباب من أجل ممارسة الجنس أو ابتزازهم ماليًا مقابل عدم فضحهم. هذا الخوف هو ما نعيشه له بشكل يومي." يشير جواد إلى أن أهله لا يعرفون بمثليته وهم يعتبرون المثلية جريمة لا تغتفر ووصمة عار: "في حال اكتشفوا أنني مثلي سيكون مصيري مثل غيري أما الموت أو الهروب."

العيش في بلد يجرم المثلية الجنسية يعني العيش في رعب من القادم طوال الوقت. شهد، 32 عامًا، مثلية الجنس تتحدث لـ VICE عربية عن معاناتها: "قبل خمسة أعوام، إكتشفت أمي أنني مثلية وأخبرت كل من حولها بأنني أمارس الجنس مع صديقتي، وتبرأ أهلي مني. أحاول الآن إيجاد القليل من السعادة في علاقتي مع من أُحب وأتمنى أن يأتي يوم ويدرك الجميع أن المثلية والحب ليست جريمة."

وسن، 28 عامًا، خريجة جامعية، تتحدث عن ما تعرضت له من عنف من قبل أهلها بعد معرفتهم بميولها الجنسية: "تم حبسي في غرفة بلا هاتف أو تلفاز لمدة 5 أيام، في هذه الأيام كنت اسمعهم يتحدثون عن نيتهم لقتلي ويتبادلون الحديث في اختيار من سيقوم بقتلي، تعرضت لأسوأ معاملة رأيتها في تلك الفكرة من تعذيب وضرب متواصل،" تضيف وسن: "فقدت وعيي بسبب الضرب واستيقظت في المستشفى. سمح لي أهلي بالعودة إلى البيت بعد أن وعدتهم بأنني قد "تغيرت." منذ ذلك اليوم وأنا أعيش بخوف مستمر. للأسف، الجميع ضدنا، القانون ضدنا، المجتمع ضدنا، والدين ضدنا." 

إعلان

أمير عاشور وهو مؤسس منظمة IraQueer في بغداد "يقول أن من أبرز التحديات التي يواجهها مجتمع الميم في العراق هو العنف المستمر ضدهم ويضيف:"لم تتوقف عمليات استهداف المثليين. فقط في عام 2017 قُتل أكثر من 200 شخص على أيدِ الحكومة والجماعات المسلحة والأهل. أن ما يجري بحق المثليين في البلاد هي جرائم مروعة، ويجب على الحكومة إيقافها وأن تتخذ خطوات ملموسة على الأرض لضمان حرية أي شخص بغض النظر عن دينه، جنسه، عرقه، أو ميوله الجنسية."

يشير أمير أن المنظمة ساعدت عدد من المثليين على مغادرة العراق بحثًا عن بيئة آمنة للعيش وتزويدهم بالوثائق القانونية التي تدعم قضاياهم في اللجوء الإنساني وأيضًا ربطهم مع محامين لمتابعة ملفاتهم الخاصة في البلدان المضيفة. ويضيف: " نحن في منظمة IraQueer مستعدون للعمل مع الحكومة العراقية من أجل النهوض بواقع حقوق الإنسان في العراق، ولكن لا يوجد أي اهتمام حقيقي بذلك."

دائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء لا تقبل تسجيل أي منظمة تعنى بالدفاع عن المثليين في العراق، وتعتبره مناقض للقوانين العامة للبلاد ويتعارض مع أخلاقيات وتقاليد المجتمع، ما يشكل ذلك تحديًا وعائقًا أمام المنظمات غير الحكومية في الدفاع عن المثليين. يقول زيار علي، وهو مسؤول الإعلام في مؤسسة راسان، منظمة غير حكومية مقرها محافظة السليمانية تأسست عام 2004، "أن المنظمات التي تدافع عن حقوق المثليين يُمنع تسجيلها رسميًا في العراق على الرغم من عدم وجود مادة دستورية تمنع تسجيل أو اعتماد تلك المنظمات. وهناك عدد من المنظمات تسجل على أنها تعني بحقوق المرأة أو الطفل فقط من أجل الحصول على رخصة التسجيل الحكومي، ولكن عملها يتركز على دعم المثليين وتوفير الحماية المطلوبة لهم."

ويضيف: "عندما نستلم طلب من أي شخص يفيد بأنه في خطر، نتحرك بسرعة لإيجاد ملاذ آمن له ونقدم له النصائح لكيفية حماية نفسه. النصيحة الأولى هي المحافظة على إبقاء هويتهم مجهولة في بلد أن يقتل فيه المثلي فقط لأنه أحب شخصًا من نفس جنسه."

عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان د. علي البياتي يشير إلى أن القوانين العراقية لا يزال فيها خلل بما يخص التعامل مع المثليين والذين يتم قتلهم تحت حجة "جريمة غسل العار" ويقول: "ما يسمى بجرائم غسل العار هي حقًا جريمة ومخالفة صريحة لبنود الدستور العراقي التي تلزم الدولة بحماية الجميع ومنع اي تجاوز أو عنف ضده أي إنسان." لا يجرم قانون العقوبات العراقي بشكل مباشر العلاقات بين الأشخاص من نفس الجنس، ولكن المادة 394 تجرّم العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج وذلك قد يشمل العلاقات بين الأفراد من نفس الجنس.

"لا أحد في العراق لديه حقوق، فكيف بنا ونحن ننتمي إلى مجتمع صغير جدًا (مجتمع الميم) وليس لدينا من يمثلنا في السلطة، الجميع ضدنا، بدءا من المنزل وانتهاء بالقانون. لقد ولدنا في زمن الحروب وكبرنا على انتهاكات وظلم السلطة. لقد شاركت في جميع التظاهرات العراقية، من أجل تحقيق مطالب الثورة وحقوقنا الأساسية كمواطنين عراقيين، ولكن نتمنى أيضًا الحصول على حقوقنا كمثليين. للأسف أنا أقول أتمنى وكأنها أحلام بينما هي حقوق حُرمنا منها،" ينهي جواد بالقول.