جدل

بعد تصريحات الدكتورة آمنة نصير -تساؤلات عن زواج المسلمة من غير المسلم

هل يمكن لتغيير السياق أن يغير سياق تفسير النص وفهمه؟
23.11.20
ramiz-dedakovic-JblB_mUKMFA-unsplash

"لا يوجد نص قاطع يمنع زواج المسلمة من غير المسلم،" هذه كانت كلمات الدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، التي تسببت بعاصفة من النقاشات حول زواج المسلمات من غير المسلمين وهم في هذا السياق- المسيحيين واليهود، الذين وصفتهم الدكتورة آمنة بأنهم "أهل الكتاب، والقرآن إللي سماهم كده، يعني مهماش عباد أصنام يعني مهماش منكرين لله سبحانه وتعالى لكن لهم ديانة أخرى تختلف عننا."

إعلان

الدكتورة نصير، اعتبرت أن عدم وجود أي نص قرآني يحرم زواج المسلمة من غير المسلم، يعني أنه لا يوجد مشكلة فى زواج المسلمة من غير المسلم، "إذا طبق غير المسلم مع زوجته المسلمة، ما يطبقه المسلم مع زوجته المسيحية أو اليهودية، حيث لا يكرهها على تغيير دينها أو منعها من مسجدها، ولا يحرمها من قرآنها أو صلاتها."

على الرغم من منصب الدكتورة آمنة الديني والعلمي، وأنها تحدثت بناءً على علم، لكن ذلك لم يشفع لها، وتم مهاجمتها، وتحدث البعض أنها تراجعت عن رأيها في النهاية. لا يمكنني أن ألوم الدكتورة نصير (حاولت التواصل معها بدون نتيجة) على رأيها واجتهادها حتى لو أثار جدلًا، فهي ألقت بحجر في بِركة راكدة، قلما اقترب منها أحد، ولا يمكنني أيضاً أن ألومها على تراجعها، حال حدث ذلك فعلًا.

مازالت مسألة زواج المسلمة من غير المسلم تثير الكثير من الخلاف، وهناك شبه إجماع فقهي على عدم جواز الزواج بين الأديان الإبراهيمية في رؤية الإسلام. وكان شيخ الأزهر أحمد الطيب أوضح  في السابق أن زواج المسلم من غير مسلمة لن يجعله يتدخل في دينها أو يؤثر عليها، لكن لو عُكس الأمر وصارت المسلمة متزوجة من غير مسلم، سيعرض هذا الأمر المسلمة ودينها وعقيدتها لمخاطر.

طبعاً، الرجل يربح في هذه الجولة كذلك، كونه لا يتأثر بتبعات هذا الحكم الفقهي، وعلى اعتباره لا يتأثر -كائن ثابت لا يتغير- فيما أن المرأة قد تتأثر لدرجة تجعلها تغير دينها لأجله. التحدي في هذا الموضوع ومواضيع دينية أخرى شائكة جدًا، أن معظم الآراء تدور في فلك الرأي القطعي والرأي الظني، والسياق الحالي والسياق التاريخي. وهل النص الذي نقرأه يرتبط بمرحلة تاريخية ما، أم أنه نص مستمر في تأثيره على حياة المسلمين. كل هذه المساحات الصعبة تحتاج لعلماء متمكنين يستطيعون قراءة الواقع وفهمه من أجل تحقيق أحد أهداف الأديان عمومًا، الحياة الكريمة للإنسان. 

ولكن أزمة العقل في منطقتنا العربية تدور حول عدم الاقتراب من الدين بأي شكل، وكأن الاقتراب منه بالتفكير والاجتهاد كفر وإلحاد، رغم أن القرآن يمتلئ بكلمات مثل يتفكرون، يعقلون، يفقهون. وبمجرد أن يحاول أحد العلماء المجتهدين أن يقول رأيـًا مختلفـًا -وهذا ما حاولت الدكتورة نصير القيام به- يبدو الأمر وكأن هذا العالِم قرر الاصطدام بحائط خرساني من بقية العلماء أو المجتمع نفسه الذي صار منغلقـًا لا يقبل أي صوت مختلف، خاصة لو كان يعتمد على العقل. والرد الأسهل هو دائمًا "أنت ح تفتي" على الرغم من أن الفتوى قد تكون صادرة من شخص عالم مختص.

ما تحدثت به الدكتورة نصير قَسم الآراء، بين من رأى أن ما فعلته مؤامرة على الإسلام كالعادة، وهناك من اعتبره أداة لإلهاء الناس عن مواضيع أكثر أهمية في المجتمع. تفسيرات المؤامرة والإلهاء في ظني ليست سوى مبررات للبقاء في مكان الضحية وعدم القدرة على الفعل. فالاتباع والسير وراء شيخ ما، دون إعمال العقل سمة غالبة في منطقتنا العربية، فإذا قال أحدهم شيئـًا في الدين صارت كلمات الشيخ سيفـًا تُقطع به رقاب المخالفين، فيُكفَر المختلف، ويُنبَذ المجتهد. وهذه صفة أصيلة في الجماعات عندما تنفعل وتشعر بالغيرة على دين أو وطن أو عِرض، فينتفي العقل تمامًا في لحظات الهياج. 

عند البحث في النصوص والروايات الدينية المختلفة سنجد أن زواج المسلم من غير مسلمة ليس مطلقـًا، فخليفة المسلمين عمر بن الخطاب لم يكن من مؤيدي زواج الرجل المسلم من أهل الكتاب

ومع كل الجدل الذي يسببه هذا النقاش، أظنها فرصة مهمة لطرح بعض التساؤلات حول المنع وأسبابه والسياق الذي وُجد فيه. فلماذا تُمنع المسلمة من الزواج من غير المسلم فيما يُسمح للرجل المسلم بالزواج من نساء من أديان وأطياف أخرى؟ أعلم جيدًا أنني قد أواجه هجومًا لأنني أحاول تفسير وفهم قضية محسومة عند بعض الناس، وكأن السؤال أصلًا إلحاد، أو أن محاولة إيجاد منطق وراء الأشياء زندقة، مع أن الأمر يتعلق في شؤون الدين ونزول آيات على النبي بواقعة أو حدث، وبالتالي هناك منطق. لكن بعض الأفراد ملكيون أكثر من الملك، ويضعون أنفسهم في منصة الحاكم والقاضي والفقيه والجلاد، فتكون النتيجة هذا اللغط الذي لا يصنع في عقولنا سوى الفوضى والتيه.

هناك معضلة أولى في التعامل مع رأي الدكتور أحمد الطيب فيما يخص تعريض المرأة ودينها للخطر، فهذا أولًا ينفي عنها قدرتها على الحكم والإرادة الكاملة في اتخاذ القرار. أن يتم وضع المرأة في إطار محدد وتمييزي وغير صحيح، هو التحدي الأكبر في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، فالرجل يقرر كل شيء حوله، لنفسه ولغيره، والمرأة ليست سوى جزء من بين هذه الأشياء. قد يقول أحدهم، ومن قال أن هذا قرار الرجل؟ هذا نص ديني واضح لا شك فيه، وهنا يُطرح السؤال: هل هذا النص الديني له تفسير واحد قطعي؟ وكيف تأكدنا أن زواج المسلم من غير المسلمة مقبول والعكس لا؟

إعلان

في الواقع، عند البحث في النصوص والروايات الدينية المختلفة سنجد أن زواج المسلم من غير مسلمة ليس مطلقـًا وعليه إجماع بين الفقهاء والصحابة، فخليفة المسلمين عمر بن الخطاب لم يكن من مؤيدي زواج الرجل المسلم من أهل الكتاب، وكان مرجعه في ذلك، خوفه أن يتم هجر النساء من المسلمات، وهذا وارد بوضوح شديد في تفسير ابن كثير. وتقول الرواية "تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن." وفي رواية أخرى عن ابن عمر رواها عنه البخاري، أنه كان إذا سُئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين- يعني قوله تعالى: {لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} سورة البقرة:221- ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول: ربُّها عيسى. وهو عبد من عباد الله."

إذن حتى زواج المسلم من غير مسلمة لم يكن محبباً، وإن لم يكن محرماً بنص قرآني واضح. وهذا الأمر ينطبق على زواج المرأة المسلمة بغير المسلم.

القضية الأخرى التي تتعلق إنه بزواج المسلمة من غير المسلم، هو أن الأطفال سينتسبون للزوج، ولهذا كان رأي الفقهاء هو رفض زواج المسلمة من غير المسلم على اعتبار أن الأولاد هنا معرضون للتأثر بدين الأب، أو سيتم إجبارهم على أن يتحولوا لدينه، مما يضع الأولاد في "خطر الدخول" في دين آخر غير الإسلام.

القضية هنا، أن هذا السبب وإن افترضنا ضرورته دينياً، هو مبني تماماَ على الإحتمالات، مجرد احتمالات، فمن قال إن الأب سيجعل الأبناء على دينه هو فقط؟ فقد يكون الأب نفسه غير معني بذلك أو غير متدين. ويمكن أيضاً أن يكون هناك اتفاق بين الزوجين على الجمع بين دين الزوج ودين الزوجة.

إعلان

وفي قضية الاحتمالات كذلك، من قال أن الأم المسلمة هي بالضرورة متدينة؟ ألا يمكن أن تكون مسلمة مثل كثيرين وُلدوا فوجدوا أنفسهم مسلمين يمارسون أركان الإسلام دون وعي أو فهم؟ كيف يمكن أن يحل الفقهاء معضلة خاصة جدًا كهذه داخل بيوت كثيرة؟ وماذا لو صار الأطفال مسلمين على دين أمهاتهم، وارتضى الأب عدم دخولهم المسيحية أو اليهودية، ثم قرر الأولاد أن يذهبوا للمسيحية بعد المراهقة مثلًا؟ وماذا لو قرر الأبناء التحويل لدين آخر مختلف تمامًا وصاروا يؤمنون بالسينتولوجيا مثلًا؟

تساؤل آخر مهم، يتعلق بالمدة والسياق، متى نزل النص الخاص بعدم زواج المسلمة من غير المسلم؟ في أي سياق؟ وماذا كان حال المسلمين وقتها؟ وماذا حدث بعد نزول القرآن واكتمال الرسالة النبوية؟ هل يمكن لتغيير السياق أن يغير سياق تفسير النص وفهمه؟ المفكر الراحل "المتهم بالإلحاد" نصر حامد أبوزيد يرى وجود نمطين من التفكير في مجتمعاتنا أحدهما هو نمط الثبات الذي يكره التطور ويتشبث بالماضي، مما يزيف الحاضر ويسد أي طريق للمستقبل. هذا التيار الثباتي، يستخدم التراث الإسلامي، بل والإسلام نفسه استخدامـًا نفعيـًا ذا طابع سياسي براجماتي بالدرجة الأولى." 

المعضلة الكبرى في موضوع الزواج بين الأديان ليست بالنصوص، لأن النصوص وإن كانت مقدسة، فالاختلاف والاجتهاد فيها أمر واقع وضروري

وإذا خرجنا من دائرة الزواج من غير المسلمين، ماذا عن الزواج بين المسلمين والمسلمات من المذاهب المختلفة، هل يمكن للمسلمة من السنة أن تتزوج من مسلم شيعي أو درزي؟ يقول الإمام ابن حزم "أي مسلم ما لم يكن زانياً فله الحق في أن يتزوج أية مسلمة ما لم تكن زانية، وأهل الإسلام كلهم أخوة." هذا يعني أن الشيعة والسنة في السياق الاجتماعي والمتناحر عبر التاريخ الإسلامي يمكنهم الزواج بشكل طبيعي.

كثير من المسلمين يرون في نموذج الدولة التونسية خروجًا عن الدين عندما سمح بتكريس المساواة في الميراث بين المرأة والرجل، والسماح للمرأة المسلمة أن تتزوج من غير المسلم. لماذا تبنت تونس هذا النموذج؟ الإجابة تتعلق بسياق تاريخي ودستوري ممتد لعقود، وليس تغيير لحظي حدث في الدولة والثقافة التونسية، فالدستور التونسي ينص على المساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي فهذا يعني أن من حق أي امرأة تونسية الزواج من أي شخص تختاره، سواء كان مؤمنًا بدينها أو أي دين آخر. 

الدستور في تونس أصبح أعلى وثيقة ديمقراطية، وتُرك الدين للممارسات الشخصية وليس موضوعـًا في إطار الشأن العام. وهذا يختلف تمامـًا مع دول عربية أخرى حيث الشريعة الإسلامية هي مصدر تشريعي في القوانين، وبالتالي الحديث عن تغيير القوانين والسماح للمسلمات أن تتزوجن من رجال غير مسلمين، يعتبر تحدٍ كبير، يمكن التحايل عليه في الخفاء، لكن ليس سهلًا أن يصبح أمرًا مستساغـًا في المجتمع أو من قبل المؤسسات الدينية التي تتمسك بسيطرتها المادية والمعنوية على التابعين لها.

الزواج والعلاقات الإنسانية بمختلف أنواعها يجب أن تكون تمثيلاً للاختيار الحر، وكما جاء في المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن "للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين. ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله."

في ظني أن المعضلة الكبرى في موضوع الزواج بين الأديان، ليست النصوص، لأن النصوص وإن كانت مقدسة، فالاختلاف والاجتهاد فيها أمر واقع وضروري، لكن المعضلة تكمن في مدى تقبلنا للتغيير وتحقيق التنوع، واحترام اختيارات الآخرين دون تدخل في قراراتهم الشخصية. الزواج أمر شخصي جدًا، لكنه للأسف في مجتمعاتنا، شأن عام، ومادة خصبة للحكم على مدى انضباطنا وخضوعنا للعادات والتقاليد دون اعتماد على التطور الإنساني وتغير الثقافة. كذلك، فكل دين يرى نفسه الأفضل، وبالتالي فزواج الأفراد، وتحديدًا النساء، من رجال يؤمنون بدين آخر، ليس سوى وسيلة نسيطر بها على حرية النساء، والتباهي بأفضلية دين وفوقيته، حتى لو يكن الدين يدعو لهذه الفوقية، إذًا فالمشكلة داخل العقول التي تفسر الدين.