مقال رأي

صحافيون أم أوصياء على الأخلاق والدين؟

يَدعون أنهم يبحثون عن الحقيقة وهم أول من يضيع هذه الحقيقة، ويتحولون من وسيلة لإيصال صوت الناس لحكام عليهم
30.3.21
صحافة

بثت قناة الحدث التابعة لقناة العربية الأسبوع الماضي تقريراً مدته خمس دقائق من قلب مخيم الهول، الواقع شمال سوريا والذي يضم المئات من نساء وأطفال مقاتلي تنظيم داعش. التقرير "الحصري" كان من المفترض أن يوضح صورة الوضع المأساوي في المخيم، لكنه تحول لمشاهد لموفدة القناة تتجول في المخيم وتلاحق الأطفال والنساء بالكاميرا لتسألهم "هل تذهبون إلى المدرسة؟ هل تتعلمون القرآن؟ لماذا أنا كافرة؟ ماذا ستفعل بي عندما تكبر؟" وغيرها من الأسئلة التي استمرت فيها المذيعة حتى وإن لم تحصل على أي إجابات.

إعلان

ورغم أن التقرير لم يحصل على أي إجابات وافية أو مفيدة لهذه الأسئلة، قامت القناة بعرضه تحت عنوان "أطفال داعش يستقبلون موفدة الحدث في مخيم الهول ب أنت كافرة.. وسنتقتلك.. ويودعونها بالحجارة." العنوان لا يخبر أي شيء عن الأطفال داخل المخيم، لكنه يتحدث عمّا حدث للمراسلة وهي هناك، وأنها اعتبرت كافرة.

التقرير المذكور جاء كجزء من سلسلة (وجهاً لوجه) والتي تقدمها رولا الخطيب منذ عامين بهدف تسليط الضوء على نساء وأطفال مقاتلي داعش بعد هزيمة التنظيم، على حد قولها. في حلقة من حلقات السلسلة التي عرضت في العام 2018، تعرض المذيعة وهي تقوم بنفس النقاش بنفس الطريقة مع نساء داعش في المخيم نفسه. ومجدداً تم نشر التقرير وعنونته قناة الحدث على قناتها على يوتيوب بـ" شاهد بماذا وصفت إحدى الداعشيات موفدة الحدث" ويظهر الخطيب وهي تناقش نساء داعش بخصوص فرضية الحجاب وبخصوص قرارها الشخصي بعدم ارتداءه.

القناة قامت بجهد جهيد حتى وصلت إلى مكان يصعب الوصول إليه (نظرياً) لتحضير هذه التقرير، ولكن الأهم من الوصول إلى المخيم هو الحصول على معلومات جديدة ومقابلات وافية، وهذا ما لم يحدث. لكن القناة على الرغم من أنها لم تحصل على تقرير يستحق المشاهدة ويقدم أي حقائق عن واقع هؤلاء اللاجئين، قررت أن تنشر تقريراً عن المراسلة وليس عن الأشخاص الذي من المفترض أنها ذهبت لتخبر قصتهم.

ما القيمة المضافة للمشاهد بأن يرى أطفال أو نساء يصفن امرأة غير محجبة بأنها كافرة أو عاصية؟ ما الفائدة من ملاحقة أطفال والحكم عليهم من قبل صحفية. هل يحتاج المشاهد العربي هذه المقابلة فعلاً ليعرف أن التنظيم الذي نفذ العشرات من الاعتداءات الإرهابية في شتى الأصقاع تنظيم متطرف؟

في دليلها الإعلامي الذي يتعلق بإجراء المقابلات مع الأطفال، تقول يونيسف أنه "ينبغي احترام كرامة الأطفال في كل الظروف" وأنه ينبغي للقائم بالحوار الصحفي أن يولي اهتمام خاص بالأطفال الذين لديهم إحتمالية التعرض "للأذى أو العقاب." والأهم من هذا، أنه يجب على الصحفي أن يستشير أحد القريبين من الطفل بخصوص العواقب "السياسية والاجتماعية والثقافية" التي قد يتعرض لها الطفل. العواقب الاجتماعية وقعت فعلاً حينما واجه هؤلاء الأطفال هجوماً كبيراً من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بسبب عباراتهم المتشددة.

 شارك الكثير من رواد مواقع التواصل هذا الفيديو، ما بين محتفٍ بشجاعة رولا، وما بين آسف على أخلاقيات المهنة. ومن بين النوع الأول من متلقي التقرير، بارك عمرو أديب عمل رولا ووصفه بالعمل "الاستقصائي الممتاز" دون الحديث عن المحاكمة الأخلاقية التي قامت بها الخطيب لهؤلاء للأطفال، لكن أديب نفسه قام بهذا النوع من اللقاءات التي تعمل على محاسبة الضيف أخلاقياً ودينياً حين حاكم الممثلة رانيا يوسف أخلاقياً كـ "الأخت الصغيرة" أمام الملايين في برنامجه (الحكاية) الذي يعرض على شاشة إم بي سي مصر على فستان ارتدته في مهرجان الجونة بكامل إرادتها الشخصية، حتى اعتذرت بخوف وانكسار واضح للمجتمع المصري وقيمه.

الحقيقة أن هذا النوع من "الصحافة" التي يحاكم فيها المذيع ضيفه أخلاقياً ودينياً بدأ ينتشر بشدة في الفترة الأخيرة. الكثير من الفيديوهات لمقابلات تلفزيونية من هذا القبيل لمذيعين مشهورين ومغمورين بدأت تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لتتركنا أمام سؤال مهم، هل مهمة الصحفي أن يقوم بدور المسطرة الأخلاقية والدينية لضيوفه، أو حتى للمجتمع؟ أم أن هدفه أن يجري حوارات هادفة تعود بالفائدة، أو حتى بالتسلية على المشاهد؟ هذا النوع من "الصحافة الاستعراضية الفارغة" تقوم على فرد المقدم أو المذيع عضلاته الأخلاقية والدينية عن طريق استضافة شخص ملحد أو مثلي الجنس مثلاً، فيبدأ بالتحقيق مع الضيف واهانته، دون أي هدف مرجو من اللقاء إلا إظهار المقدم طهارته الأخلاقية، ونصبح أمام جدال عقيم ينتهي أحياناً بطرد الضيف من الحلقة. ولكن على الرغم من أن طرد الضيف من الحلقة يعني رسمياً فشلها، يتم عرض على الهواء وتبقى على القنوات الرسمية على موقع يوتيوب ويتم الاحتفاء بالانتصار الفارغ على الضحية.

مهمة الإعلامي تتخطى مهمة نقل الخبر إلى مهمة أسمى وأعمق، ألا وهي نقل الحقيقة كاملة للجمهور بكل شفافية

إعلان

مقابلة أخرى تقوم على المحاكمة الأخلاقية خرجت من الأردن قام بها المقدم محمد راكان القداح على منصة إعلامية تدعى الأردن AJo plus. المقدم اختار أن يجري مقابلة مع شاب متهم بقتل والدته في العاصمة الأردنية عمان مطلع الشهر الجاري، وتحدثت تقارير محلية أن الجاني كان تحت تأثير المخدرات عندما قام بالجريمة.

المقابلة التي صورت في السجن مع موسيقى حزينة في الخلفية، كانت تهدف لأن تحيي يوم الأم عن طريق سؤال المتهم -الذي لم يتوقف عن البكاء خلال المقابلة- عن شعوره وهو يقوم بقتل والدته، وعن الكلمات الأخيرة التي قالتها الأم قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. ولزيادة جرعة الدراما، طلب راكان من ضيفه أن يوجه كلامه للكاميرا، لأنه لا يستطيع إكمال المقابلة، ليقوم المتهم بدوره بإعطاء النصائح للمشاهدين بعدم تعاطي المخدرات التي قادته إلى قتل والدته.

  المقابلة لاقت ردود فعل غاضبة من الكثير من الصحفيين والحقوقيين في الأردن، فقد قام راكان بانتهاكات مِهنيّة تتعلق بعدم الالتزام بالقواعد الأخلاقية ومواثيق الشرف الصحيفة، حيث أجرى مقابلة صحفيّة مُصوّرة مع متّهم لم تنته محاكمته بعد، مما يعني أنه قرر الحكم عليه وبالتالي التأثير على سير العدالة، واستغلاله للحصول على المشاهدات.

خالفت المقابلة بكل وضوح البند الثاني من المادة رقم 8 من الدستور الأردني والتي تنص على أن "من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز تعذيبه، بأي شكل من الأشكال، أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين، وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يعتد به." بالإضافة إلى مخالفة المادة 101 من نفس الدستور عن طريق استباق القضاء ومحاكمة المتهم "بريء حتى تثبت إدانته."  

ولا ننسى طبعاً، قائدة هذا النوع من المحاكمات وهي ريهام سعيد التي ذهبت مع عناصر من الشرطة شقة قالت أنها شقة دعارة، لتسأل البنات الموجودين هناك "بتعملي ايه هنا الساعه 11 ونص؟ بتعملي ايه والمكان في خمرة؟" وفي العام 2016 نشرت المذيعة نفسها صوراً خاصة لفتاة قالت أنها تعرضت للتحرش الجنسي والضرب في أحد المراكز التجارية، لتقول أن في حاجة غلط" بمعنى أن الفتاة التي تتصور مع زجاجة كحول وبملابس سباحة ليس بالضرورة أن تكون صادقة عندما تقدم بلاغاً ضد شخص متحرش. في ذلك الوقت، انطلقت حملة على موقع فيسبوك وتويتر بقيادة الإعلامي باسم يوسف تنادي الشركات الراعية "لبرنامج صبايا الخير" بالتوقف عن رعايته بسبب الدمار الذي لحق حياة الفتاة بعد نشر صورها، حتى حدث ذلك فعلاً.

ما فعلته رولا مع أطفال ونساء المخيم وما قام به محمد راكان مع متهم بالقتل، لا يختلف بأي شيء عن ما قامت به ريهام، جميعهم يَدعون أنهم يبحثون عن الحقيقة وهم في الواقع أول من يضيع هذه الحقيقة، ويتحولون من وسيلة لإيصال صوت الناس لحكام عليهم، ويصبح الصحفي هو القصة، وليس العكس.

هذه ليست صحافة من قريب أو بعيد، بل هو عكس كل ما تأسست عليه الصحافة مما يجعلها تستحق لقب السلطة الرابعة. في دليلها للمهارات الإعلامية وأخلاقيات صحافة الطفل، تقول يونيسف أن مهمة الإعلامي تتخطى مهمة نقل الخبر إلى مهمة أسمى وأعمق، ألا وهي نقل الحقيقة كاملة للجمهور بكل شفافية بدون تعصب أو مراوغة أو "تمييع" ذلك لأن الصحافة تستمد قوتها من الرأي العام الذي تمثل صوته واحتياجاته.

القصص الصحافية الناجحة تتطلب قدراً كبيراً من الالتزام والدقة والأخلاقيات، وليس الاعتماد على الفضائح والأحكام الجاهزة. يتوجب على الصحافة أن تلتزم بدورها في نشر الحقيقة دون أي امتهان لكرامة الأشخاص والضحايا، ودون محاكمتهم أخلاقياً أو دينياً.