مقال رأي

المرقعة اللغوية.. كيف أفسدت الصوابية السياسية قاموسنا اليومي؟

الاكتفاء بالمعارك البسيطة الخائبة لاستخدام لفظة على أخرى مع بقاء الميراث العنصري الإقصائي على حاله هي مجرد مرقعة فارغة
28.12.20
okwaeze-otusi-OSuRD72Pgwk-unsplash copy

هل شعرت أن الصوابية السياسية تأخذ منحى خطيرًا مع القواعد الجديدة التي أعلنتها لجنة الأوسكار لترشيح الأفلام في فئة "أفضل فيلم

إعلان

لا شك أنك انتبهت للمندبة الجماعية على السوشيال ميديا عالميًّا انتقادًا لتلك القرارات، التي ستحارب التمييز والعنصرية بتمييز وعنصرية مضادين. فبدلاً من اختيار فريق عمل اعتمادًا على كفاءة الأفراد ١٠٠٪ ستكون هناك قواعد لتمثيل الأقليات "بالعافية." وهناك أيضًا قاعدة أخرى تقضي بوجود تمثيل النساء والأقليات ضمن سيناريو الفيلم، بهذا المنطق لن يكون فيلم مثل 12 Angry Men و Shawshank Redemption مؤهلين للترشح. إنه عالم جديد كما نرى.

هذه القرارات العجيبة تأتي بعد سنوات من امتداد الصوابية السياسية في حياتنا اليومية، وسيطرتها على تفكيرنا، وطريقة تعبيرنا عن أنفسنا، الأمر الذي كان جيدًا في نواحٍ كثيرة، ومبالغاً في التبسيط في نواحٍ أخرى. لا مشكلة لدي مع الصوابية السياسية في المطلق، فهي سياسات وطرق تعبير لبقة تراعي البشر على اختلافهم، وتتجنب الإساءة إليهم والتقليل منهم، خصوصًا الأقليات التي عانت طويلاً من نظرة المجتمع السلبية. الصوابية السياسية نجدة حقيقية لأفراد يعيشون وسط ثقافات شديدة التعصب، تأكل التعصب وتشربه وترضعه لأبنائها، وتميّز بين الناس على أساس الجنس والدين والعرق والميل الجنسي، وحتى المظهر والحالة الصحية. لقد حان الوقت (تأخر كثيراً في الواقع) كي نتوقف عن وصف المرأة الشهمة بأنها "بـ١٠٠ راجل" باعتبار الرجولة معيار الشهامة، أو نسخر من رجل يبكي مثلاً بأنه "زي النسوان" وطبعاً هناك الكثير من الأمثلة الأخرى.

لكن.. هناك وجه آخر للصوابية السياسية انعكس على قاموس مفرداتنا اليومي، رصدته لسنوات منذ بدأت أعمل في التدقيق اللغوي والتحرير الصحفي ثم كصحفية، وهي مهن فرضت عليَّ مراقبة كيف يتكلم الناس ويعبرون عن أنفسهم. لقد وجدت أن المراعاة اللغوية التي تتعامل بمفردات محايدة تبدو بريئة، تتحول أحيانًا إلى توجه مفعم بـ"المرقعة" والتركيز على اللغة والألفاظ دون النظر إلى ما ورائهما، أو معالجته.

في أحد نقاشات العمل اتفقنا على استخدام وصف "أسود" عند الحديث عن مقتل جورح فلويد على أيدي الشرطة الأمريكية لكن تصدى لنا آخرون واعتبروا أن وصف أسود عنصري أيضًا، وأن الأفضل هو استخدام "أسمر." اعتبرت عندها أن أسمر هو وصف مائع بلا معنى، وتساءلت لماذا نعتبر الأبيض وصف غير عنصري والأسود عنصري. كلها مجرد ألوان، لا تعني شيئاَ سلبياً إلا إن كنت أنت كمتحدث تقصد التقليل من الشخص الذي أمامك. في النهاية، استقر النقاش على استخدام مفردة "إفريقي أمريكي" ماشي، أوكي.. لكن ماذا لو كنا نَصف إفريقيًّا غير أمريكي؟ وماذا لو كان أسود البشرة ولكنه غير إفريقي، من أمريكا اللاتينية مثلاً؟ أين المنطق في ذلك؟

هذا ما أسميه المرقعة اللغوية؟ لأن الكل يركز على اللفظ دون أن يعالج دلالته في أذهاننا. الناس ستظل عنصرية ضد السود، لأنهم لم يتعلموا أن التمييز على أساس العرق أو اللون هو عنصرية وعار وانعدام إنسانية.

بعيدًا عن شجارات العمل والأصدقاء اللغويين والصحفيين، أصطدم بتلك المرقعة اللغوية في الحياة اليومية العادية، فمنذ سنوات أصبح من غير المقبول استخدام كلمة "بوّاب" التي يصححها لك البعض باحتقار "حارس عقار"؟ و"دادة" التي أصبحت "بيبي سيتر" و"العاملة المنزلية/مدبرة المنزل" التي صارت "الست اللي بتساعدنا في البيت"؟ هذا كله تمام، وأنا لست ضد استخدام مفردات لا تقلل من الآخرين. ولكن استخدام كلمات انجليزية كـ بيبي سيتر لا تجعلنا بالضرورة أشخاص أقل عنصرية وفوقية.

العاملة المنزلية تقوم بوظيفة ولا تريد عن شفقتك أو انبهارك أو تزويقك للكلام من خلال تسميتها بـ babysitter و maid، هي تريد أن تحصل على حقوقها كاملة، حقوقها براتب جيد وساعات عمل وساعات راحة وتأمين صحي وتقاعدي، هذا ما يهم. هذه مجرد ألفاظ ومسميات عادية أصبحنا "مجبرين" على استخدام ألفاظ أخرى أشيك منها، لكن الوصمة الذهنية ظلت موجودة ولم يحاربها أحد بما فيه الكفاية.

قد يقول قائل: لماذا نصف بعضنا أصلاً؟ لماذا لا نعامل بعضنا بإنسانية ونتغاضى عن الوصف بأي شكل؟ وهو سؤال في ظاهره الإنسانية والمثالية ولكنه غير منطقي أو عَملي. نحن في عالم واسع نحتاج دومًا لتعريفه بالكلمات، ولهذا اخترعت اللغة لنسهل على أنفسنا التواصل. الوصف ليس إساءة، إلا إذا كنت تتقصد التقليل من شأن صاحبها.

الصوابية السياسية معركة مهمة في عالم عانى لقرون من الصوت الواحد، وانتصر على طول الخط لنماذج وقوالب لا تستوعب اختلافنا الجميل العظيم كبشر، والجانب اللغوي منها مهم جدًّا لأن اللغة تشكل طريقة تفكيرنا.

لكن اللغة الأنيقة لا تكفي إذا بقيت الأمور على حالها، وإذا لم نحارب لرفع الوصمة والدلالة الذهنية التي نسقطها على كل من حولها.

لا يكفي أن نستعمل لفظة "مثليين" دون أن نؤمن بحقهم في اختيار شريك حياتهم أو نغض الطرف عن اضطهادهم وسجنهم. لا يكفي تسميته "حارس العقار" أو "مدبرة المنزل" ونحن نؤذيهم بالقول والفعل ونمتنع عن دفع أجورهم أو نحملهم فوق طاقتهم. ولا يكفي تسميتهم بـ"ذوي الهمم" إذا لم نكن نضمن لهم وظائف جيدة على أساس الكفاءة، ورصفنا طرق خاصة ومسارات تساعدهم، ووسائل تعليم ترفع قدراتهم وتؤهلهم للحياة العادية، كي يكونوا متصلين بالعالم وليسوا في عزلة وصمت تام.

في نهاية هذا العام، نعيد ونؤكد أن الاندماج والتقبل هو الطريق الوحيد لنصبح عالمًا متناغمًا، لن يفيدنا تحييد اللغة والأوصاف لنطمس الألوان المتنوعة للوحة الكبيرة التي تحتوينا كبشر، بل الأهم هو احترام طيف الألوان الواسع هذا، وكل اختلاف على حدة، وعدم اعتباره انتقاصًا أو إساءة، طبعاً بجانب تعديل المسميات لتكون مراعية. أمّا الاكتفاء بالمعارك البسيطة الخائبة لاستخدام لفظة على أخرى مع بقاء الميراث العنصري الإقصائي على حاله فهي مجرد مرقعة فارغة المعنى، لا تختلف كثيرًا عمّا فعلته لجنة الأوسكار الموقرة.