okeykat-ie2wESuzGYg-unsplash
Photo by okeykat on Unsplash

مرأة

عن المحاكم الجعفرية في لبنان ولماذا لا يحق للمرأة طلاق نفسها دون قيد أو شرط

في ظل فشل المنظومة في دعم النساء، قد يكون هناك حل آخر أمام النساء من الشيعة في لبنان لا يتم الحديث عنه: عدم حصر حق الطلاق بالرجل

أصدرت المحكمة الجعفرية في لبنان مؤخراً قرارًا بحق أم أصيبت في انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، حيث رفضت المحكمة طلب عائلة ليليان شعيتو بتسليمها جواز سفر طفلها ومنحها إذناً بالسفر للعلاج في الخارج.  ليليان خريجة كلية الحقوق كانت تعيش مع زوجها في أفريقيا حيث مقر عمله، وعادت الى بيروت في صيف ٢٠٢٠ لتنجب في لبنان. كان رضيعها لم يتجاوز الشهر والنصف حين وقع الانفجار.

بعد أشهر من الغيبوبة، استيقظت ليليان على صدمة حرمانها من ابنتها، بعد تمنّع زوجها وعائلته عن السماح للطفلة بزيارة أمّها وهو الأمر الذي يرى فيه الأطبّاء أنّه أساسي لـ ليليان في مشوارها العلاجي.  هذه المحكمة نفسها كانت قد حكمت بحق ليليان برؤية طفلها شكلياً، وأشاحت بنظرها عن تنفيذ قرار المشاهدة الذي لم يحصل، تحكم اليوم مجدّدًا على ليليان بالموت.

إعلان

قصة ليليان تتشابه مع قصص عدد من الناجيات من الطائفة الشيعية اللواتي تعرضن للحرمان من أطفالهن أو تم رفض طلبهن للطلاق في حالات عنف الزوج.

قوانين الأحوال الشخصية
يفتقد لبنان لقانون مدني موحّد ينظم الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والحضانة، حيث هناك ١٥ قانون طائفي خاص بكل طائفة معترف بها رسمياً، وتشرف محاكم دينية مستقلة على تطبيق القوانين والتشريعات الخاص بكل مذهب، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش."

وتعتمد القوانين الطائفية لدى السنة، الشيعة، والدروز على عمر الطفل وليس "مصلحته" في تحديد الحضانة عند انحلال الرابطة الزوجية، حيث تحدد المحاكم السنية والدرزية سن الحضانة للأم حتى 12 عاماً للذكور والإناث، بينما تحدد المحاكم الجعفرية الحضانة بعامين بالنسبة للذكر وسبعة أعوام للأنثى. وقد تسقط الحضانة عن الأم قبل بلوغ السن القانوني لأسباب تمييزية منها "عدم أهلية الزوجة" أو زواجها من جديد أو "ساعات عملها."

ولا يعد العنف والإساءة البدنية سبباً كافياً للطلاق في غالبية محاكم الأحوال الشخصية في لبنان. فلدى الطائفتين الشيعية والسنية وفي الحالات التي يحق فيها للمرأة التماس الطلاق، فإن عليها أن تثبت أن الإساءة تجاوزت حق الزوج الشرعي في "تأديب زوجته." كما لا تعد الإساءة بحد ذاتها سبباً قانونياً لبطلان الزواج في قضايا البطلان الكاثوليكية.

القوانين السنية والشيعية في لبنان تكفل كذلك للرجل حقاً مطلقاً في الطلاق، بينما لا تحصل المرأة على هذا الحق إلا مشروطاً، وذلك في حال كان لديها العصمة أو إذا فوض إليها ذلك بموجب عقد الزواج أو وافق الزوج على الخلع الذي يتعين على المرأة بموجبه التنازل عن بعض حقوقها المالية أو كلها.

إعلان

يمكن للمرأة الشيعية أيضاً إنهاء زواجها من خلال "الطلاق الحاكم" وهو يتطلب حصول المرأة على قرار من مرجع ديني شيعي بتطليقها من زوجها، ويتعين بعد ذلك تثبيت هذا القرار محكمة جعفرية. ولا تعترف المحاكم الجعفرية بالتفريق وهو يعني حل عقدة الزواج بحكم قضائي بناءً على طلب أحد الزوجين ولأسباب يحددها القانون.

شهادات نساء معنفات
في هذا التقرير، سأركز على وضع النساء من الطائفة الشيعية، وأتحدث مع عدة نساء عن ما عايشنه من عنف أزواجهّن ووقوف قضاة المحكمة الجعفرية ضدهن.

بتول
تعيش بتول، 29 عاماً، في لبنان وتحمل الجنسيّة الأميركية، تقول أنها تعرفت على والد ابنها عبر تطبيق فيسبوك، ووجدته رجلًا "ملتزمًا دينيًا يراعي حدود الله في كل شيء." ولكن بعد أشهر قليلة من الزواج بدأت بتعنيفها، "انهال علي بالضرب وحشر المسدّس في فمّي عندما أخبرته أنّها حامل،" تقول بتول التي خافت من تخبر أحدًا من عائلتها عن التعنيف بسبب رفضهم لزواجها منه بالبداية. انتقلت بتول للسكن في الولايات المتحدة الأميركية برفقة زوجها الذي لم يتوقف عن تعنيفها قبل وبعد ولادتها.

وتقول: "كان يرجع الى المنزل أحيانًا وعيناه حمراوان وهو غاضب غضبًا شديدًا، ويهجم كالوحش لتقبيلي بالغصب، ويبدأ بتكسير كل شيء في المطبخ، ثم يسحب الحزام عن خصره  لينهال عليّ ضرًبا حتى يتورّم جسدي واتبوّل في ملابسي وهو يضع حذائه علي رأسي. ولم تكن تنتهي المعركة إلا بعد اعتذاري منه، وتقبيلي لحذائه."

تضيف بتول: "كانت لا تمضي دقائق على حالة الهستيريا هذه حتى يأمرني بالاستعداد للفراش لأنه يرغب بممارسة حقّه في الجنس، معتبرًا أنّ هذا من حقّه الشرعي ويحّق للزوج أن يفعل ما يشاء بزوجته. بالرغم من كل هذا كان يتهمنّي بالتقصير، حتّى أنّه كان يخبرني بتفاصيل عن علاقاته مع النساء ليستمتع بتعذيبي نفسيًا."

إعلان

تقدّمت بتول أخيراً بشكوى ضدّ الزوج موثّقةً آثار التعنيف على جسدها، ووقع الانفصال المدني في ٢٠٢١ وانتقلت للسكن مع ابنها البالغ ٣ سنوات بعيدًا عنه كما منعته المحكمة من الاقتراب منها. قرار المحكمة زاد من "توحّش" الزوج، حيث حرّك عائلته وأخوته وعشيرته لتهديد أقارب بتول في لبنان بالقتل وتخريب مصالحهم إن لم تذعن لشروطه.

تضيف بتول: "قام بتهديد الشيخ الذي كان يفاوضه حول الطلاق الشرعي في لبنان. ومن ثم أخبرني أنني لن أحصل على الطلاق إلا إن دفعت مبلغ 250 ألف دولار أمريكي، بالإضافة إلى تهديده الدائم بإعادة ابني إلى لبنان وإبعاده عني، وأعلم أنه إذا أعاد طفلي إلى لبنان فلن أراه أبدًا في حياتي."

لا تزال التهديدات قائمة إلى اليوم، وتتعالج بتول حالياً عند أخصائية نفسية، وهي "لا معلّقة ولا مطلّقة." فعلى الرغم من الانفصال المدني الذي أقرته المحكمة في الولايات المتحدة، يبقى الشرع والدين العائق أمام حريّتها وحصولها على حقّها بالطلاق الشرعي. وتضيف: "زوجي السابق من عائلة كبيرة في لبنان، وأخشى طوال الوقت أن يتعرض لأحد من أفراد عائلتي للأذى بسببه. ولكن باعتباري غير مطلقة شرعياً لا أستطيع العودة للبنان خوفاً من أن يتم الحكم له بأخد ابني مني، وطبعاً لا أستطيع الزواج."

ريحانة
ريحانة، 33 عاماً، تعرّفت على زوجها خلال دراستها الدكتوراه في فرنسا، كان طالبًا معها في الجامعة نفسها. تزوّجا في فرنسا زواجًا مدنيًا، ومن ثم تم عقد القران بحضور رجل دين وفق الشريعة الإسلامية. تقول ريحانة لـ Vice عربية أن حياتها تغيرت بعد الزواج، وتقلّصت دائرتها الاجتماعية بسبب سيطرة زوجها وشكوكه المستمرّة. وتضيف: "منعني من الخروج مع زميلاتي وزملائي بحجّة أنّه لا يجوز الاختلاط، كما أنه كان يفرض عليّ أن أشاركه الأرقام السريّة لفتح هاتفي المحمول وتفقدّه لحسابي المصرفّي ومعرفة دخلي والاستحواذ على كل ما أملك." زادت المشاكل مع زوجها وبدأ بتعنيفها معنويًا، حتّى اعتدى عليها بالضرب أمام ابنتها التي لم تبلغ الخمس سنوات. بعد هذا الموقف رفضت ريحانة الاستمرار وطلبت الطلاق.

إعلان

 لجأت ريحانة للقضاء في فرنسا وتمّ الطلاق مدنيًا، ولكنّ زوجها رفض تطليقها وفق الشريعة الإسلاميّة، وبالتالي بقيت مقيّدة وممنوعة عن بدء حياة جديدة، لأنّه لا يحّق لها الزواج من رجل آخر وهي على ذمّة الرجل الأول شرعياً، لتكون كما يريد الزوج "وقف" وهو تشبيه للأملاك التي يعرضها أصحابها على أنّها وقف لا يجوز التصرّف به وفق الشريعة الإسلامية. 

باءت جميع ريحانة محاولات بالحصول على الطلاق ضمن الشريعة بالفشل. وتضيف: "رويت للشيوخ ما تعرّضت له من تعنيف، إلا أنّهم كانوا يدعمون زوجي ويبررّون كل أفعاله الهمجيّة متذرّعين بأدلة من الدين، حتى إن أحد الشيوخ رأى أنّ خروجي من المنزل بعد تعرّضي للتعنيف لا يجوز بحسب الشريعة الإسلامية، وبالتالي فأنا ناشز في هذه الحالة وخارجة عن الدين. كما لجأت إلى أحد رجال الدين الذي أخبروني أنّه قادر على إجراء طلاق الحاكم وتحصيل حقي، إلّا أنّ جوابه وحكمه كان "أنّ تعرّضي للضرب ليس مسوّغاً كافياً له ليجري طلاق الحاكم."

طلاق الحاكم كم أشرنا في السابق، يجب أن يوافق عليه مرجع شيعي كبير أو رجل دين مشهود له بعدالته وتقواه، لكن هذا الطلاق يحتاج إلى أدلة دامغة توجبه، وهو طلاق صعب المنال ولا تعترف به المحاكم في لبنان ولا تنفذه، ولم يحصل في تاريخ لبنان سوى طلاق حاكم وحيد أجراه السيد عبد الحسين شرف الدين "لامرأة ضربها زوجها إلى حدّ عرضّها للموت."

تنازلت ريحانة عن المقدّم والمؤخّر إضافةً لتنازلها عن المهر وصيغتها وهي الشروط التي وضعها الزوج مقابل حصولها على حقّها وهو الطلاق، لكنّ إجحاف الزوج لم يتوّقف عند هذا الحدّ فقد لجأ للورقة التي يستخدمها معظم الرجال ضدّ النساء ألا وهي حرمانها من ابنتها، ففي حال عادت للبنان سيستعمل "طليقها" سلطته لحرمانها من ابنتها عند بلوغ سن القانوني للحضانة، وبإمكانه عن طريق المحكمة الجعفرية أن يمنعها من السفر. رفضت ريحانة الحصول على الطلاق الشرعي لتبقى مع ابنتها، وهذا يعني أنها لن تعود للبنان ولن تتمكن من الزواج.

إعلان

القانون بيد الرجل
المحامية فادية حمزة، مؤسسّة صفحة ثورة امرأة شيعية تشير إلى أنه كما في حالة ريحانة، هناك العديد من حالات الزواج المدني خارج لبنان، يقوم الزوج بتطليق الزوجة مدنيًا، ولكن عند عودته إلى لبنان يبدأ بممارسة الابتزاز بحق المرأة برفض تطليقها.

وتستشهد حمزة بإحدى الحالات التي تتابعها عن سيدّة حصلت على الطلاق مدنيًا في ألمانيا، ولكنها غير قادرة على العودة إلى لبنان مخافة ابتزاز زوجها وحرمانها من طفلها ومنعها من السفر، لأنها ما زالت زوجته وفق الشرع، وبالتالي تجرّد من حقوقها إلى حين صدور قرار المحكمة الجعفرية صاحبة الصلاحية في هذه القضايا والذي قد يطول كثيرًا.

وتؤكّد حمزة على المماطلة التي تحدث من قبل قضاة المحكمة في حالات الطلاق ومعاودة التواصل مع الزوج للتأكيد على إذا ما كان يرغب بالطلاق، ممّا قد يمتّد لسنوات وسنوات تتنّقل فيها المرأة بين أروقة المحاكم، "وقد تصل بعض النساء إلى خسارة فرصتهن بالإنجاب، بينما الرجل الشيعي يكون قد تزوّج أخرى ويعيش حياته،" تضيف.

وتشير حمزة إلى أن  تطبيق الحكم الجعفري في إيران يختلف عن تطبيقه في لبنان، وتقول: "يرّدد قضاة المحاكم الجعفريّة في لبنان أحياناً بأن العقليّة الإيرانيّة أقرب إلى العقليّة الأوروبيّة، ولهذا قوانين الأحوال الشخصية هناك أكثر رأفة بالمرأة ويتم الطلاق في حالات التعنيف أو عدم الإنفاق أو عدم الرضا الجنسي. لكن في لبنان قضاة المحكمة الجعفريّة في لبنان لا يملكون هذه الوكالة من المرجعيّة الدينية التي تمثّل الحاكم الشرعي، وبالتالي يعتبرون أنّه لا يحّق لهم تطليق المرأة من زوجها شرعًا."

إعلان

هل هناك حل آخر؟
في ظل هذا الوضع، وفي ظل فشل المنظومة في دعم النساء قد يبدو أن الحل الوحيد أمام النساء من الشيعة هو خيار آخر لا يتم الحديث عنه وهو …حق المرأة في تطليق نفسها. 

أمر الإسلام باحترام حقوق المرأة ورعايتها كما تدل عليه عدة أحاديث شريفة مثل "أحسنكم خلقًا أروحكم مع النساء" و"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً، وخياركم خياركم لنسائهم." وفي مقام العدل وأهميته يقول النبي: "الناس مأمورون بإقامة العدل كما أمرت أنا." إذا اتفقنا على أن العدل هو أساس كل شيء في الدين الإسلامي، لماذا لا يتم تطبيق العدل عندما يتعلق الأمر بحقوق المرأة؟ ولماذا يتم غلق باب الاجتهاد عندما يتعلق الأمر بقوانين الأحوال الشخصية في ظل عدم مساواتها للرجل والمرأة؟

ربما أبرز ما يميز الطائفة الشيعية هو أنها لم تقفل باب الاجتهاد كما فعلت بعض الطوائف، حيث تقر الطائفة بوجوب الاستمرار في الاجتهاد بالأحكام الفقهية من "أجل مواكبة تطورات الحياة وتبدلاتها، ومن أجل إحداث تصحيحات للأخطاء الاجتهادية التي وقع فيها الأقدمون" وضمن ذلك الأحكام الدينيّة المتعلّقة بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال.

واحد من هذه الاجتهادات تتعلق بحق المرأة بتطليق نفسها.

في السُنة، يجوز للمرأة تطليق نفسها في حالة واحدة وهي إذا فوَّض الزوج زوجتَه أن تطلق نفسها منه أو أن تكون العصمة بيدها. ولكن يرى بعض الفقهاء اشتراط الزوجة عند العقد أن يكون الطلاق بيدها باطل لا يصح لأنه مخالف لمقتضى العقد- لكن يجوز أن يفوض الزوج أو يوكل للمرأة حق تطليق نفسها دون أن يسقط ذلك من حقه في تطليقها.

إعلان

الشيخ الشيعي الدكتور حسن جوني، أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية متخصص باللغة العربية وترجمة النصوص الدينية ومتخصص بالدراسات الإسلامية والقرآنية، وباحث في مناهج تفسير القرآن الكريم، ويبت في الكثير من الخلافات الزوجية وينهي الكثير منها قبل إن تصل إلى المحاكم.

الشيخ جوني لديه مجموعة دلائل يستند فيها للآيات القرآنية والأحاديث الدينية التي تدحض فيها الأدلّة التي تستند إليها المحكمة الجعفريّة في "حصر حق الطلاق بالرجل."

ويشرح ذلك في مقابلة مع VICE عربية: "أجمعت كلمة مراجع الشيعة على حصر حق الطلاق بالرجل مستندين في ذلك إلى حديث ضعيف السند لا أصل له في مروياتهم بل أخذوه عن الطائفة السنية التي تقول بدورها إن هذا الحديث ضعيف السند، إذ قيل عن النبي أنه قال "الطلاق بيد من أخذ بالساق." هناك من يفسر بأن "من أخذ بالساق" تعني من يباشر بالعملية الجنسية، وهذا فهم قاصر، أما التفسير القائل بأن معناه من يسوق الأمور فأيضّا لا حجّة فيه ولا قيمة له، بل على العكس فإن الحديث إن صحّ فإنه يدّل عل حصر حق الطلاق بالمرأة والرجل على حد سواء."

تطليق المرأة لنفسها مختلف عن الخُلع، حيث تتنازل المرأة عن مهرها، فيما طلاق المرأة لنفسها فهو طلاق تستحق فيه المرأة مهرها ولها جميع حقوق المطلقة في النفقة.

ويقول الشيخ جوني: "تقول الآية الكريمة من سورة البقرة التي سمحت بالخلع، لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِن ْخِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ" -سورة البقرة: الآية 229. مشروعية الخُلع ثبتت أيضاً في السنة النبوية، حيث روى أن زوجة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: "يا رسول الله أني ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: أتردين عليه حديقته؟ (والمقصود هنا أن الحديقة هي مهرها). فقالت: نعم. وهذا هو الفرق، طلاق المرأة لنفسها يحفظ لها جميع حقوقها على عكس الخُلع."

ويشير الدكتور جوني إلى أن الشيعة يستندون في مسألة حصر حق الطلاق بالرجل إلى ما يعرف بالإجماع، لكنهم لم يلتفتوا حسب تعبيره إلى "أن هذا الحصر لحق الطلاق بالرجل يتناقض مع مبادئ الشريعة وروحيتها وهي العدالة." ويضيف: "أما حجة الإجماع عند الشيعة فإنني لا أرى فيها مسوغًّا دقيقًا فالإجماع إن اعترضته العدالة سقط، لا سيما ذلك الإجماع المبني على الظن."

ويطرح الشيخ مجموعة من التساؤلات التي تدحض برأيه ما يستند إليه قضاة المحكمة عند الطلاق: "المرأة هي أساس نشأة عقد الزواج مع الرجل لقولها زوجتك نفسي.. ثم يقول الزوج: قبلت. فكيف انحصر حق فض هذا العقد بالرجل وحرمت المرأة منه؟ ولماذا لم نجد ولو حديثًا واحدًا عن النبي أو الأئمة من أهل بيته يثبتون هذا الحق ويحصرونه بالرجل؟ ولماذا لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تذكر هذا الأمر؟"

ويؤكد الشيخ جوني على أن للمرأة حق طلاق نفسها كما للرجل دون قيد أو شرط، وعلى المسلمين أن يعيدوا النظر في أحكام الزواج أولًا والطلاق ثانيًا والحضانة وغيرها، ويضيف: "لا يمكن لقوة في الدنيا أن تزوج الفتاة إلا برضاها بحسب الدين؟ لماذا إذاً لا يمكن لها أن تطلق نفسها وتنهي علاقة هي وافقت عليها؟"

ولكن يبقى ما يقوله الشيخ جوني موقف واحد أمام صفّ هائل من القضاة في المحاكم الجعفريّة "التي لا تزال تتبع نوعًا من العرف الذكوري الطاغي،" كما تصفه حمزة.

-بتول وريحانة اخترت اسماء مستعارة بسبب الخوف من تأثير مقابلتهن على وضع قضايا الطلاق.