شباب

"أشعر بالغضب والسخط على العالم" شباب خسروا وظائفهم بسبب فيروس كورونا يتحدثون عن معاناتهم

إذا استمر الوضع هكذا، فقد أدخل السجن بسبب عدم قدرتي على سداد كل ما علي من ديون
7.7.20
GettyImages-1222069165

مُنذ بضعة أسابيع راسلني أحد أصدقائي على فيسبوك ليسألني عما إذا كنت أعرف مكانًا به فرصة للعمل مناسبه له، وأخبرني أنه يود العمل من مكتب لأنه أضطر لبيع حاسوبه المحمول ليدفع إيجار شقته، بعد أن فقد عمله بسبب الإغلاق المرتبط بفيروس كورونا. في الواقع، كل يوم تصادفني بوستات أو إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يبحث فيها أصحابها عن عمل، بسبب تأثر وظائفهم ومشاريعهم الخاصة بالإغلاق، وأدركت أن عبئًا ثقيلًا قد طال الشباب، ولابد أن كثيرين يتحملون عبء ذلك وحدهم، دون أن يشعر بهم أحد.

إعلان

توقعت منظمة الأونيسكو في تقرير لها أن تخسر المنطقة العربية أكثر من 1.7 مليون وظيفة هذا العام، مع ارتفاع معدل البطالة بمقدار 1.2 نقطة مئوية. وتوقعت أن يكون قطاع الخدمات -المصدر الرئيسي لفرص العمل في المنطقة العربية- أكثر القطاعات تعرّضًا لآثار "التباعد الاجتماعي" حيث تشير التقديرات إلى انخفاض نشاط هذا القطاع بمعدّل النصف. كما من المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بما لا يقلّ عن 42 مليار دولار، وهذا الرقم مرشح للارتفاع نتيجةً للآثار المضاعفة لانخفاض أسعار النفط والتباطؤ الاقتصادي بسبب إغلاق مؤسسات القطاع العام والخاص خلال الأشهر الماضية.

في ظل هذا الوضع، وفي الوقت الذي تفكر بعض الدول في إعادة تنفيذ الإغلاق بعد ارتفاع حالات الإصابة بالكورونا، قررت التحدث مع عدد من الشباب من مختلف الدول العربية، لأعرف كيف يعيشون في ظل وضع اقتصادي غير مستقر مع أزمة صحية عالمية لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.

البداية كانت مع إم كلثوم، 21 عامًا، معلمة خاصة من السعودية والتي كانت من أوائل من خسروا عملهم بعد إغلاق المدارس في مارس بسبب فيروس كورونا: "خسرت عملي بعد إغلاق المدارس نتيجة للإغلاق، كما خسرت عملي الإضافي أيضًا، وهو مشروع حلويات أديره أنا وأختي. كان عبئًا ثقيلًا أن أخسر عملين في وقت واحد بسبب الكورونا، خاصًة أنني أعيل أسرتي." على الرغم من فقدان الكثير من الوظائف الغير منظمة تحت قطاع معين، ولكن بشكل عام، ساهمت الإجراءات التحفيزية الحكومية، من بينها التعهد بتغطية 60% من رواتب بعض السعوديين العاملين في القطاع الخاص، في تقليص نسبة خسائر الوظائف بين السعوديين، بحسب خبراء الاقتصاد، حيث لم يرتفع معدل البطالة بين السعوديين عن مستوى 12% الذي كان قبل الأزمة. ولكن بالنسبة لأم كلثوم، الأمور لا تبشر بالخير، حيث تشير إلى أنها الآن تنفق من مدخراتها التي ستنفذ قريبًا: "لا شيء واضح حالياً، لا خيارات أمامي، والأمر مخيف."

منذ فترة أصبت بالتهاب في المعدة، ولم أستطع الذهاب إلى الطبيب لأنني لا أملك سعر الكشفية، لهذا حاولت علاج نفسي بالأعشاب فقط، لأنها أرخص

وضع هنادي، 39 عامًا، من الأردن لا يختلف كثيراً. هنادي، التي تعيش وتعمل في سلطنة عُمان منذ خمس سنوات، خسرت عملها كمديرة لقسم إدارة الأعمال بإحدى الشركات في السلطنة مع بداية أزمة فيروس كورونا وهي تفكر حالياً بالعودة إلى الأردن: "أخشى أن أضطر أنا وزوجي للعودة إلى الأردن ويعيش كل منا عند أهله حتى تنتهي الأزمة، وذلك سيكون أمراً قاسياً فعلًا علينا جميعًا. نحن مهددون بنفاذ مدخراتنا وليس أمامنا أي حلول واضحة، ولا أعتقد أنه من الممكن البحث أو إيجاد وظيفة في ظل الوضع الحالي، لأنني أعرف أن الوضع الاقتصادي مُتردي بشكل عام في جميع الدول."

أحمد، 34 عامًا، من مصر، كان يعمل كشيف في أحد الفنادق، ولكنه لم يستلم راتب آخر أربع شهور مما اضطره إلى الاستقالة، وهو حالياً سيبحث عن عمل جديد بدون أي نجاح: "اضطررت للاستدانة عدة مرات من الأصدقاء على أمل أن أرد المال بعدما أستلم راتبي المتأخر، ولكن لا يبدو أنني سأحصل على راتبي قريباً، فوضع الفندق ليس جيداً بسبب عدم وجود سياح. أنفق على احتياجاتي الأساسية فقط وبشكل مقتصد جداً. منذ فترة أصبت بالتهاب في المعدة، ولم أستطع الذهاب إلى الطبيب لأنني لا أملك سعر الكشفية، لهذا حاولت علاج نفسي بالأعشاب فقط، لأنها أرخص. إذا استمر الوضع هكذا، فقد أدخل السجن بسبب عدم قدرتي على سداد كل ما علي من ديون." وقد ارتفعت نسبة البطالة في مصر إلى 9.2% في فترة شهري مارس إلى نهاية أبريل بسبب فيروس كورونا، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

إعلان

غدير، 24 عامًا، من اليمن، خسرت أيضاً عملها في إحدى المنظمات المحلية مع بداية الأزمة في شهر مايو: "أحبطت كثيرًا بعد فقدان عملي، لأنني أحبه ومرتبطة به. حاولت التأقلم، واعتبرت أنها فرصة للراحة واستعادة الحياة من جديد، ولكني أعترف أن الحياة كعاطلة عن العمل صعبة للغاية. الوضع في اليمن مختلف عن أي دولة عربية وهذا يعقد كل شيء إذ ليست المشكلة في البحث عن عمل فقط، بل الأمور أعقد من ذلك بسبب الحرب التي لم تخفف من وطأتها في ظل وجود كورونا، بل زادت الأزمات مثل مشكلة البنزين الغير متوفر أغلب الوقت، كما لا توجد أي إجراءات أو رعاية صحية كافية في حالة الإصابة بالفيروس. أعترف أنني أنفق الآن من مدخراتي المالية التي ستكفيني لمدة 4 شهور فقط، أنا وعائلتي، إذ أنني مسؤولة عنهم."

أقضي يومي فيما يشبه التمثيلية، أستيقظ كل يوم وأخبر أطفالي أنني ذاهب إلى العمل، ثم أقضي الوقت في الشارع، أو أذهب عند صديق

بجانب القلق مما يحمله المستقبل في ظل أزمة اقتصادية عالمية، والخوف من الإصابة بالفيروس، يظل فقدان العمل، خصوصًا في وقت حرج مثل الذي نعيش فيه، أمر له تأثير بالغ على حياة العاطلين، حيث تُشير إحدى الدراسات النفسية إلى أن فقدان الوظيفة هو أحد الأمور التي أثرت على الناس في فترة الكساد العظيم، وجعلتهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية، وصرح بعض علماء النفس إلى أن فقدان الوظيفة له نفس تأثير فقدان شخص عزيز.

يقول محمود، 36 عامًا، تاجر فحم من مصر، أن حالته النفسية أصبحت غاية في السوء بسبب الخسارات الكثيرة التي تعرض لها مع إيقاف تدخين الشيشة في المقاهي: "لم أعد قادرًا على تحمل هذا الوضع، هذه المرة الأولى في حياتي التي تصل حالتي المادية إلى هذا المستوى، لقد اضطررت للاستدانة لأخد إبني الصغير للطبيب." يشير محمود، أنه لم يعد يستطع البقاء بالبيت حتى لا تكثر عليه مطالب أولاده التي لا يستطيع تلبيتها: "أقضي يومي فيما يشبه التمثيلية، أستيقظ كل يوم وأخبر أطفالي أنني ذاهب إلى العمل، ثم أقضي الوقت في الشارع، أو أذهب عند صديق."

جورج، 26 عامًا، من فلسطين والذي يعمل كموسيقي يقول أن أزمة فيروس كورونا "قلبت حياته رأساً على عقب" وأن مشاريعه كلها توقفت وأنه يقضي أيامه في التقديم لمنح للموسيقيين والشباب: "توقف العمل على الألبوم الجديد التي كنت أحضر له، وتم إلغاء جميع الحفلات والمشاركات الفنية في داخل وخارج فلسطين. لم يعد لدي دخل، والإغلاق الذي استمر لثلاثة أشهر، جعلني أفقد طاقتي واهتمامي بأي شيء. لشو الموسيقى اذا مش عارفين رح نعيش أو نموت بكرة؟" ويضيف: "لم أترك منحة لم أقدم لها، هذا ما أفعله طوال اليوم. للأسف، لا يوجد هناك أي اهتمام حقيقي بالموسيقيين والفنانين، شو معنى العالم بدون فن؟"

شريف، 27 عامًا، يشعر باليأس كذلك وخائف مما تتحمله له الأيام بعد فقدانه لعمله: "كنت أعمل كمسؤول عن المخازن في شركة دهانات، ولكن أجبرتني الشركة على الاستقالة دون اعطائي أي حقوق. أنا عاطل عن العمل منذ ثلاثة أشهر. أعيش في حالة من الاكتئاب الحاد، بسبب عدم قدرتي على سداد كل ما علي من التزامات، ليس لدي حتى شخص أستدين منه، فالجميع يعاني مثلي تماماً. أشعر بالغضب والسخط على الحياة والعالم." السخط على العالم، شعور يشاركه فيه الكثير من الشباب في الوقت الراهن.