IMG_9689
مقال رأي

هل الحجر المنزلي هو السبب بفقدان الرغبة بالتواصل مع العالم الخارجي؟

في الوقت الذي أقسمت فيه على عدم إلغاء أي خطط للخروج مع الأصدقاء والاستمتاع بوقتنا، وجدتني أُلفق أعذارًا واهية عندما أصبح الأمر واقعاً بعد رفع الحجر
9.7.20

بدأت غيمة فيروس كورونا بالانقشاع شيئًا فشيئًا وبدأت معها الحياة بالرجوع إلى نِصابها بالتدريج. أعلنت مجموعة من الدول عن رفع الحجر الصحي وفتح حدودها لتدب الحياة في شوارعها وفضاءاتها -طبعًا مع احترام شروط السلامة الصحية. لم نعد مضطرين للبقاء في البيوت، ولكن هل هذا يعني أننا مستعدون للخروج والاستمتاع بالأجواء في الخارج انتقامًا لكل هذه الأيام التي سجنتنا بين أربعة حيطان؟ أنا عن نفسي لا أريد ذلك، ولا أنوي تغيير نمط حياتي الحالي في أي وقت قريب. أجد في المنزل راحتي، وأنا غير مستعدة لمواجهة العالم. عندما أعلنت السلطات عن قرار رفع الحجر الصحي، اختلطت المشاعر بداخلي؛ هل أفرح لأنني لم أعد حبيسة البيت وبإمكاني الخروج متى أردت ذلك، أم أندب حظي لأنه لم يعد لدي حجة قوية أُخفي بها رغبتي في البقاء في المنزل؟

إعلان

خلال الحجر المنزلي، قرأت الكثير من المقالات عن الأشياء التي تعلمناها خلال هذه الفترة. هناك من وجد وقتًا إضافيًا لممارسة هواية جديدة، وهناك من بدأ دورات تكوينية أونلاين، وهناك أيضًا من تمكن أخيرًا من إنهاء لائحة المشاهدة التي تكدست بالأفلام والمسلسلات. لكن جميع المقالات التي قرأتها، بل وحتى منشورات بعض الأصدقاء على منصات التواصل الاجتماعي، كانت تصب في بقعة واحدة: أصبح الجميع أكثر وعيًا بالعلاقات الإنسانية وأهمية التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء والعائلة.

لا أخفيكم سرًا أنني شخص بيتوتي للغاية وأجد راحتي في الانزواء في شقتي والاستمتاع بلحظات من السكينة والهدوء مع نفسي. لكنني في الآونة الأخيرة بدأت أشتاق للحوارات العميقة مع سائق التاكسي حول مواضيع الساعة، وأشتاق للفصال مع الباعة وإقناع نفسي بأنني حصلت على أفضل صفقة، وأشتاق للمرور من نفس الشوارع للذهاب إلى عملي ومقابلة نفس الوجوه كل يوم… إنها تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع يومي والتي لم أُعرها قط أي اهتمام. هكذا وضعت هدفًا لنفسي بالخروج واستغلال كل لحظة في الخارج لتعويض أيام الحجر.

ولكن بمجرد وضع نفسي أمام الأمر الواقع، اختفت تلك الشعلة من التحفيز وفضلت البقاء بالبيت. في الوقت الذي أقسمت فيه على عدم إلغاء أي خطط للخروج مع الأصدقاء والاستمتاع بوقتنا، وجدتني أُلفق أعذارًا واهية عندما أصبح الأمر واقعاً بعد رفع الحجر، دون سبب وجيه. أو ربما كان السبب ظاهرًا لي منذ البداية لكنني قررت تجاهله. ببساطة، أنا أستمتع بوقتي أكثر في البيت مع جهاز حاسوبي وربط مع شبكة الإنترنت ومجموعة كتبي، وأفضل ليلة هادئة كهذه على ألف عزومة خارج المنزل.

من الضروري الحفاظ على الاتصال البشري، فنحن حيوانات بشرية بالدرجة الأولى

تقول روشيتا تشاندراشيكر، باحثة في الصحة السلوكية وعالمة نفس، أن الإحساس المستمر بالإرهاق وفقدان الشهية والتقلبات المزاجية خلال فترة الإغلاق والحجر المنزلي هي جميعها أعراض للاحتراق النفسي أو Burnout: "هذا التخدير الذي يشعر به المرء ولا يحس معه بأي شيء، وعدم المبالاة بالأخبار وما يحدث في العالم هي من العلامات الأكيدة للاحتراق النفسي. لقد خرجت الحياة عن مسارها العادي، وأصبحنا بالكاد نستطيع السيطرة على أفعالنا. قد تشعر بعدم الاكتراث بما يحصل في العالم من حولك، ذلك أن دماغك قد أُغرِق في سيل من المعلومات لدرجة أنه لم يعد قادر على مراجعة أي شيء آخر."

كنت أتحدث مع صديق لي منذ أيام قليلة على فايس تايم حول هذه الظاهرة فأخبرني: "أنا أيامي كلها حجر صحي، فمنذ زمن بعيد لا أخرج من البيت إلا للضرورة القصوى كالتبضع والذهاب إلى العمل والسفر. إذا أردتِ رؤيتي اتصلي بي هنا متى أردتِ ذلك، لكن لا تقترحي عليّ الخروج لتناول وجبة ما خارجًا لأنني سأجد لك عذرًا في اللحظة الأخيرة للتملص من هذا الالتزام." وهذا يشبه أيضاً ما تشعر به صديقة أخرى: "أنتِ تعلمين أنني أحب الجلوس في البيت ولو اقتضى بي الحال عدم القيام بأي نشاط. هذه الإجراءات الصحية لم تؤثر على نظامي البتة، لكن ما يزعجني حقًا هو هذا الفرض الذي جعلني أحس وكأنني سجينة وغير قادرة على الخروج، ليس لأنني أود الخروج من البيت، ولكن فقط لأجل أن يكون لدي خيار."

إعلان

جعلني الأمر أفكر، الخروج من البيت ولقاء الأصدقاء أصبح حقًا التزام، وهذا ما يهول الفكرة في نظرنا. فضبط الجدول الشخصي ليتوافق وموعد اللقاء، والوسيلة التي ستصل بها إلى الوِجهة المتفق عليها، وتكبد عناء تحمل كل صور الهرج والضجيج الذي قد يصحب اللقاء، واختيار الملابس… هذه كلها تفاصيل تجعل رأسي يدور بمجرد تخيلها. الأمر أشبه، إلى حد ما، باتخاذ خطوة نحو الارتباط بشخص ما أو قرار إنجاب الأطفال. هذا على الأقل ما تذكرني كلمة "التزام" به.

من جهة أخرى، هناك عامل الوقت. دعونا نكن صريحين ولو للحظة. أغلبنا يشتغل أو يدرس طوال اليوم، أي على الأقل سبع أو ثمان ساعات في اليوم. أضف إلى ذلك وقت التنقل من وإلى مكان العمل أو الجامعة. ودعونا لا ننسى، خصوصًا بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون لوحدهم، التبضع ودفع الفواتير والذهاب إلى البنك لإيجاد حل لبطاقة ائتماننا المجمدة والبحث عن سباك لإصلاح الصنبور المكسور… واللائحة طويلة. عند العودة إلى المنزل في المساء، كل ما يمكننا التفكير فيه هو تناول وجبة العشاء، ومشاهدة فيلم أو قراءة كتاب، ثم الخلود إلى النوم. أما عن عطل نهاية الأسبوع، فهي مخصصة بدرجة كبيرة للراحة وإعادة شحن بطاريات الجسم للأسبوع الموالي. أين هو الوقت إذًا لأخرج وألتقي بالناس؟

الأمر يتطور في نظري من عزلة شعورية، بسبب تفاوت طرق التفكير والتوجهات الشخصية للفرد، إلى عزلة جسدية مع الوقت. لقد عايش جيل الألفية فترة ظهور وتطور وسائل التواصل الاجتماعي ووجد فيها منفذًا للتنفيس عن مكنوناته بكل "حرية" -ولو أن الحرية تبقى مشروطة في بلدان تراقب كل ما يُنشر على الفضاء الرقمي. لقد أعاد الإنترنت رسم خريطة العلاقات الاجتماعية في صفوف الشباب وجعلها تنتقل نحو العالم الافتراضي بالتدريج دون أن نشعر. فحلت سهرات "نتفليكس اند تشيل" مكان تجمهر العائلة أمام شاشة التلفاز لمتابعة سهرة نهاية الأسبوع أو الذهاب إلى السينما رفقة الأصدقاء، وولى زمن الزيارات لتأتي مكانه اللقاءات الافتراضية، بل وحتى تطبيقات تشغيل الموسيقى والبث جاءت بديلًا للخروج إلى محل كراء وشراء شرائط الكاسيت الموسيقية.

تقول روشيتا أن "أول خطوة عليك اتخاذها للشعور بالتحسن هي تحديد السبب وراء هذه المشاعر المتضاربة. من الضروري الحفاظ على الاتصال البشري، فنحن حيوانات اجتماعية بالدرجة الأولى."

لا شك أن الحفاظ على التواصل البشري مهم، ولكن من الطبيعي أن تتغير رغباتنا وعلاقتنا وصحتنا النفسية بعد ما كل ما عشناه خلال هذا الوباء. ربما ليس علي بعد الآن ألا أشعر بالذنب، وألا أستخدم الحجر المنزلي كشماعة لتعليق اعذاري عليه. حان الوقت لأعترف بأن هذه طبيعتي بكل بساطة، وأن الحجر ليس السبب في فقداني الرغبة بالتواصل مع العالم مجدداً، ربما جاء الحجر لتأكيد أن متعتي تكمن في "القعدة بالبيت" حتى ولو فتحوا كل الأبواب.