موضة

الموضة اللاجندرية تحظى بشعبية بين الشباب في العالم العربي

فكرة أن يكون لقطعة ملابس أو للون معين جندر خاص بها هو أصلًا سخيف
16.8.20
Christophe
تصوير sundusalfephoto

"شخصيًا لا أمانع أبدًا ارتداء ملابس تعتبر أنها مخصصة للإناث. أضع دائمًا أقراطًا في أذني، وفي يوم من الأيام صادفت فستانًا وأُعجبت به كثيرًا فقررت ارتدائه لأنني وجدت أنه أضاف جمالية خاصة إلى مظهري،" يخبرني اليزيد مالك، 21 عامًا، طالب في التجارة الدولية من المغرب، والذي يعتبر نفسه من الشباب المناصرين للموضة والملابس التي لا يحدها جنس أو هوية جندرية معينة.

"ملابسي لا تحدد بالضرورة شخصيتي أو توجهي الجنسي، من قال أن الفساتين والتنانير هي مخصصة حصرًا للإناث، ومن قال أن البدلات الرسمية صُممت للذكور فقط؟ لا يوجد أي سبب منطقي يضع قطعًا معينة من الملابس في خانات محددة سلفًا حسب الجنس،" يضيف اليزيد. وأنا أتفق معه تمامًا. في الواقع، فكرة أن يكون لقطعة ملابس أو للون معين جندر خاص بها هو أصلاً سخيف، أضف إلى ذلك قضية ربط الملابس بالرجولة أو الأنوثة، وكأنه يمكن لقطعة قماش أن تحدد من أنت.

Elyazid2.jpeg

اليزيد مالك. الصورة مقدمة منه.

هذا النقاش تم أخذه لمستوى آخر مع ظهور موجة الموضة اللاجندرية الجديدة التي تحاول تقليص الفوارق ما أمكن بين ملابس كل من النساء والرجال في العالم العربي، وتجنب وضع بطاقات ومعايير تحدد الألوان والقصات والخامات. هذه الموجة اللاجندرية ليست وليدة اللحظة، بل بدأت بالظهور منذ سنوات خلت مع كاترين هيبورن وصورها بالبدلة الرجالية في أربعينيات القرن الماضي، ثم بعدها كل من ديفيد بوي و إلتون جون وغيرهم من المشاهير الذين قلبوا الموازين الجندرية في عالم الموضة. كانت كوكو شانيل من بين المصممين السباقين الذين التجأوا إلى الموضة من أجل تمكين النساء عبر إدخال قصات "رجالية" إلى تصاميمها، ليتبعها لاحقًا إيف سان لورون في الستينات و كالفين كلاين في التسعينات.

في العالم العربي، خرجت إلى الوجود علامات تجارية لاجندرية مؤخراً أبطالها مصممون شباب يضعون صوب أعينهم هدف إظهار هذه الموضة وتعميمها على المجتمع العربي. "خطوة إطلاق ماركة الملابس الخاصة بي جاءت من فكرة أخذ القطع الأساسية المتواجدة بخزانتي والتي من المفترض أنها مصممة للمرأة وتلك المصممة للرجل، ثم عصرنتها بطريقة تسمح لكلا الجنسين بارتدائها بكل أريحية،" يقول أمين جريصاتي، مصمم أزياء ومؤسس ماركة الأزياء اللاجندرية Boyfriend. تعتمد هذه العلامة في تصاميمها على البساطة والألوان الأحادية وتتجنب تضمين الرسومات والزخارف المبهرجة، مع إظهار جانب من الثقافة العربية من خلال تصاميم مبتكرة للسراويل والعبايات بلمسة عصرية، كما أن القطع الأساسية والبسيطة ذات القصات Oversize تناسب جميع الأجسام.

Amine.jpg

أمين جريصاتي. الصورة مقدمة منه.

"إن الأمر يتعدى كونه مجرد موضة رائجة، بل يمثل أبعاد أعمق بكثير تتجذر في التقاليد والأعراف العربية التي تضع كل من الذكر والأنثى في خانة منفصلة، متجاهلة بذلك متطلبات وخصوصيات فئات أخرى في المجتمع قد يراها البعض أقليات." يضيف أمين: "نعاني من نقص التوعية في منطقتنا بخصوص حرية ارتداء الأزياء. مازلنا نتخبط نحن الشباب في أفكار وعقليات الأجيال الأكبر منّا والذين لا يستطيعون النظر إلى الأشياء من منظور مختلف. ليرتدي كل واحد ما تهواه نفسه ويرتاح فيه جسده بدون تعصب أو تمييز."

"أطلقت علامتي عندما لاحظت عدم وجود أي مصمم لديه فكر وهوية تمثلني في عالم الموضة،" يقول أنوار بوگروگ، صاحب العلامة اللاجندرية Bougroug ويضيف: "أردت تقديم ملابس جميلة ومناسبة للجميع بدون التفكير بأي تصنيفات مسبقة."

إعلان

يقول أنور أنه يرى الموضة اللاجندرية كفلسفة تساعد في تغيير الأفكار النمطية: "أسعى عبر تصميماتي إلى توجيه تركيز المجتمع إلى أمور مهمة أكثر في حياة الرجل، كأن يكون أبًا صالحًا وزوجًا صالحًا وأخًا صالحًا. هذا ما يجب أن تكون عليه الرجولة. نحن لا نفرض على المُشتري شيئًا، بل هو وحده من يختار ما يناسبه برضاه وذوقه الخاص. قد تعجبه قطعة معينة، أو إكسسوار معين، أو عطر معين، بدون وضع أفكار جاهزة بأن هذا لرجل أو إمرأة. لهذا أؤمن بأن الموضة اللاجندرية مهمة في الوطن العربي، لأن لا أحد أصبح يطيق الأحكام المسبقة أو وضعه في صندوق ووضع label عليه. الأمر يتعلق بإيجاد القبول من طرف مجتمعنا، وهذا ما تمثله هذه الموضة."

Anwar4.jpeg

أنوار بوگروگ. الصورة مقدمة منه.

أصبحت قطع الملابس المحايدة التي لا تنتمي لأي صنف جندري، موضة رائجة في السنوات الأخيرة وتستقطب متابعين ومعجبين من جميع الأجناس والأعمار. لم تعد قولبة الموضة بحسب الجنس أمرًا مقبولًا من طرف الجيل Z الذي اختار 41% منه مكانًا وسطًا بين "الأنثوي" و"الذكوري" عند سؤالهم عن طريقة لباسهم. لكن أين شباب الوطن العربي من هذه الموجة الجديدة؟

”لقد تعودنا منذ صغرنا على التفريق بين الجنسين من خلال الألوان ونوعية الملابس، على سبيل المثال التنانير والفساتين والألوان الهادئة للأنثى والهوديز الواسعة ذات الألوان الغامقة للذكر. لا نجد في الأسواق ملابس تلائم كلا الجنسين معًا،" تخبرنا تسنيم عزام، 21 عامًا، طالبة إعلام من فلسطين: "في بعض الأحيان أرى جاكيت أو قميصًا واسعًا وأُعجب به لكنه يكون 'رجاليًا أكثر من اللازم' فأتراجع عن شرائه. أتمنى حقًا أن تصير لكلا الجنسين الحرية لارتداء ما يريدون وما يرتاحون له بدون أي قيود يفرضها المجتمع."

Hagar.jpeg

هاجر سوسة. الصورة مقدمة منها.

"سأتحدث عن المجتمع المصري بالخصوص لأنني لست على دراية بما يجري في باقي الدول العربية. برأيي أن هذه الموضة تناسب الإناث أكثر من الذكور، لأنه في مصر قد يُسمح للبنت بارتداء ملابس أخوها مثلًا، لكن العكس من غير الممكن تقبله أبدًا. مجتمعنا منافق لأبعد الحدود، ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى الحرية وفعل ما يهواه كل شخص، فهو يتوقع من كل من الإناث والذكور الانضباط والتقيد بالمعايير التي وضعها لهما،" تقول هاجر سوسة، 24 عامًا، طالبة في مجال التسويق، من مصر: "أرى أنه إذا تم انتشار موضة unisex بشكل واسع، فإن الذكور بالدرجة الأولى سيتعرضون للتنمر لأن الأمر سيمثل تنقيصًا من "رجولتهم."

في الواقع، وبالرجوع إلى الحضارات القديمة كاليونانية والفرعونية مثلًا، فإن التنانير كانت تمثل لباسًا رسميًا للذكور حتى في أيامنا هذه، نجد العديد من الدول تعتمد في لباسها التقليدي على التنورة بالنسبة للرجل، اسكوتلندا وتايلاند وماليزيا. وحتى الجلبية أو الجلباب الرجالي هو شبيه في قصته للفستان أو القفطان النسائي. يعني أن ربط قطعة من الملابس لجنس بعينه هو نتاج لتغير المعتقدات والعادات الخاصة بكل بلد.

Christophe.jpeg

كريستوف رشوان. الصورة مقدمة منه.

"شخصيًا أجد أن مفهوم الموضة للجنسين هي قبول فكرة توحيد الأجناس والاعتراف بها. إنها تمثل التحرر من الصور النمطية والأفكار الجاهزة، وهذا بالضبط ما نحتاجه في منطقتنا العربية،" يقول كريستوف رشوان، 20 عامًا، عارض أزياء من لبنان ويضيف: "هناك علامات في لبنان تعمل على طرح مجموعات وملابس غير جندرية بهدف جعل هذه الموضة أكثر تداولًا، وهو أمر أفخر به جدًا. على الجميع ارتداء ما يرتاحون فيه وما يمثلهم ويشبههم كأشخاص."

ترى تسنيم أنه يمكن للموضة اللاجندرية أن تمثل خطوة نحو المساواة بين الجنسين في المنطقة، فمفهوم الـ Unisex هو أكبر من فقط شراء ملابس لكلا الجنسين، بل يتعداه إلى المساواة بين الجنسين وكسر الصور النمطية وتضيف: "هذه الموضة هي منهج حياة، إذا اتبعناه سيكسر قيود عديدة بين الصورة الجاهزة عن شكل ملابس الرجل والمرأة."

وهذا ما يؤكد عليه أنور: "أرى أن الموضة للجنسين هي المستقبل. في الواقع، في الوطن العربي هناك أصلاً تشابه في ما يرتديه النساء والرجال مثل الجلالب والقفاطين والعبايات، والأثواب والأقمشة الملونة والمزركشة، فالأساس موجود." أما أمين فيقول: "كنت سابقًا أشتري بعضًا من ملابسي من القسم المخصص للنساء في المتاجر، ولكن اليوم لا حاجة لذلك، فالموضة اللاجندرية Unisex في الوطن العربي في نمو مستمر، وأنا سعيد لرؤية ذلك."

أما اليزيد فيتحدث عن التغيير الذي يأمل أن يراه على الأرض: "عندما نشرت الصور على حسابي على إنستغرام بالفستان وصلتني العديد من الرسائل والتعليقات بعضها إيجابي والكثير منها سلبي. لا أرى كيف أن قطعة ملابس تحدد من أنت، وهذا يجب أن يتغير. وحتى لو كنت ضد هذه الموضة، فليس عليك أن تفرضها على الآخرين. ليهتم كل شخص بشؤونه الخاصة ويدع من حوله يعيشون بسلام."