10 أسئلة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على مسحراتي

في ظل أزمة الكورونا، أشعر أن الناس بحاجة لدعم نفسي، للتأكيد بأن الحياة لم تتغير بشكل كامل، صوت المسحراتي في الصباح الباكر قد يجعلهم يشعرون أن كل شيء على ما يرام
11.5.20
مسحراتي القدس شهر رمضان
داوود صابات. تصوير: علاء قسيس

"اصحى يا نايم وحد الدايم" لا يكتمل شهر رمضان بدون هذه الكلمات التي يصاحبها صوت قرع على الطبلة التي يحملها المسحراتي وهو يتجول في الشوارع فجراً لإيقاظ المسلمين ليتناولوا وجبة السحور. وعلى الرغم من عدم الحاجة للمسحراتي للاستيقاظ حيث يعتمد كثيرون الآن على المنبه، إلا أن هذه العادة التقليدية -التي يقال أنها ترجع لأيام الرسول حيث كان يقوم بها أول مؤذن بالإسلام بلال بن رباح- لا تزال مستمرة حتى اليوم وتضيف جواً من الألفة للصائمين. في القدس، يقوم الفلسطيني داوود صابات، 22 عامًا، بدور المسحراتي منذ سنوات. داوود الذي يدرس علم الحاسوب في جامعة بيرزيت في رام الله، يقول أن هذا العمل يجلب له السعادة والراحة النفسية، ولكنه يشير إلى أن الأزمة الصحية المرتبطة بوباء فيروس كورونا أثرت على طبيعة عمله. تحدثت مع داوود وسألته عن عمله كمسحراتي في عالم متغير.

إعلان

VICE عربية: مرحبا داوود، أنت مسيحي، لماذا قررت أن تصبح مسحراتي؟ ما الذي أعجبك في هذا العمل؟
داوود صابات: في الواقع، بدأت القصة صدفة، في يوم من الأيام كنت جالسًا مع أصدقائي لوقت متأخر من الليل في أحد أيام شهر رمضان المبارك، ومر المسحراتي داعياً الناس للتسحر، صوته مع الطبل، أضاف لمسة سحرية لساعات الفجر تلك، فقد كان الشارع فارغاً يملئه الصمت. أعجبت بالفكرة، وقررت أن أساعد هذا المسحراتي، وفعلاً في اليوم التالي استيقظت باكرًا قبل موعد السحور بساعتين، وانتظرت قدوم المسحراتي وشرحت له رغبتي بالانضمام له ذلك اليوم، وبالفعل سمح لي أن أتجول معه لأتعلم ماذا يفعل وماذا يقول. كنت قد تعلمت استخدام الطبلة كوني عضواً في الكشافة حيث نقوم بالعزف خلال الأعياد المسيحية، لهذا وجدت شيء مشترك، فلم يكن الأمر صعًبا بالنسبة الي.

في الأيام الأولى، كنت سعيداً بردود فعل الناس، وأذكر دعوة من أحد الجيران لي للسحور معهم، وقام آخرون بالدعاء لي بدعوات جميلة، مما أثر بي جداً. هذه التفاصيل جعلتني آخذ موضوع المسحراتي بجدية أكثر، حتى أصبحت بمثابة وظيفتي الثانية. ديانتي لم تكن السبب لحبي لهذا العمل، لقد تعلمت في مدرسة مسيحية كان فيها عدد كبير من الطلاب المسلمين، ونحن نتشارك بكافة الأعياد والاحتفالات، وهذا واقع وليس كلام منمق، نحن فلسطينيون أولاً، ونحن جميعاً أبناء الله.

ما هو أصعب شيء في كونك مسحراتيًا؟ أكيد الاستيقاظ باكًرا؟
لا شك إن هناك صعوبات في كوني مسحراتي، كما الحال في أي وظيفة. الاستيقاظ مبكرًا قبل موعد السحور بعدة ساعات ليس بالأمر السهل، ولكن الأهم أنني أشعر أن هناك مسؤولية تقع على عاتقي بوجوب التأكد بأن الصائمين من سكان حارتي قد استيقظوا، فالسحور هو أمر رئيسي للصائمين، ويُسهل عليهم صوم اليوم التالي. لقد تعود الكثير من سكان الحارة علي، وأصبحوا يعتمدون على صوتي للاستيقاظ، خاصة الكبار في السن فهم يحبون هذه الأجواء. هذا ما يدخل الفرحة لقلبي.

إعلان

ولكن هناك منبه يُمكن للناس الاستيقاظ عليه؟
صحيح، ولكن المسحراتي هي عادة تعود إلى مئات السنين ومرتبطة بالتراث الفلسطيني والإسلامي. لهذا على الرغم من تطور التكنولوجيا، إلا أن صوت المسحراتي لا يزال يُشعر الناس بشهر رمضان المبارك وأجواء العيد والبهجة. صحيح أن البعض يعتمدون على المنبه لايقاظهم، ولكن برأيي، لا يستطيع أي منبه حل محل المسحراتي.

هل تقوم بالعمل، كل ليلة، طوال الشهر؟
أنا أعمل في هذا المجال من عدة سنوات، كل سنة خلال شهر رمضان، وكل ليلة لحوالي ثلاث ساعات، ليومنا هذا لم أفوت سوى عدد قليل جدًا من الأيام. البعض قد ينظر إلى المسحراتي كعمل بسيط، وأن الجميع يستطيع أن يكون مسحراتيًا، ولكنها مهنة مميزة وتتطلب الإصرار والشغف لتستيقظ في ساعات الصباح الأولى قبل الجميع لمدة شهر كامل. لكن هناك سبب يجعلك تقوم من فراشك سواء كان الجو بارداً أم دافئاً، هذه المهنة تجلب لي السعادة وراحة نفسية لا توصف، فهي تستحق العناء.

طيب، صف لنا تفاصيل ليلة عمل؟
استيقظ بالعادة الساعة واحدة فجرًا كل يوم، أحمل الطبلة والعصا، وأبدأ بالتجول، أبدأ بأول حارة بجانب بيتنا، أمشي كل الشوارع وأنا أطبل وأردد هذه العبارات: يا نايم وحّد الدّايم، يـا غافي وحّـد الله، يا نايم وحّد مولاك للي خلقك ما بنساك. قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم. بعد التأكد من استيقاظ الجميع ومشاهدة الضوء في بيوتهم واحداً بعد الآخر، أعود للمنزل حوالي الساعة الرابعة فجًرا.

هل ترى أن الناس لا تزال تُقدر دور المسحراتي؟
بلا شك. بعض العائلات تقوم بشكري ويَدعون لي أجمل الدعوات، في هذه الأيام، أعود إلى البيت بيتي مرتاح البال وقلبي مطمئن. لكن هناك بعض الجيران الذين ينزعجون مني، فمنهم من لا يصوم أو من غير المسلمين، لهذا أحاول تجنب استخدام الطبل في الشوارع القريبة عليهم. لم أسمع أي تعليقات سيئة طوال سنوات عملي كمسحراتي، نحن نعرف بعضنا البعض، ونحترم جيراننا. لكن حصل موقف قبل فترة، حيث قام أحد الجيران، -وأعتقد أنه لم يكن عربيًا- بالإتصال بالشرطة ليشتكي لهم بأنني أقوم بإزعاجه بصوتي، وتم تحرير مخالفة لي بقيمة 500 شيكل (140 دولار).

حقاً، ولكن هل تحصل على المال مقابل ذلك؟
أعمل بهذه المهنة من دون مقابل، يكفيني أن الله معي ليجعل بالي مرتاح وصحتي جيدة. في ظل أزمة فيروس الكورونا، أشعر أن الناس بحاجة لدعم نفسي، للتأكيد بأن الحياة لم تتغير بشكل كامل، صوت المسحراتي في الصباح الباكر قد يجعلهم يشعرون أن كل شيء على ما يرام.

كيف اختلف دور المسحراتي اليوم عنه في الماضي؟
أعتقد أن المسحراتي في السابق، لم يواجه الصعوبات التي نواجهها اليوم، فقد كان يستطيع أن يتجول أينما شاء، لكن يوماً بعد يوم يقوم الإحتلال الإسرائيلي بالتضييق علينا، ويحدد ما يتوجب علينا فعله وأي المناطق يمكننا التجوال فيها، لا يمكنني مثلاً أن أجوب جميع حارات المدينة في القدس، كما أن هناك أشخاص دائماً ما يتصلون على الشرطة ويسببون لي المشاكل. لا شك أن حجم الاعتماد على المسحراتي للاستيقاظ تغير كذلك.

ما هي أجمل الطقوس بالنسبة لك في شهر رمضان؟
أحب زينة الشوارع والمصابيح الملونة والجمعات العائلية، وطبعاً الحلويات الرمضانية مثل القطايف الذي أنتظره كل عام.

كيف أثر فيروس كورونا على عملك هذا العام؟
أشعر بالحزن على كل الأشخاص الذين توفوا وأولئك فقدوا أحبائهم بسبب فيروس كورونا. نحن نمر بأزمة صحية ونفسية كبيرة تشمل العالم أجمع. عدى عن ذلك، لم يتغير الكثير، خلال عملي، لا اضطر لارتداء الكمامة لأن الشوارع تكون فارغة في الصباح الباكر وخاصة مع إغلاق الجوامع بسبب الفيروس، فلا يوجد مُصلين كما في الأعوام الماضية. كما أنني أهتم بصحتي وبتعقيم كل الأدوات التي أستخدمها. ولكن هذا العام، لم أستطع أن أتجول بسهولة كما في الأعوام السابقة، فهناك تشديدات وساعات معينة للتنقل. إن شاء الله تكون هذه آخر الكوارث وتعود الحياة الى طبيعتها.