مقال رأي

لماذا أعتقد أن المعايير الجديدة لجوائز الأوسكار ستضر أكثر مما تنفع

السؤال الأهم هل تمثيل شخص من هذه المجموعات المهمشة يعني حصوله على نفس أجر الممثل الأبيض؟
16.9.20
skynews-parasite-bong-joon-ho_4891490

 Parasite/Studio Canal

"أي فن وأي علم؟" عبارة أطلقها المخرج الأمريكي الشهير ديفيد ورك  (د.و) جريفيث، عندما علم بخبر إنشاء أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (الأوسكار). لم يعلم المخرج الملقب بشكسبير الشاشة أن قرنـًا قارب الاكتمال على ميلاد الأكاديمية، وتاريخها مكتظ بالجدل والتسييس والقرارات غير المفهومة بالنسبة لكثيرين.

الأسبوع الماضي أصدرت الأكاديمية بيانـًا توضح فيه مجموعة من المعايير الجديدة التي تهدف بها إلى تحقيق الإدماج الثقافي والتنوع في فئة أفضل فيلم.  وذكرت الأكاديمية في بيانها أن "المعايير صُممت من أجل التشجيع على تمثيل عادل على الشاشة وخلفها من أجل إبراز التنوع بشكل أفضل لجمهور السينما." الواقع أن بيان الأوسكار ليس رائدًا، بل استلهم كثيرًا من أفكاره من هيئة الفيلم البريطاني التي أصدرت بيانــًا في يوليو ٢٠١٩ عن التعددية والتنوع في صناعة الفيلم داخل بريطانيا.

إعلان

الكلمات الرنانة التي تلقيها الفنانات والفنانون على خشبة المسرح عند الحصول على التمثال الذهبي، ليست سوى دعاية للحفل والفنان نفسه، فكلمات ليوناردو دي كابريو عن التغير المناخي، وكريس روك عن عنصرية هوليوود، لا تؤثر على الأرض، ولا تغير في شيء. وُلد حفل الأوسكار في نهاية العشرينات، ثم دخلته السياسة في الأربعينات ثم اشتعل في السبعينات وحتى الآن، من خلال مواقف فردية لممثلين وممثلات ومخرجين ومنتجين ضد الحرب والعنصرية.

إلا أن الأكاديمية ظلت دومـًا في موقف الصامت غير الفاعل، حتى بدأت محاولات التغيير مع عام ٢٠١٥ من داخل الأكاديمية نفسها بعد اتهامها أنها بيضاء ولا يحصل على جوائزها فنانون سود أو من العرقيات الأخرى، وسط صناعة تصل أرباحها لحوالي ٤٢ مليار دولار ويسيطر  ٩٢٪ من الذكور فيها على منصب المخرج، و٨٦٪ من أبطال الأفلام من البِيِض. المعايير الجديدة سيبدأ تطبيقها تدريجيـًا، فمع حفل توزيع جوائز أوسكار ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ سيكون مطلوبــًا من صناع السينما تقديم استمارة معايير الإدماج بشكل سري، لكنها لن تكون إجبارية كي يُقبل العمل لفئة أفضل فيلم، لكن مع أوسكار سنة ٢٠٢٤، يجب أن يحقق الفيلم في هذه الفئة على الأقل اثنين من المعايير الأربعة كي يصبح مقبولًا.  فما هي المعايير الأربعة؟ ولماذا أرى أنها لا تحقق التنوع بشكل طبيعي؟

المعيار الأول:  تمثيل الأشخاص والأفكار والحكايات على الشاشة
ضمن المعايير الجديدة الخاصة بالممثلين تطلب الأكاديمية على الأقل وجود ممثل/ة واحد/ة في الأدوار المساعدة المتميزة أو الدور الرئيسي من الجماعات العرقية غير الممثلة بشكل كافي مثل: الآسيويين، اللاتينيين، السود، الأميركيين الأصليين، الشرق أوسطيين .. إلخ. معضلة هذه النقطة أنها بداية تضع الأسيويين أو اللاتينيين أو الشرق أوسطيين في سلة واحدة، فكيف يمكن أن نرى العراقي يمثل كل العرب في فيلم أمريكي؟ هذا التنميط يبدو تنوعـًا في ظن الاكاديمية. في الواقع، في كثير من الأفلام التي قدمت مؤخرًا وقصتها تدور حول عالم أبيض، سنجد فيها شخص أسود مثلًا يشارك في العمل، مما يعني ضمنـًـا أن الفيلم نجح في تحقيق مسألة تمثيل المجموعات المهمشة وأمثلة ذلك عديدة: Green book ،Victoria & Abdul، ولا ننسى بطلة فيلم الجوكر أمام يواكين فينيكس.

إعلان

إذًا، اللعبة تبدو ثورية لكنها تسير وفق قواعد الصناعة الراسخة لسنوات، والمعايير الجديدة ليست سوى إعلان يعبر عن التوجه السامي للأكاديمية، لكنه جزء من منظومة الصناعة القائمة. فوجود ممثل واحد على الأقل في الدور الرئيسي أو دور ثانوي مميز لا يمثل نسبة كبيرة على الإطلاق. أفلام كوينتن تارانتينو رغم أنها شديدة البياض في بنائها، إلا أن الممثل صامويل جاكسون شخص كثير الظهور فيها سواء بالبطولة أو دور ثانوي، لماذا؟ موهبة جاكسون؟ أم علاقته الجيدة بتارانتينو؟ لا أعلم، لكن لا شك أن جاكسون لم ينضم لفريق العمل وفق استمارة معايير التعددية في أفلام Pulp Fiction أو Jackie Brown أو Django أو The hateful eight. والسؤال الأهم هل تمثيل شخص من هذه المجموعات المهمشة يعني حصوله على نفس أجر الممثل الأبيض؟

ما الذي تقصده الأكاديمية هو أن نأتي بفكرة بطلتها امرأة أو شخص مثلي؟ أليس فرض ذلك نوع من التحكم في حرية الابداعية؟ أليس شبيهـًا بالكوتة أو الحصة التي توضع للنساء في البرلمانات لزيادة تمثيلها السياسي

داخل نفس المعيار تطالب الأكاديمية بنسبة ٣٠٪ على الأقل من الممثلين/الممثلات في الأدوار الثانوية والصغرى من مجموعتين إن لم يكن أكثر من المجموعات التالية: النساء، المثليون جنسيـــًا وغيرهم من الأقليات التي تعبر عن هُويتها الجنسية بشكل يخرج عن النمط التقليدي، ذكر وأنثى، الأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية والذهنية وضعاف السمع. تبدو هذه النقطة جيدة في ظاهرها لكنها تعاني من مشكلة خطيرة لطالما واجهها الفن والإبداع وهي: هل نختار الأشخاص بسبب موهبتهم أم بسبب توجههم السياسي والجنسي والديني؟ هل ينبغي مثلًا على شخص مثلي جنسيــًا أن يفصح عن هُويته الجنسية كي يحصل على فرصة في الفيلم؟ ماذا لو كان موهوبـًا للغاية لكنه لا يريد الإفصاح عن انتمائه الجنسي؟

بخصوص سيناريو الفيلم، فهي تشبه تمامـًا فكرة الممثلين، حيث تطالب المنظمة أن يرتكز الفيلم في فكرته على نفس المجموعات المهمشة من نساء ومثليين وذوي احتياجات خاصة. ما تقصده الأكاديمية هو أن نأتي بفكرة بطلتها امرأة أو شخص مثلي؟ أليس فرض ذلك نوع من التحكم في حرية الابداعية؟ أليس شبيهـًا بالكوتة أو الحصة التي توضع للنساء في البرلمانات لزيادة تمثيلها السياسي، وفي نفس الوقت لم تتغير أي من القوانين أو الأحكام الاجتماعية على المرأة، ففي حين أنها قد تحصل على مقعد في البرلمان، مازالت النساء تُقتل على أيدي أهلهن وتتم محاكمتهن على الرقص في فيديو تيك توك، ما الذي غيرته الكوتة النسائية، وما الذي سيغيره وجود بطلة مثلية أو سوداء أو من ذوي الاحتياجات الخاصة إذا كان المجتمع مُصرًا على اضطهادهن في العمل وفي الحياة؟

إعلان

في الواقع، خلال العشر سنوات الأخيرة قدمت هوليوود عددًا من الأفلام التي تحكي قصص المجموعات المهمشة مثل Get out و BlacKkKlansman و Moonlight وغيرها، أنتجت هذه الأفلام وفق رؤية فنية لفريق العمل من منتج ومخرج ومؤلف، للتعبير عن واقع ما يعاني منه السود، ربما كان الدافع وراء الإنتاج شغفـًا أو حبـًا للفكرة أو معاناة، لكنه لم يُنتَج بهذا الشكل نتيجة ملء استمارة من أكاديمية فنون وعلوم الصورة، كأننا نملأ استمارة التقديم على تأشيرة لدولة أوروبية. وهذا الفرق مهم جداً وخاصة في عالم الفن، العالم الوحيد الذي كنا نتمنى أن لا تصيبه أعين الصوابية السياسية.

المشكلة هنا ليست في تمثيل الجماعات المهمشة، أو محاولة تحقيق التنوع وإبراز الثراء البشري، لكن المعضلة الحقيقة هي في وضع لائحة "تقويم" لصناع السينما، وكأنها تقول لهم: أنتم مخطئون وعليكم تصحيح مفاهيمكم، والسير وفق الصحيح الذي نراه. هذه الرؤية المضطربة للأكاديمية قائمة على مفهوم خطير وهو الــ Political correctness أو الصوابية السياسية، التي تتلخص في استخدام لغة معينة لتغيير رؤيتنا أو إدراكنا تجاه قضية معينة. ولكن الصوابية السياسية خسرت منذ مجئ دونالد ترامب للحكم، والذي قدم نموذجاً من الشعبوية على حساب الصوابية، لماذا تريد الأكاديمية الانفصال عن ما يجري حولها في العالم؟ ما حاولت الأكاديمية أن تفعله خلال السنوات الأخيرة منذ وصول ترامب للسلطة، ومواجهتها لخطاباته العنصرية والتمييزية، تحول إلى نفس الخطاب الذي يُحجم الإبداع الفني، حتى لو كان إبداعـًا متحيزًا لفكرة ما، فالإبداع لا يواجه سوى بالإبداع.

المعيار الثاني: فريق العمل والقيادة الإبداعية
تستمر الأكاديمية في تكرار نفس الطلب، لكن هذه المرة  مع فريق العمل وراء الكاميرات، فيجب أن يوجد في الفيلم على الأقل ٢ من قادة العمل ينتمون للمجموعات المهمشة المذكورة سابقـًا مثل المخرج أو المؤلف أو مؤلف الموسيقى أو المنتج أو مهندس الديكور، وأن يكون هناك واحد على الأقل من المجموعات العرقية المهمشة مثل اللاتينيين والعرب،. وأن نجد ٦ أشخاص من نفس هذه المجموعات في المواقع الأقل، و ٣٠٪  على الأقل من نفس المجموعات في باقي فريق العمل.

إعلان

الفكرة ليست سيئة، فقد عانى المبدعون من غير البيض من التمييز في فرص العمل في هوليوود، ولكن السؤال هو كيف يمكن تحقيق هذا التنوع في كل الأفلام؟ مثلًا جمع فيلم The revenant كل من المخرج المكسيكي الكبير أليخاندرو إيناريتو ، وكان مدير تصوير الفيلم مكسيكي أيضـًا، والمسؤولة عن اختيار الممثلين سيدة أمريكية، ومؤلفي الموسيقى ألماني وياباني وأبطال الفيلم أمريكان وبريطانيين.  نجح هذا الفيلم بتحقيق التنوع بدون تعبئة أوراق والحصول على نجمة.

ولكن كيف يمكن تطبيق هذه المعايير على فيلم Parasite الذي حاز جائزة الأوسكار بداية هذا العام، والذي يحكي قصة إنسانية بتفاصيل محلية عن الواقع في كوريا الجنوبية، كيف يمكن أن يُطلب من فريق العمل أن يتضمن بعض هذه المعايير، والفيلم المرشح والقارة التي يمثلها لطالما عانت التهميش لعقود؟ وكيف نضمن التعددية في فريق عمل الفيلم، لو مثلًا في دولة (أ)، تتمتع بتجانس عرقي، ولا يوجد  أعراق مختلفة، والحكومة لا تحبذ التعددية ولا تريد مهاجرين، ثم أنتج فيلم رائع على المستوى الفني وأصبح هو الفيلم المرشح للدولة (أ) للأوسكار في فئة أفضل فيلم، هل سترفضه الأكاديمية وفق هذه المعايير؟ الإجابة ستكون نعم، وهنا سيظهر تمييز من نوع آخر، وسندخل في دائرة مفرغة من الواجب والممكن.
إذا أراد القائمون على الأكاديمية ضبط الأوضاع السيئة عليهم أن يفعلوا هذا داخل هوليوود أولًا، ومن خلال تغيير تدريجي للثقافة، بحيث يؤمن صناع السينما في هوليوود حقــًا بالتنوع، وليس على الورق فقط - واقترح أن تبدأ في المساواة في الأجور بين الممثلات والممثلين.

المعيار الثالث والرابع: فرص العمل والجمهور
هذان المعياران لا يختلفان في تفاصيلهما عن ما ذُكر في المعيار الأول والثاني، فمعيار فرص العمل يُطلب فيه توفير تدريب للأجيال الشابة في صناعة السينما من نفس المجموعات المهمشة (نساء، مثليين، ذوي احتياجات خاصة ..) وأن تكون هذه التدريبات في مجالات صناعة الفيلم المختلفة من أول مرحلة تطوير السيناريو حتى الإنتاج الفعلي على الأرض ثم المونتاج.  كما يجب على شركة الإنتاج أن توفر فرص تدريب وتطوير مهارات لنفس المجموعات. أما معيار الجمهور، فهو يهدف إلى تحقيق تنوع داخل فرق تسويق والدعاية والتوزيع للفيلم، حيث يجب وجود تمثيل لهذه المجموعات المهمشة المذكورة جميعها سواء عرقيـًا أو جنسيــًا أو جندرياً. الرغبة في تحقيق ذلك حسنة النية، لكنها وفق معايير السوق قد لا تحدث، الوسط السينمائي لطالما عُرف بالوساطات والمحسوبية والعلاقات أو (الشللية)، فكل مجموعة تصنع حول نفسها فقاعة ولا يدخلها أحد من الخارج، بل يمكن أن تتحول هذه المحاولة لتحقيق التعددية أداة دعائية في صالح شركات الإنتاج التي ستتحدث عن مدى إتاحتها فرص التدريب للمهمشين، لكن كيف نستطيع قياس ذلك؟ ما الخبرات التي يكتسبها المتدربون؟ وهل ظروف عملهم صحية أم أنها مجرد واجهة؟

شكرًا عزيزتي الأكاديمية لقد أعدتِ اختراع العجلة من جديد

جميع هذه المعايير لا تنطبق على بقية الفئات الأخرى مثل أفضل فيلم رسوم متحركة أو أفضل فيلم وثائقي، بل فقط فئة أفضل فيلم.  وهذا يثير عندي تساؤلات تتعلق بمدى تسييس الأكاديمية لحفل الأوسكار، لماذا هذه الفئة تحديدًا؟ هل لضمان التنوع حقــًا أم أن هذه هي الفئة الأهم والأكثر جذبـًا للمشاهدين والمعلنين، في ظل وجود ملايين حول العالم يشاهدون الحفل؟ خلال السنوات الثلاث الماضية تخطت مشاهدات الحفل الـ ٢٠ مليونـًا، ووصلت أرباح الحفل إلى ما يقرب ١١٤ مليون دولار أمريكي في حفل الأوسكار ٢٠١٩.

في ظني أن ما تقدمه الأكاديمية ليس أكثر من حملة تسويقية كبرى للأفلام، وليس تغييرًا حقيقيًا بالنسبة لمن يعملون في صناعة السينما، بل أن بيان الأوسكار المنادي بالتعددية لا يؤكد سوى المعضلة التاريخية المعروفة في هوليوود (الرجل الأبيض يحكم كل شيء)، شكرًا عزيزتي الأكاديمية لقد أعدتِ اختراع العجلة من جديد، ففئة أفضل فيلم سينمائي لطالما حصل عليها أفلام ناطقة بالإنجليزية، وماحدث مع فيلم Parasite العام الماضي هو الاستثناء وليس القاعدة. كما أن توجه الأكاديمية، باعتبارها مؤسسة وليست أفرادًا، قد لا يصنع التعددية المرغوبة في الصناعة بقدر ما قد يؤدي إلى تحجيم الاختيارات، فنجد أن الأفلام المرشحة في فئة أفضل فيلم ٥ بدلًا من ١٠، فتعود بنا هذه الرغبة في التعددية والتنوع إلى المربع صفر، سواء كان صناع العمل ذوي بشرة بيضاء أو سوداء أو من سكان المريخ.