اليوم العالمي للبيئة

في يومها العالمي، هل استفادت البيئة من فيروس كورونا؟

البيئة لم تتعاف تماًما، لأن التلوث والضرر البيئي سيحتاج إلى عقود لتخف آثاره، ولكن لنقل أن البيئة خلال هذه الفترة استطاعت أن تتنفس وترتاح على الأقل
5.6.20
corona-virus

قد تكون البيئة الوحيدة التي استفادت من تفشي فيروس كورونا وإن كان بشكل غير كبير، فقد أشارت نتائج استخلصها باحثون من مركز "أبحاث الطاقة والهواء النقي" المتخصص في دراسة التَبِعات الصحية لتلوث الهواء، بأن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، الناجم عن استخدام الوقود الأحفوري، تراجعت بنسبة 25 في المئة بسبب الإغلاق والإجراءات المُتخذة لاحتواء فيروس كورونا المستجد. كما توقع خبراء أن فرض قيود على السفر والتنقل قد ساهم بتقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وكانت دراسة أُجريت عام 2017 أفادت بأن بمقدور كل فرد منّا، اتخاذ ثلاثة قرارات ذات طابع شخصي، من شأنها إحداث تقليص في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي تقليل حركة السفر بالطائرات والتنقل بالسيارات، وكذلك استهلاك اللحوم. لنعرف أكثر عن حجم استفادة البيئة من فيروس كورونا، تحدثت مع الأستاذة الجامعية خديجة حبوبي، مديرة مركز الأبحاث ورئيسة شعبة البيئة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالمغرب.

إعلان

VICE عربية: هل حقاً استفاد كوكب الأرض من جائحة كورونا؟
خديجة حبوبي: أهم مشكلة يعانيها كوكب الأرض هي مشكلة الغازات الدفيئة، ومع نقص الأنشطة الاقتصادية والصناعية تحديدًا تقصلت نسبة بعض الغازات كأوكسيد النتروجين كما يظهر في بعض صور المسح بـ الأقمار الصناعية للصين التي انتشر منها فيروس كورونا والتي تُعد من أكثر مناطق الأرض تلوثاً. هذه الغازات هي المصدر لمعظم المشاكل التي تفتك ببيئة كوكب الأرض، ما يعني أن كوكبنا تمتع بفترة من الراحة التي ستعود علينا بالكثير من النفع إذا ما أبقينا على احترامنا له. ثاني أوكسيد الكربون ناتج عن احتراق الطاقة الأحفورية، وهذه الطاقة تنتج عن الأنشطة الصناعية وحركة وسائل النقل، وخلال توقف هذه الأنشطة وحركة التنقل تراجع غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي بـنسبة 17% في النصف الأول فقط من أبريل ما سمح للغلاف الجوي بتجديد نفسه، حتى أن الهواء بدى نظيفا كما رأينا في بعض الصور لبعض المدن الكبرى التي تُعاني من التلوث، قبل وأثناء الحجر المنزلي.

يعني هل استطاعت البيئة في فترة الحجر المنزلي أن تتعافى من الأضرار التي لحقت بها قبل الجائحة؟
لن نسميه تعافًيا وإنما أشبه بعملية تخلص من السموم، فالدراسات البيئية التي أنجزت مؤخرًا تُجمع على أن نسبة التلوث قلت بنسبة كبيرة تزيد عن 40 في المئة، وأقصد بالتلوث جميع أنواع التلوث، تلوث الهواء والماء والتربة وغيره من أنواع التلوث الذي كان السبب في أن بيئتنا أصبحت مُعتلة. لكن هذا لا يعني أن البيئة تعافت تماًما، لأن التلوث والضرر البيئي الذي بدأ منذ بداية الثورة الصناعية سيحتاج إلى عقود لتخف آثاره، وهذا في حال كان هناك عمل حقيقي لإنهائه. لنقل أن البيئة خلال هذه الفترة استطاعت أن تتنفس وترتاح على الأقل.

ماذا عن ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، هل كان هناك أي تغيير ملموس؟
يعَرف التغير المناخي الذي تعرفه الأرض بأنه ازدياد في درجة الحرارة ما يعني أن المناخ لا يعود معتدلًا، وإذا ما كانت بعض الغازات تظل في المناخ لثلاثة أيام كحد أقصى، فإن غازات أخرى قد تبقى لعشرات السنين كثاني أوكسيد الكربون والميثان وأوكسيد النتروجين ومركبات الكلوروفلوروكربون. بقاء هذه الغازات في الجو يتسبب في حبس نحو 90% من الحرارة القادمة من الشمس نحو الأرض داخل الغلاف الجوي وتزيد من درجة حرارة كوكبنا ما سيتسبب بكوارث بيئية في المستقبل. بقاؤنا في بيوتنا بسبب كورونا لا يعني أن تغيًرا ايجابيًا أو سلبيًا قد طرأ على المناخ، وإنما قد تسمح هذه الفترة بتباطؤ التغير المناخي على المدى البعيد.

إلى جانب غاز ثاني أوكسيد الكربون توجد غازات أخرى مسؤولة بشكل مباشر عن الاحتباس الحراري، هذه الغازات تمنع الأشعة التي تصل الى الارض، وبالتالي فإنها تتسبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض. خلال فترة الحجر الصحي استطاعت هذه الأشعة أن تجد لها مخرجًا، وبالتالي أن تعرف ظاهرة الاحتباس الحراري استقراراً مؤقتًا، حسب توقعاتي. كما أن تناقص عمليات الصيد والرعي الجائر ورفع الضغط على الموارد الطبيعية وتراجع قطع الغابات سمح بانتاج المزيد من الأوكسجين مما خلق نظامًا ايكولوجًيا صحيًا أكثر، ووفر له فُسحة لاسترداد سلامته. منذ أن توقف الإنسان عن ممارسة أنشطته الاستغلالية كقتل الحيوانات، وتدمير الأراضي الزراعية لبناء مُجمعات سكنية أو معامل ومصانع، بسبب الجائحة شهد التنوع البيولوجي انتعاشًا ولو كان بسيطاً.

ماذا عن ثقب الأوزون؟ هل حقاً تقلص؟
كما نعلم أن طبقة الأوزون تحمي كوكب الأرض من أشعة مؤذية تصدرها الشمس (الأشعة فوق البنفسجيّة). ثقب الأوزون متغير الحجم، فحجمه غير ثابت، وقد يختفي ويعود، ويتغير من فصل لآخر أو من شهر لآخر. ما حدث هو تقلص ثقب في طبقة الأوزون في القطب الشماليّ، كما تؤكد الدراسة التي أجراها المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية المتوسطة المدى، بحسب ما أعلنت عنه أواخر شهر أبريل الماضي، لكن هذا التقلص ليس له علاقة مباشرة بالتغيير في نظام العيش الذي تسببت به كورونا، بل ناتج عن دوامة قطبيّة غير عادية في قوّتها وطول أمدها، هذا ليس تعافي طويل الأجل. ولكن، ثمة أمل.

يُتوقع أن تعود الأنشطة الاقتصادية المُضرة بالبيئة بشكل مضاعف بعد نهاية الحجر، كيف سيؤثر ذلك على البيئة؟
سيدمر ذلك البيئة بشكل حتمي، وكأن لا تغيير إيجابي قد حدث. أما إذا خرجنا من هذا الحجر بتعلم درس مفاده أننا بحاجة لتغيير نمط عيشنا وأسلوب حياتنا من خلال عاداتنا اليومية، كأن نبتعد عن استعمال البلاستيك أو نستعمل البلاستيك المُعاد تدويره، وأن نُقلص من نَهم التسوق والموضة السريعة، ونختار شراء ملابس مصنوعة من ألياف مدورة، وأن نتمشى إلى البقالة بدل الذهاب بالسيارة، والاهتمام أكثر بمصادر ما نستهلكه. بصيغة أخرى التحول من التنمية التي تهدف إلى الربح فقط إلى التنمية المستدامة التي ستحقق لنا حياة أصح على المدى الطويل، بذلك سنوفر للأجيال القادمة أيضا فرصة الاستمتاع ببيئة صحية. بحسب تفسير علماء البيئة فإن فيروس كورونا هو أشبه بتحذير تحذرنا به الطبيعة لوقف استهتارنا بالبيئة. أعتقد أن هذا الفيروس جاء ليعلمنا درسًا، فمنذ أن لزم الناس بيوتهم من أجل الحفاظ على سلامتهم، بدأت البيئة باستعادة حيويتها، وهذا يمكن أن يعلمهم أنهم هم من كانوا السبب في المشكلات البيئية وهم من سيتمكنون من الحد منها.