صحة نفسية

شباب سعوديون يتحدثون عن حاجتهم للدعم العاطفي والنفسي

الكبت يتسبب بمخاطر نفسية وجسدية خطيرة قد تصل إلى الوفاة بسنّ مبكر
25.10.20
francisco-gonzalez-M8UEJd58GcE-unsplash

"خليك كالصخرة. لا تبكي عيب أنت رجّال. الحبس للرجال والبكي للنسوان. الرجالة ما بتعيطش.. وغيرها وغيرها من الأمثال التي قد توضح كيف يغرسُ المجتمع العربي فينا العديد من الأفكار الذكورية الخاطئة والتي يتربى الطفل عليها ويصدقها لتشكّل ملامح حياته كاملة. ربطَ المجتمع بين عاطفة الذكور والضعف جعل العديد من الشباب أمام الخيار الأخطر وهو كبت مشاعرهم وعدم البوح أو التعبير عن ما يعيشونه من قلق أو مرض أو شعور بالألم سواء كان جسدياً أو نفسياً.

ولكن كبت المشاعر له جانب خطير على الصحة النفسية، وهذه المشاكل تبدو أكثر تعقيدًا عند الرجال، بحسب العديد من الدراسات، حيث أظهرت دراسة صادرة عن كلية هارفارد للصحة النفسية أن الكبت يتسبب بمخاطر نفسية وجسدية خطيرة قد تصل إلى الوفاة بسنّ مبكر. وفي دراسة أجراها معهد "مايندلاب" للأبحاث النفسية، تبيّن أن الرجال يشعرون بعاطفة مثل النساء وأحياناً أقوى، ولكنهم أقل تعبيراً وإظهاراً لمشاعرهم بسبب الصورة النمطية عنهم في المجتمع. الرجال الذين نشأوا في نظام ذكوري لديهم مشاعر معقدة تجاه عواطفهم. في كثير من الأحيان، يحاولون إيقاف هذه المشاعر أو تجنبها تمامًا. وغالبًا ما يتعامل الرجال مع مشاكلهم النفسية -بحسب دراسات -عن طريق الإفراط في العمل، أو من خلال اللجوء إلى المخدرات والكحول كوسيلة لتجنب التعامل مع الاكتئاب والقلق.

لكن اليوم يحاول العديد من الشباب التخلص من الحواجز التي رسمها المجتمع رغماً عنهم عبر الحديث عنها بصوت مسموع. على تويتر وبعد أن نشر الطبيب النفسي السعودي عبدالله غازي تغريدة يتحدث بها عن أهمية الدعم النفسي للذكور، وضرورة تطبيع احتياج الذكور للدعم العاطفي. مما دفع مجموعة من الشباب السعوديين لإطلاق هاشتاغ أنارجلوأحتاجالدّعمالعاطفي والذي تضمّن آلاف من التغريدات شارك بها العديد من المغردين بالوطن العربي. ووصف البعض التربية الذكورية التي تركز على كبت المشاعر تحت مسمى الرجولة بالـ تربية الخاطئة، فيما تحدث آخر عن الـ تأثير السلبي للمجتمع الذكوري على حياته العاطفية. وكانت بيانات نشرتها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في السعودية في العام 2017، قد أظهرت أن نسبة الرجال الذين لجأوا لطلب مساعدة مراكز الإرشاد الأسري التابعة للوزارة تقدر بنحو 20٪ فقط فيما البقية من النساء. إخفاء مشاعرك كرجل عن الآخرين يعني أيضًا إخفائها عن نفسك، مما يعني تقليل الوعي الذاتي بصحتك النفسية والجسدية، وبالتالي عدم طلب المساعدة التي تحتاجها.

خلال حديثي مع عدد من الشباب السعوديين، اتفقت الأغلبية على أن التعبير عن المشاعر ضروري، ولكن يجب أن يكون هناك "حدود." فيصل، 19 عاماً، يقول أنه يؤيّد فتح النقاش ووجود حملات لدعم الرجال عاطفياً ولكنه يخاف من زيادة الأمور عن حدها، حسب وصفه: "من الطبيعي أن يظهر الرجل عاطفته "مو عيب." بالنسبة لي أفضّل أن أخفي أحزاني وهمومي كي لا يتأثر من حولي، ولكي استطيع تقديم الدعم لمن يحتاجه. بشكل عام، أنا لا أربط الرجولة بكبت العاطفة بل أنصح بإظهارها وتوظفيها بالطريقة الصحيحة، مثلاً نحن كمجموعة شباب أصدقاء نتشارك أحزاننا ونتحدث عن مشاكلنا ونحاول حلها -بس ما توصل  لدرجة نبكي ونحضن بعض."

المجتمع بكل الأحوال لن يتوقف عن انتقادنا، والانصياع له بكل أمورنا الشخصية هو كارثة

في المقابل يرى مؤيّد، 22 عاماً، أن مفهوم الرجولة "المتفق عليه" غير صحيح ويضيف:"الرجولة الحقيقية تكمن بتفهّم مشاعرك والتصرف بشكل طبيعي غير مصطنع أو مفروض عليك مع نفسك ومن حولك." يضيف مؤيد أن البكاء وسيلة تعبير كالضحك والغضب، وهو سلوك صحي يوصي به الأطباء لأن الكبت يؤدي للوفاة كما حدث لأشخاص في محيطيه. ويقول: "إحنا لسنا مزهرية، البكاء جزء من الفطرة الإنسانية، ولكن العديد من الرجال يرونه كتصرف معيب، ويجعل الرجل يبدو كجبان. المجتمع بكل الأحوال لن يتوقف عن انتقادنا، والانصياع له بكل أمورنا الشخصية هو كارثة."

ولكن لا زال البكاء نقطة حسّاسة يخشى منها الشباب بسبب نظرة المجتمع بالرغم من معرفتهم لأهميتها كما يقول سلمان، 25 عاماً: "هذا ليس تصنّعاً أو محاولة لإخفاء المشاعر وإظهار القوة، ولكن بالفعل لا شيء يؤثر علي لحدّ البكاء، أنا لست جماداً وأتأثر بعدّة مواقف بالطبع، وأحزن، لكن لا أبكي، البكاء آخر مراحل الانهيار. أنا اعتبر نفسي أكثر شخص حساس بالعالم ولا علاقة للبكاء بذلك." ويضيف: "لدي العديد من الالتزامات والمسؤوليات وأشعر أن إظهار مشاعري لأهلي غير مفيد. أفضّل تفريغ عاطفتي بالرياضة، الغناء، الصراخ، أو الحديث مع الأصحاب."

وقد أظهرت بعض الدراسات الطبية بأن البكاء مفيد للصحة النفسية والعاطفية. فالدموع تقوم بتنظيف العين وتلعب دوراً حيوياً ومهما في التخفيف من التوتر النفسي الذي يمكن أن يتسبب في تفاقم بعض الأمراض مثل قرحة المعدة والتهابات غشاء القولون المخاطي، وارتفاع ضغط الدم.

وبشكل عام، وجدت الدراسات النفسية أنه في المتوسط، تبكي النساء ثلاث إلى خمس مرات أكثر من الرجال. ويبكي الرجال والنساء على نفس الأشياء مثل وفاة أحد أفراد أسرته والانفصال الرومانسي والحنين إلى الوطن. وتَدعي بعض الدراسات أن مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال تمنعهم من البكاء، فقد ظهر أن الرجال الذين يعالجون بأدوية سرطان البروستاتا يلاحظون انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون ويكونون أكثر عرضة للبكاء.

ولكن الاعتقاد بأن النساء أكثر عرضة من الرجال لإظهار المشاعر هو غير صحيح تماماً، حيث تشير دراسات، إلى تفسير أكثر دقة للاختلافات بين الجنسين في التعبير. النساء لسن أكثر تعبيرًا بشكل عام من الرجال، ولكنهن أكثر تعبيراً عن المشاعر الإيجابية مقارنة بالرجال، حيث كان الرجال أكثر عرضة لإظهار الغضب مثلاً أكثر من النساء. فالأمر لا يتعلق بمن يعبر أكثر، ولكن ردة الفعل لا تعتمد فقط على جنس الفرد ولكن على الحالة العاطفية التي يمر بها. بكاء الرجال وعدم التعبير عن مشاعرهم مرتبط بمحاولة تجنب السلوكيات التي يمكن تفسيرها على أنها أنثوية. وتثبيط التعبير العاطفي لدى الرجال هو الذي يعزز الصورة النمطية الشائعة من أن النساء أكثر عاطفية من الرجال.

يتفّق الشباب الذين تحدثت معهم على أن النساء هن مصدر العاطفة ويتقبّلون تعبيرها لعاطفتها بشكل إيجابي، ولكن هل يرتاحون بالتفريغ عن عواطفهم أمام النساء؟ يقول فيصل: "من وجهة نظري، الحنيّة أكبر في النساء، لذا يكون التعبير وإظهار العاطفة أمامهن أسهل، ولكن نحن أيضاً نظهر عواطفنا من خلال "الفضفضة" بين بعضنا كشباب."

عبدالله، 21 عاماً، يفضّل الكبت عن مشاركه عواطفه أمام المرأة، لأن النساء يدعين أنهن يساندن الرجال، ولكن على أرض الواقع يختلف الأمر بحسب قوله: "المرأة أكثر تعبيراً عن العاطفة ولا تخجل من ذلك، بل تتلقى الدعم والتشجيع على عكس الرجال الذين يُنتقدون لنفس الفعل. والغريب أن المرأة نفسها -أو بعضهن -لا تتقبل هذا التصرّف من رجل. فقد كانت حبيبتي السابقة تكره صمتي وكتماني وكانت تشجّعتني على مصارحتها. فعلت ذلك بعد فترة وبكيت أمامها، والنتيجة أنها هجرتني لأنها لم تعد تشعر بالقوّة والأمان معي واعتبرتني إنسان هش، بالرغم أن معاملتي لم تتغير معها. لم أعد أثق بإظهار مشاعري أمام أحد." طبعاً هذه حالة خاصة لا يجب تعميمها على باقي النساء.

عبد العزيز، 27 عاماً، يصف نفسه بكتاب مفتوح، فهو لا يخفي مشاعره ولا يخجل منها، ويقول: "قد أنفجر إن أبقيت مشاعري السلبية والإيجابية تتخبط بداخلي. أصارح كل من حولي بما أشعر، حتى الذين بكيت من أجلهم." ويضيف: "بسبب المشاكل التي تحصل بحياتي والتقلبات النفسية ونوبات الكآبة التي تصيبني، أحرص على تفريغ وتنقية عقلي وقلبي من كل المشاعر يومياً قبل النوم. عادة ما أعبّر بالمصارحة، عزف البيانو أو كتابة تغريدات درامية بعد منتصف الليل على تويتر- وهو ما أندم عليه في اليوم التالي (يضحك). في الواقع، لا شيء أفضل من مشاركة مشاعري مع أشخاص يشبهوني ومستعدين دائماً لسماعي، أو اللجوء لطبيب نفسي عند الحاجة. أنصحكم جميعاً بفعل ذلك. بعيداً عن تصنيفات جاهزة عن ما يجوز ولا يجوز للرجل."

في النهاية، إليكم بعض النصائح التي يمكن أن تساعدكم على تشجيع الرجال الذين في حياتكم على أن يكونوا أكثر راحة في مشاركة مشاعرهم لحمايتهم من تأثير الكتمان على صحتهم النفسية والجسدية:

-تجنب التقليل من شأن الاكتئاب أو الأمراض النفسية عند الرجال. قد يكون العثور على الكلمات الصحيحة أمرًا صعبًا وقد يكون نطقها أمرًا محرجًا، عند التحدث لوالدك أو زوجك أو صديقك، لكن الاستعداد للاستماع، دون إصدار أحكام، غالبًا ما يكون أفضل ما يمكنك فعله. شجعهم على مشاركة مشاعرهم وعواطفهم معك، وقدم لهم  الدعم المعنوي الذي يحتاجونه بدلًا من التقليل من حجم المشكلة. وإنصحهم بالحصول على مساعدة نفسية من طبيب إذا اقتضى الأمر.

-كن جزءًا من الحل من خلال تشجيع الرجال بصدق على التعبير عن المشاعر بشكل أفضل. نحن كنساء ورجال يجب أن لا نحكم على أنفسنا وعلى الآخرين من منظور ذكوري، وأن نقبل حقيقة أن التعبير عن المشاعر والبكاء هي ميول طبيعية لجميع الناس، بغض النظر عن الجنس. يجب ألا يرتبط البكاء بأدوار الجنسين. التعامل مع المشاعر ومعالجتها هو ما يجعلنا بشر، والبكاء عاطفة أساسية.

-يمكننا تغيير الكثير بشكل فردي، من خلال تشجيع الأطفال والأولاد على التعبير عن المشاعر وإظهارها. يمكن أن يكون الرجال قدوة أمام أطفالهم من خلال التعبير عن المودة والعاطفة، مثلاً إخبار أطفالهم أنهم يحبونهم، وإظهار أنه لا بأس من البكاء في حفلات الزفاف والجنازات أو عندما يصابون بالمرض أو التعب. تعليم الأولاد كيفية التعبير عن مشاعرهم سيكون له تأثير إيجابي على حياتهم في المستقبل.