سينما

فيلم الموريتاني.. انقذوا الإيغوانا واقتلوا الإنسان

يكتشف الفيلم كبر الكذبة ومدى بشاعة وإجرام هذه الدولة التي لا تتوقف عن رؤية العالم من منظورها الضيق والمريض
033ec588-6711-4590-b5f0-cbffb1ceddc4-P760_SG_00511
STX Films

"لقد كنتُ أحارب مع القاعدة، وحينها لم يكن تنظيم القاعدة قد أعلن الحرب ضد الولايات المتحدة. لقد أخبرونا أننا سنقاتل مع إخواننا الأفغان ضد الشيوعيين. في منتصف التسعينات أعلن التنظيم الحرب ضد أمريكا، لكن لم يكن لي علاقة بهذا الأمر." -محمدو ولد صلاحي من يومياته المنشورة بعنوان (يوميات غوانتانامو) 

يحكي فيلم "الموريتاني- The Mauritanian" بطولة جودي فوستر وطاهر رحيم، وإخراج كيفن ماكدونالد، قصة محمدو ولد صلاحي (يجسد دوره طاهر رحيم)، المواطن الموريتاني الذي اُتهم باختيار مجموعة الإرهابيين الذي شاركوا في أحداث 11 سبتمبر 2001، ويسرد الفيلم تجربة اعتقاله غير القانوني في سجن غوانتانامو لمدة ١٤ عامًا حتى أُطلق سراحه عام 2016.

إعلان

يتحدث محمدو ولد صلاحي أثناء أول جلسة محاكمة في الفيلم، عن الدولة الأمريكية التي مثلت الحلم لكثيرين من مواطني دول العالم الثالث، الذي آمنوا بأن الولايات المتحدة هي بلد القانون، وتخيلوا الحلم الأمريكي الذي سيوضع تحت أقدامهم فيغير حياتهم، مثل الفانوس السحري، ليكتشف كبر الكذبة ومدى بشاعة وإجرام هذه الدولة التي لا ترى العالم سوى من منظورها الضيق والمريض.

الفيلم كان ثقيلًا على نفسي، لا سيما في مشاهد تعذيب (صلاحي). وعلى الرغم من أن لقطات التعذيب في الأفلام أصبحت معتادة، خاصة في السجون والمعتقلات، إلا أن التحدي الذي صنعه الفيلم يتعلق بإشكالية أخلاقية كبيرة حول البراءة والوصول للحقيقة بأي ثمن، وهل العدالة تعني الزج باسم شخص برئ في جريمة كبرى؟ هل الكراهية قد تصل بالمسؤول عن تحقيق العدالة أن يغض الطرف عن البرئ ولا يدافع عنه؟ خلال مشاهدة الفيلم عادت إلى ذاكرتي كل الصور البشعة والمجرمة من داخل سجن أبوغريب بعد احتلال الولايات المتحدة غير القانوني للعراق، فلكم أن تتخيلوا كيف سيكون الوضع في جحيم غوانتانامو المتخصص لمكافحة الإرهاب، والذي لا يستطيع أحد الدخول إليه أو معرفة ما الذي يجري هناك.

دخل بين أسوار هذا السجن حوالي ٧٨٠ شخصًا، ومات فيه بعض السجناء دون محاكمة

لقد تم خطف السجناء من بلدانهم بدون معرفة أحد، ونُقلوا إلى غوانتانامو وسُجنوا بدون محاكمة أو وجود أي أدلة، وعُذبوا بأكثر الطرق غير الإنسانية. حدث هذا كله ولم يُحاكم أحد من القادة الأمريكيين المسؤولين عن التورط في جرائم الخطف والتعذيب والسجن، وجميعها تُصنف ضمن جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أن الولايات المتحدة لم تعرض أي شكل من أشكال التعويض على الذين عذبتهم حتى بعد إثبات براءتهم.

غتمو -كما يطلق عليه الامريكان- أنشأته إدارة بوش الابن بعد بضعة أشهر من أحداث ١١ سبتمبر، فكان مُستقَرًا لكل من "رأتهم" الولايات المتحدة إرهابيين، دون أدلة على ذلك. فقد أعلنت القوة العظمى حينها حربها على الإرهاب، فدخل بين أسوار هذا السجن حوالي ٧٨٠ شخصًا، ومات فيه بعض السجناء دون محاكمة. ورغم أن إدارة أوباما أعلنت في ٢٠٠٩ نيتها إغلاق هذا المعتقل غير القانوني، إلا أنه مازال مفتوحًا حتى الآن.

إعلان

في أحد مشاهد الفيلم تواجه محامية صلاحي، نانسي هولاندر (جودي فوستر) موكلها بأنه اعترف بجرائم كثيرة فكيف يمكنها أن تدافع عنه دون أن يقول الحقيقة، فقال لها صلاحي إنها لا تدافع عنه كونه إنسانًا، لكنها تراه قضية. وهذا لا يختلف عن رؤية مسؤولي السجن له، مجرد رقم، السجين ٧٦٠، ليس له قيمة سوى أن يكون سجينًا يُعذَب دون أي اعتبار لحقوقه كإنسان. قيمة السجين/المعتقل لديهم أقل أهمية من حيوان الإغوانا الذي يظهر في الفيلم أكثر من مرة داخل معتقل غوانتانامو، وتوجد لافتة تقضي بغرامة قدرها ١٠,٠٠٠ دولار لمن يضر هذا الحيوان. 

Screen Shot 2021-03-09 at 11.41.28 PM copy.png

لقطة من الفيلم.

ظهر في الفيلم -وتؤكد على هذا مصادر صحفية عديدة- أساليب التعذيب في غوانتانامو، والتي اتسمت بالوحشية والتنوع، وتهدف لكسر إرادة المعتقلين لإجبارهم على الاعتراف مثل الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، الإيهام بالغرق، التجويع، الحرمان من النوم لمدد طويلة، التغذية القسرية، الضرب والتعليق بالزنزانة، الإذلال، والصعق بالكهرباء، وإدخال المعتقل في أماكن ضيقة في مواضع ضاغطة على الجسد، والخروج بهم إلى شاطئ خليج غوانتانامو وإغراقهم في الماء أثناء حركة المركب السريعة.

سيطر شعور التوتر والقلق بطول أحداث الفيلم، وقد ساعد المونتاج والتصوير على تحقيق هذا الشعور الذي ظل يتصاعد حتى وصل لذروته أثناء لقطات تعذيب (صلاحي)، حيث استخدم المخرج صيغة مختلفة في التصوير تعبر عن الماضي ولحظات التعذيب حتى نشعر بالضيق الذي يشعر به البطل، ثم يعود بنا للحاضر مع صيغة التصوير التي نعتاد عليها اليوم 16:9، هذا التحرك بين أنواع الـ Formats، خلق هذا الشعور التلقائي بالتوتر دون أن نعي تحديدًا ما السبب، هل هي لقطات التعذيب أم طريقة التصوير؟

إعلان
Screen Shot 2021-03-10 at 10.09.16 AM copy.png

لقطات الماضي تم وضعها في اطار سينمائي أكثر ضيقاً.

ربما أكثر ما عاب الفيلم هو التحرك الدائم بين الماضي والحاضر، مما أربكني كثيرًا أثناء المشاهدة، حتى فقدتُ البوصلة الخاصة بالزمن وإن ذُكرت السنة على الشاشة، ولا أعلم هل قصد المخرج هذه التحركات بين الأزمنة من أجل إيصال هذا الشعور بأن الزمن تماهى في رحلة صلاحي، فلا نعي متى تم اعتقاله ومتى سيخرج، لأن الأمر سيان في النهاية، وكأن الزمن عنصر ميت في معادلة اعتقاله.

طرح الفيلم تساؤلًا آخر حول النظام السياسي الأمريكي ومدى الشفافية داخله، فهل عرض فيلم مثل الموريتاني، ونشر يوميات محمد ولد صلاحي يعني أن الشفافية والحرية قيمة أساسية هناك؟ وهل هذه الحرية تتوقف عند حدود الأمن القومي الأمريكي؟ وإلى أي حد يتوقف استخدام القانون ويبدأ اللجوء إلى الطرق غير القانونية؟ كيف يمكن الإيمان بقيمة الحرية ونحن نعلم أن التنصت على الأفراد متاح لوكالة الاستخبارات الأمريكية دون رادع. فقد أوضحت تسريبات ويكيليكس في ٢٠١٧ أن المخابرات الأمريكية مازالت تتنصت على الأشخاص عن طريق هواتفهم والتليفزيونات في المنزل. إذًا فالحديث عن الحرية والخصوصية ليس سوى محض تخاريف يروج لها النظام الأمريكي منذ عقود.  

وكعادة أفلام هوليوود، التي تلجأ لقصص مستوحاة من أحداث حقيقية، كثيرًا ما يظهر فيها الرجل الأبيض أو المرأة البيضاء مرتدين زي المنقذ. وهذا الإطار البطولي أتاح لفوستر أن تحصل على جائزة الغولدن غلوب عن دورها، فيما رُشح رحيم لجائزة أفضل ممثل، لكن فاز بها ساشا بارون كوهين عن فيلمه بورات. ولأن هوليوود بارعة في نسج حكاية تخلق نوعًا من التعاطف لدى المشاهد، فسنجد دائمًا امرأة مكلومة على زوجها الأمريكي البطل الذي قتله الإرهابي المتوحش، وسيسعى أمريكي آخر، بطل بلا شك، للحصول على حق صديقه المتوفى من هذا التنظيم الإرهابي، لكنه يكتشف في لحظة تنوير أن النظام السياسي الأمريكي يعاني من مشكلة أخلاقية، فيقرر الانسحاب، أو يحل المشكلة الأخلاقية، لأن الدستور في أمريكا لا يعلوه شيء.

إعلان
https___cdn.cnn.com_cnnnext_dam_assets_210209134600-the-mauritanian.jpg

جودي فوستر وطاهر رحيم.

ورغم إعادة سرد قضية المقاومة/الجهاد في مواجهة الاحتلال في كثير من الأفلام ومحاولة معرفة أسباب صناعة الإرهابيين، مازال الطرح الهوليوودي ثابتًا على مبدأ واحد: الأمريكان ينقذون العالم. طرح ساذج ولا يشبه واقع السياسة الأمريكية والجرائم التي ارتكبتها بدون أي محاسبة في كل العالم، والعراق وسوريا واليمن وليبيا خير دليل على ذلك.

إن وجود هذا المرفق في حد ذاته يعد وصمة عار على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ككل

بعد تسعة عشر عامًا من فتح هذا المعتقل الذي يمثل انعدام الانسانية، ما زال هناك 40 محتجزًا في غوانتانامو، تسعة منهم فقط متهمون أو مدانون بجرائم. وقد كررت منظمات حقوقية دعواتها لإغلاق المعتقل مستشهدين بالتدهور السريع لصحة المعتقلين الباقين فيه، إلى جانب الأذى النفسي والجسدي الذي يلحق بهم في ظروف قاسية وغير إنسانية، وأنهم معرضون لخطر متزايد بسبب فيروس كورونا. وقال الخبراء في الذكرى الـ19 لتأسيس المعتقل في 11 يناير 2002: "غوانتانامو مكان للتعسف والتعذيب وسوء المعاملة ولا يزال يحظى بصبغة مؤسسية، حيث يتم تعطيل سيادة القانون فعليًا، ويتم إنكار العدالة. إن وجود هذا المرفق في حد ذاته يعد وصمة عار على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ككل. كان ينبغي إغلاق معتقل غوانتانامو منذ وقت طويل."

وقد أعادت إدارة بايدن فتح ملف غتمو خلال الأسابيع القليلة الماضية من أجل اتخاذ قرار بإغلاقه، فهل يا تُرى يمكن أن يؤثر فيلم الموريتاني على توجهات بايدن وإدارته في سرعة اتخاذ القرار؟ 

أهمية فيلم الموريتاني في ظني، تكمن في كونه يمثل وثيقة بصرية يمكن من خلالها إعادة قراءة التاريخ، فالسينما تستطيع الوصول للملايين بشكل أكثر تأثيرًا وسهولة من كتب التاريخ والتغطيات الصحفية عن الأحداث التاريخية الفاصلة في حياة البشرية، لكن يظل التحدي الأكبر بعد مشاهدة الفيلم، هل سنقرأ التاريخ ونعود للوثائق أم سنعيش داخل سردية الفيلم التي تدخل المخرج والمؤلف في صناعة الكثير من الخيال داخلها؟