بوليميا

رفيق مع رسوماته.

صحة نفسية

تجربتي مع البوليميا وكيف قررت الرسم بدلًا من العقاب الذاتي

يسير القلق جنًبا إلى جنب مع اضطرابات الأكل
8.12.20

ملاحظة: يتضمن المقال بعض التفاصيل عن اضطراب البوليميا، قد تزعج البعض.

قد تعتقد في فترة المراهقة الأولى، أنه سيتم تزويدك بدليل إرشادي عندما تصبح الأمور فوضوية وغير مفهومة في حياتك. المراهقة هي المرحلة الأولى التي تميل فيها الفوضى إلى التبلور بشكلها الصحيح والواضح. كنت أخوض يومي مثل أي مراهق آخر، لم أكن أعلم أن ما كان يحدث في تفاصيل حياتي اليومية سيطفو على السطح ويأتي بنتائج عكسية.

كان لدي حب كبير للجمباز، كنت أنتظر يوم الخميس من كل أسبوع بعد المدرسة لأتمكن من تعلم كيفية أن أصبح لاعب جمباز بشكل صحيح. في هذه المرحلة كان أبطال مارفيل الخارقين دافعًا لي لتعلم كيفية القفز والدفاع عن نفسي. كنت أحب الجمباز، وأشعر أنني أحقق ذاتي، ولكن في فترة لاحقة، بدأت أعاني من تقلبات المعدة واكتسبت بعض الوزن. لم يزعجني ذلك في البداية، حتى أدركت يومًا ما أنني لا أستطيع القفز عالياً بما فيه الكفاية أو الشقلبة بسبب وزني.

إعلان

فجأة أنتبهت أنني لم أعد رشيقاً كما يجب، وكما تخيلت نفسي، سيطرت عليّ فكرة زيادة الوزن، وشعرت أن أنني بحاجة إلى عمل كل شيء وبسرعة لإنقاص وزني. مثل أي مراهق، قمت بالبحث عبر الإنترنت عن "أسرع طريقة لفقدان الوزن" ووجدت العديد من النصائح الصحية، لكنني قررت أن أسلك طريقًا أسهل وأسرع وبالتالي الأسؤا صحيًا.

بدأت في شرب الكثير من المشروبات الغازية، حوالي 13 علبة في اليوم، وإخفاء العلب الفارغة في خزانة ملابسي. في كل مرة كنت أتوق إلى وجبتي المفضلة، كنت آكلها ثم أقوم بالتقيؤ للتخلص منها، وامتنعت عن تناول اللحوم والدجاج والسكر لمدة عام، وتمسكت بالكربوهيدرات المنخفضة والكثير من الألياف التي كانت في ذهني معادلة صحية للحماقة التي كنت أتسبب بها في جسدي. بالتوازي مع ذلك، كان لدي روتين يومي للتحقق من مدى تسطح معدتي وكيف يمكن أن تصبح عظام صدري بزوايا مضلعة. كلما فقدت بعض الوزن وأصبحت أكثر نحافة، كلما شعرت بالسعادة، لكن ذلك لم يدم طويلاً.

اكتشفت لاحقاً أنني كنت أعاني من اضطراب البوليميا أو الشره المرضي، وبحسب التعريفات الطبية، فإن المصابون بهذا النوع من الاضطراب يتناولون كمياتٍ كبيرةً من الطعام، ثم يتعمدون إحداث القيء، أو يستخدمون المسهلات والحميات الغذائية، أو يلجأون إلى الصيام، أو ممارسة الرياضة بإفراط لتعويض (أو خسارة) ما تناولوه من سعرات.

لقد أصبحت عادة تحفيز القيء إلزامية، وإلا فسيكون يومي مليئًا بالتوتر والقلق وفي وقت ما مع مرور السنوات، على الرغم من أن وزني لم يزد عن 54 كيلوغرامًا، واصلت التقيء كشكل من أشكال التخلص من التوتر، بالنسبة لي لم ألق بالاً لحجم الألم الذي كنت أشعر به، كل ما يهمني هو النتيجة النهائية. أصبح أصدقائي وأقاربي يخبرونني أنني أصبحت نحيفًا جداً، وكانت لديهم نظرة حزينة على وجوههم وهم يقولون ذلك. بذلت عائلتي قصارى جهدهم في محاولة لإعطائي النصيحة المناسبة لأكون أكثر صحة وأتناول الطعام بشكل أفضل. ولكنهم لم يعرفوا سوى القليل عما كنت أفعله من وراء ظهورهم عندما كانوا نائمين أو بالخارج.

أصبحت رسومي كملاذ أساسي لـ "التطهير" من الآلام والمخاوف والقلق المرتبط بالبوليميا

يسير القلق جنًبا إلى جنب مع اضطرابات الأكل، ولكن الخط الفاصل غير واضح إلى حد ما عندما يتعلق الأمر بمن الذي يثير الآخر، هل القلق هو سبب اضطراب الأكل، أم أن الاضطراب هو الذي يسبب شعوري بالقلق، هي دوامة لا تتوقف، ولم أستطع أن أجد طريقي خارجها. لم يعد الجمباز الدافع الحقيقي لإنقاص وزني، تركته تمامًا، ولجأت إلى الكسل والعزلة. مرت السنوات ولم يكن لدي القدرة أو الكلمات لأفصح عما أشعر به، كنت أشعر طوال الوقت بأنني لن أكون جديرًا بالاهتمام إذا لم أبدو بطريقة معينة. كنت أشعر أنني أتآكل تدريجيًا سنة بعد أخرى. 

ولكن فجأة في لحظة من اليأس، وجدت متنفسي الإبداعي. في أحد الأيام، قررت أن أرسم ما أتخيل بداخل رأسي، وتفجرت الأفكار واحدة تلو الأخرى، وتدفقت من خلالي، إلى قلم الرصاص، وعلى الورق. عندما أنظر إلى حياتي، لم أكن قادراً في رؤية الأشياء كما هي، لقد فضلت ببساطة أن أعيشها بطريقة فنية، لقد كنت أقوم بتشكيل روايتي الخاصة وسردها بالطريقة التي أريدها أن تبدو أو تكون، وليس كما كانت تبدو في الواقع.

إعلان

الرسم كان وسيلة علاجية، ولكنها كانت تجربة مرهقة. قضيت عدة سنوات في محاولة إيجاد مكاني الخاص وضبط أسلوبي الفني الذي يشبهني. في عام 2016، أصبحت أعرف عن نفسي كـ فنان رقمي digital artist، وكل موضوعات رسوماتي تقريبًا كانت تتعلق بالصحة النفسية وهو موضوع لا يزال مرتبطاً بوصمة مجتمعية. لكن أعتقد أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي أبدًا.

أصبحت رسومي كملاذ أساسي لـ "التطهير" من الآلام والمخاوف والقلق المرتبط بالبوليميا. بدأت بقراءة المزيد عن الصحة النفسية، وتعمقت بالعلاقة بين الصحة الجسدية والنفسية وكيف نتعامل أو نتجاهل آلامنا الخفية.

كلما رسمت أكثر، وكلما قمت بمشاركة فني مع الآخرين، كلما أصبح الأمر أكثر وضوحًا بالنسبة لي، أنا لست وحدي، لست الوحيد الذي يشعر بالضياع، الجميع يخوضون معاركهم الخاصة، سواء كانت تتعلق بمظهرهم أو دواخلهم، سواء كان الأمر يتعلق بعائلة مفككة أو قلب مكسور.

تسللت داخل وحدتي، وقضيت ساعات وأيامًا وشهورًا أبحث عن إجابات في الوعي الجماعي، وجدت بعض الإجابات ولا يزال هناك الكثير من الأسئلة، ولكنني أصبحت قادراً على رؤية الحياة -وبالتالي نفسي- بشكل مختلف. لا يزال الشره المرضي جزء مني لكنه لن يوقفني أو يحدني. أنا أيضًا رسام، وهذا ما يهم، وآمل أن أكون قادرًا على مساعدة آخرين على التغلب على آلامهم الداخلية من خلال ما أقدمه من لوحات بصرية مليئة بالحب والعاطفة. 

ترجمة: حسين فاروق.