ثقافة

ما الذي تعلمته من قضاء يوم مع عائلة صياد يعيش على النيل

القارب ضيق والجلوس على أطرافه يحتاج قدرة كبيرة من التوازن، أما الوقوف فهي مخاطرة قد تنتهي بك في قاع النهر

إعداد محمد علي الدين
2017 10 29, 7:14am

جميع الصور من تصوير محمد علي الدين

"عشان تصطاد صح لازم تفكر زي السمك،" يخبرني سمير حماد، 44 عامًا، الذي يعمل صيادًا قرب جزيرة الدهب بمحافظة الجيزة وهو يلقي شباكه في النيل. يضيف الرجل ذو البشرة السمراء المحترقة قليلاً من الشمس: "الناس فاكرين الصيد شغلانة سهلة.. ارمي الشبك والسمك ح يطلع لوحده." لم يبد لي أنني سأتمكن يوماً من التفكير كالسمك، ولكن ربما أستطيع أن أفكر كصياد سمك، فقد وعدني حماد الذي سمح لي أن أدخل إلى عالمه، وأقضي يومًا مع أسرته داخل قاربهم، بتعليمي بعض المهارات الضرورية التي يجب على كل من يعيش في النيل ويعمل صيادًا أن يعرفها، بدايةً من طريقة التحكم في قوارب الصيد الخشبية، وأنواع الشباك المستخدمة في الصيد، وأفضل أماكن الصيد في نهر النيل.

الصياد سمير حماد

ليس الجميع مؤهل لتعلم الصيد

استقبلني حماد في "القارب المطبخ" وهو قارب مخصص لإعداد الطعام والمبيت ليلاً، تجلس فيه زوجته "أم محمد" طوال اليوم، ويبقى معظم الوقت قريبًا من شاطئ جزيرة الدهب في نهر النيل والتي تقع بين القاهرة والجيزة. بعد تناول الشاي، انتقلنا إلى قارب أصغر مخصص للصيد. الصورة النمطية التي سادت لدي عن حياة الصيادين تبددت فورًا عندما خطوت أولى خطواتي داخل قارب حماد، الأمر ليس سهلاً، فالقارب يبدو ضيقًا، والجلوس على أطرافه يحتاج قدرة كبيرة من التوازن، أما الوقوف فهي مخاطرة قد تنتهي بي في قاع النهر. نصحني "حماد" أن أجلس في منتصف القارب، فهي المنطقة الأكثر أمانًا لشخص يركب هذه القوارب للمرة الأولى، ثم بدأ يدفع القارب بعيدًا عن الشاطئ، قائلا: "خلينا نشوف وشك حلو علينا ولا لأ."

أم محمد
القارب المطبخ


بدأ حماد العمل على المركب بتقسيم المهام، فتولى توجيه القارب، وطلب من ابنه محمد، 22 سنة، وابنته فاطمة، 18 سنة، إلقاء الشباك في النهر، وانتظار النتيجة. ينظر كثير من المصريين إلى نهر النيل باعتباره مكانًا للتنزه والترفيه، يتبادلون أمامه كلمات الحب الأولى، ويحتفلون بأعراسهم أعلى الجسور التي تمر من فوقه، يلتقطون بعض الأنفاس على شاطئه ثم يغادرون إلى الزحام الذين جاءوا منه. في المقابل قرر حماد أن يبقى في النيل، وأن يؤسس بيتًا على قارب، ويتزوج ويربي طفلين صارا اليوم شابا وشابة لا يعرفون إلا الحياة بين ضفتي النيل.

الحياة بين ضفتي النيل مختلفة

أول ما تلاحظه الهدوء الغريب تماما مقارنة بالقاهرة الكبرى، التي لا يتخلى عنها الزحام حتى مع ساعات الصباح الأولى. كل الضوضاء التي اعتدت سماعها على ضفتي النيل اختفت تماما داخله، لا أثر إلا للسَكِينة، وصوت حماد الهادئ يحكي لي كيف عاش في النهر 44 عامًا دون سأم. بدأ حماد يدربني على الدرس الأول؛ وهو توجيه القارب باستخدام المجاديف، بدا الأمر سهلاً طوال فترة الشرح، ومع أول محاولة اكتشف صعوبة المهمة، فالمجاديف ثقيلة، وتحريكها بصورة مستمرة أمر مرهق، أما توجيه القارب إلى اليمين أو اليسار، فيتطلب توافقًا عضليًا وعصبيًا، أعتقد أنني فشلت في تحقيقه. صحيح أن مياه النيل هادئة معظم الوقت، لكن عبور القوارب السريعة أو البواخر السياحية الكبيرة، يولد بعض الأمواج القوية تشعرك بأن القارب على وشك الغرق.

شعرت بقليل من الخوف لكن حماد نصحني بالتماسك، وطمأنني أن قاربه تعرض لهذه الأمور عشرات المرات ولم يغرق، وبحسب حماد فإن الصيادين يتجنبون العمل ليلاً خشية أن تصدم القوارب السريعة أو البواخر السياحية قواربهم الصغيرة. يتغاضى الصياد العجوز عن فشلي في الدرس الأول، ويبدأ في شرح أنواع الشباك المستخدمة في الصيد. ويقول: "الشبك العادي مناسب للصيد في الشتاء لأن السمك بيكون كتير، لكن الصيف بيحتاج استخدام الصنارة." والصنارة عبارة عن خيوط رفيعة تنتهي بخطاطيف معدنية يوضع فيها طُعم للأسماك، ولا يبدو شكلها مثل الصنارة المعروفة للصيادين الهواة. يقول الصياد: "افرش قدام (أمام) القارب حوالي 1200 خطاف، وانتظر النتيجة (...) النيل عايز صبر."

الصبر جميل ولكن صعب

الصبر كان أصعب ما تعلمته من حماد، فعند نزولك للنيل لا مجال للتفكير في الوقت، ولا جدوى لأي أجندة مواعيد، فأنت تطارد رزقك حتى تصل إليه، وقد يكون هذا بعد ساعتين أو ثلاث أو حتى خمس ساعات. يشرح حماد المزيد من أنواع شباك الصيد، التي تتغير حسب المكان والموسم، ففي المناطق القريبة جدا للشاطئ، يستخدم الفلاحون ما يعرف بـ"الجُوبيّه" وهي شباك صيد معلقة على أسلاك معدنية يجري تثبيتها على الشاطئ، بهدف منع الأسماك من مغادرة المناطق الدافئة واصطيادها. وهناك أيضا شباك "الرداخة" التي يستخدمها الصيادون في المناطق القريبة من الشاطئ، وهي تتكون من الشباك التقليدية، وعوامتين يحددان مدى انتشار الشبكة في المياه، وعادة ما تستخدم في الشتاء لوفرة الأسماك. النوع الثالث فهو شباك "المِحيّر" وهو النوع المستخدم للصيد في وسط مجرى النيل بعيدًا عن الشاطئ، ويعتمد هذا النوع على مهارة الصياد، حيث يتكون من شباك مثبت في آخرها قطع معدنية تتحكم في مدى ثبات الشباك في المياه، وخبرة الصياد ودرايته بمدى قوة تيارات المياه، هي التي تحدد زيادة أو خفض عدد القطع المعدنية المثبتة في الشباك. يحدثني حماد عن نوع آخر من الشباك يسميه "الشباك الحرام" الذي يرفض هو شخصيًا استخدامها: "حرام عليا استخدمه.. عينه (فتحاته) صغيرة، وبيصطاد الزريعة (أسماك صغيرة).. الزريعة دي سمك بكرة (غدًا) ورزقنا بكره .. ازاي اصطاده النهارده؟."

الأهم ليس القاء الشباك ولكن كيفية اعدادها

قرر حماد أن يعلمني أمرًا سيكون مفيدًا عند شراء الأسماك من السوق، وهو كيفية التعرف على الأسماك النيلية، وتمييزها عن أسماك المزارع السمكية الأكثر انتشارًا في السوق المصري. ينصحني الصياد عند الذهاب للسوق أن افحص رأس السمكة وخياشمها وإذا وجدت أن لونها أحمر، فهذا يعني أنها أسماك تربت في مزارع سمكية، وتحول فمها وخياشمها للون الأحمر نتيجة اصطدامها المتكرر في الأقفاص الحديدية داخل المزرعة السمكية. كما أن هناك أمر آخر أكثر سهولة، وهو يتطلب النظر إلى كل الأسماك التي يعرضها علي البائع، فإذا كانت من نفس الحجم، فهذا يعني أنها أسماك مزارع أيضا. ويقول: "السمك البلدي خياشيمه مش حمرا وأحجامه لا يمكن تكون واحدة."

هذه المعلومات لن تساعدني كي أصبح صيادًا ماهرًا، فالأمر يتطلب خبرة تكتسبها منذ الطفولة، يقول حماد إنه تعلم حرفة الصيد من والده الذي كان صيادًا في منطقة إمبابة، وهو بدوره علم ابنه محمد كيف يصبح صيادًا. يعتقد حماد أن عملية الصيد الناجحة لا تبدأ بإلقاء الشباك في المياه، إنما عندما يقضي الصياد وقتًا كافيًا لإعداد شباكه، وتقويتها. "نشتري الشباك قطع صغيرة ثم نبدأ في تجميعها، وربطها ببعضها، يجب تقوية الشباك بثلاث طبقات وإلا ستتمزق خلال ساعات قليلة من الصيد". هذه العملية، بحسب حماد، تتطلب 3 أيام من العمل المتواصل. عندما يتحدث حماد عن غزل الشباك يتذكر ابنته فاطمة وتلمع عيناه وهو يتحدث بفخر: "مفيش زي صبر فاطمة.. بتصبر على شبكها ورزقها، وأحسن من ابني محمد في غزل الشباك.. فاطمة عاشت طول عمرها في البحر واتعلمت كل حاجه مني."

فاطمة

المشاكل الحياتية لا تترك القارب الصغير

حياة الصيادين ليست بذلك الهدوء والصبر، حيث يتحدث حماد عن المخلفات المتراكمة في قاع النهر كجذوع الأشجار والحجارة التي تتسبب بتقطيع الشباك مما يضطره إلى تغييرها كل أسبوع، ويضيف بأن حرفة الصيد في النيل باتت مكلفة، فالقارب الصغيرة أصبح يتكلف بنائه 7 آلاف جنيه بعد التعويم، بعدما كانت تكلفته لا تتعدى 2500 جنيه فقط:"نحتاج شراء بنزين لموتور القارب بـ 120 جنيه كل 3 أيام.. بجانب الضرائب والتأمينات التي ندفعها للدولة."

يعتقد حماد أن ارتفاع تكاليف الصيد خلال السنوات الخمس الماضية تسبب في تراجع أعداد الصيادين، ويقول: "منذ 5 سنوات كان شاطئ جزيرة الدهب أمامه 65 مركب صيد، دلوقتي (الآن) انخفض العدد إلى 15 مركب." كما يشير الى أن كميات الأسماك في النهر تراجعت أيضا مشيراً إلى أنه في نفس التوقيت خلال الأعوام الماضية كان يصطاد من 10 إلى 15 كيلوجرامًا من الأسماك يوميًا، لكن اليوم لا يتجاوز ما يصطاده خمسة كيلوجرامات. هذه الأوضاع الاقتصادية نفسها التي يعانيها الصيادون دفعت الابن محمد حماد، إلى التخلي عن مهنة أجداده والخروج إلى البر، المكان الذي يرى فيه فرصة للنجاح وتحقيق الذات لكنه أيضا بؤرة للشرور من وجه نظره، يقول محمد: "لفيت (تحركت) على البر كتير، وشوفت مشاكل كتير، لكن مفيش أحسن من البحر وناسه."

حياة البر حلوة، ولكن ليس للجميع

عمل محمد في مجال تركيب شبابيك الالوميتال، ويحاول أن يكون صاحب عمل خاص في المستقبل: "يوم لما شغلي يكبر ح اجيب ناس من البحر يشتغلوا معايا برضه لأني ح أكون ضامنهم اكتر من ناس البر." يشرح محمد أن خروجه للبر يرتبط أيضا بالتغيرات الاجتماعية التي طرأت على حياة الصيادين، قديمًا كان الصياد يختار أن يتزوج من فتاة تنتمي لعائلة تعمل في الصيد، كي تساعده في عمله وتتحمل الحياة في النيل، لكن اليوم الأمور اختلفت. يقول: "عائلات الصيادين اليوم تشترط على العريس أن يأخذ عروسته ويسكنوا في شقة على البر.. محدش عايز يبهدل بنته."

محمد

فاطمة على الرغم من حبها للنيل إلا أنها تقول لي أنها تفضل أن ترتبط برجل يعيش على البر، لأن "الحياة في البحر (النيل) وحشة بسبب قلة السمك والفلوس والسقعة،" بينما ترد "أم محمد" على سؤالي دون تفكير: "طبعا ح أجوزها على البر.. لو شحات في البر أحسن من صياد في البحر." ولكن لا يوافق حماد زوجته وابنته ويقول:"صحيح الحياة هنا صعبة.. بس أنا اخترت ابقى هنا (في النيل) عشان شوية الهدوء دول، هنا أنا ريس نفسي."

أنهي رحلتي مع حماد على أمل أن تتاح لي الفرصة يومًا ما أن أقضى جزءًا من حياتي في هذا الهدوء، لكن سرعان ما أتذكر مواعيدي، وضوضاء شوارع القاهرة التي لا يمكنني الاستغناء عنها. لا يمكنني أن أكون حماد ولا يمكنني اختزال حياتي في قارب صغير. كل ما يمكن أن أتعلمه أن حماد ورفاقه الصيادين يتعبون كثيرا ويتقاضون القليل مقابل الأسماك التي نأكلها. عند تناول وجبة الأسماك المقبلة، سأتذكر وجه حماد المتعب وساعات الصبر الطويلة التي يقضيها أمام شباكه في نهر النيل.

محمد علي الدين يشرب الشاي مع سمير في نهاية اليوم
Tagged:
مصر
صيد الاسماك
نهر النيل
صيد