الفيلم الوثائقي "بالعربي": مشوار النجاح لابد أن يتخلله بعض الفشل
راقصة الباليه ريما برانسي - تصوير نبيل درويش
مجتمع

الفيلم الوثائقي "بالعربي": مشوار النجاح لابد أن يتخلله بعض الفشل

لا أعتقد أن هناك نجاح بدون فشل، ذلك يشبه القول أنني سأسافر إلى الطرف الآخر من العالم دون أن أتحرك
22.11.17

كل شخص في هذا العالم الواسع لديه خوف من شيْ معين، الخوف من المرتفعات، الخوف من الحشرات، الخوف من الأماكن المغلقة أو الأماكن الواسعة، قد تختلف هذه المخاوف من مرحلة إلى أخرى في حياتنا، إلا أن هناك خوف لا يحده عٌمر أو بلد أو طريقة حياة، وهو الخوف من الفشل. في هذا المقال المرتبط بالفيلم الوثائقي "بالعربي" لاحظنا أن الكثير من الشباب الذين تحدثنا معهم، قد عبروا عن خوفهم من الفشل أو عدم تحقيق ما يرغبون به، أو كما عبر عنه صدام سيالة من الأردن "بخاف إني أرجع للمكان اللي بلشت منه."

إعلان

لقطات من الفيلم الوثائقي "بالعربي" تعكس ما عبر عنه بعض الشباب عن أسوأ مخاوفهم:

الفشل قد تكون من أكثر الكلمات العربية المكروهة، الخوف من الفشل في المدرسة ومن ثم في الجامعة والعمل ولا ينتهي الموضوع عن ذلك فهناك تفرعات أخرى تشمل فشلاً آخر، فلكي تكون ناحجاً عليك أن تختار تخصصاً مهماً (لا يشمل التمثيل والغناء والرقص) وبعد ذلك لن يكون نجاحك في العمل كافياً لأهلك مثلاً إذا لم تنجح في تكوين عائلة والعكس أيضاً صحيح (ما عُمرك بتخلص). ولكن ما الذي يعنيه الفشل في عالم عربي يُروج دائماً للنجاح. وماذا عن الذين نجحوا في تحقيق أحلامهم من خلال اختيار مسار لا يشبه ما يتم الترويج له، هل اختفى خوفهم من الفشل بعد تحقيق أحلامهم؟ تحدثنا مع كوميدي إماراتي ومدربة لياقة بدنية سعودية وراقصة باليه فلسطينية من أعمار وتجارب مختلفة وسألناهم عن اللحظة التي شعروا بها بأنهم قد فشلوا أو خيبوا آمال أهلهم بسبب اختياراتهم المهنية الغير تقليدية (مش دكتور ولا مهندس).

ريما برانسي، 22 سنة، راقصة باليه، فلسطينية تعيش في ألمانيا

تصوير حمزة عطار

لا تزالين صغيرة بالسن، ولكن لا شك أن اختيارك لرقص الباليه لم يخلو من بعض الدراما من قبل الأهل؟
على العكس، أنا ممتنة جداً لوجود عائلة تدعمني من اللحظة التي اكتشفوا فيها شغفي بالرقص من الطفولة حتى الآن. خلال سنوات المراهقة كان العقاب الأقسى الذي يُفرض علي عندما أقوم بأمر سيء، هو منعي من الذهاب إلى حصة الرقص بعد المدرسة.

إذن في حالتك الرقص كان خيارك الأول والوحيد؟
صحيح، أردت دوماً أن أكون راقصة، لا شك أن والدتي ألهمتني قليلاُ في البداية فهي كانت راقصة أيضاً. ولكن رحلتي في عالم الرقص لم تكن سهلة أبداً فمعظم الذين يرغبون في دخول هذا المجال في فلسطين كان عليهم التقديم والحصول على قبول في أكاديمية للرقص خارج البلد فلا يوجد لدينا أكاديميات متخصصة. مشوار حياتي المهنية لم يكن سهلاً ولكن بغض النظر عن مدى الصعوبة كنت أعرف أن الرقص هو شغفي وأنني لا أستطيع أن أرى نفسي أقوم بأي شيء آخر. في سن مبكرة جداً، كان علي أن أقرر ما إذا كنت سأغادر عائلتي وبلدي للالتحاق بأكاديمية للرقص في الخارج أم لا، وفي النهاية، اتخذت القرار، فضلت البقاء مع عائلتي في رام الله حتى أنهيت دراستي الثانوية. بعد ذلك، التحقت بمدرسة شارل سميث القدس الثانوية للفنون، وهي مدرسة فنية إسرائيلية، تقع في القدس وكنت أول فلسطينية تنضم إلى المدرسة بعد تجربة أداء ناجحة. الصعوبة لم تنتهي بقبولي بالمدرسة، فقد كان علي كل يوم لمدة ست سنوات أن أمر عبر الحاجز الإسرائيلي خلال رحلتي اليومية من منزل عائلتي في رام الله إلى المدرسة في القدس وفي كل مرة أتعرض للتفتيش من قبل الجنود الإسرائيليين. ولكن بغض النظر عن الإهانة والتأخير والتعب كما هي حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، كنت أعلم أنه علي التغلب على كل الصعوبات لمتابعة حلمي وتطوير مهاراتي كراقصة.

إعلان

هل شعرت بمرحلة ما بأنك فشلت أو خيبة أمل أهلك؟
الجميع يمر بالكثير من الظروف القاسية والفشل هو أمر لا مفر منه. ولكنني أؤمن أن الفشل يفتح أعيننا على بعض التفاصيل ويساعدنا على النمو في الأماكن التي نحن بحاجة إلى تطوير أنفسنا فيها. معظم الوقت كانت توقعات عائلتي مني تدفعني إلى الأمام، ولكن بالطبع كان هناك لحظات في مسيرتي حيث شعرت بأنني خيبت أمل نفسي والآخرين من حولي. لقد تعلمت أن طريقة التعامل مع الفشل وخيبة الأمل هي قبولها وفهمها والعمل على تحسين نفسك. الإحباط والعقاب الذاتي والاكتئاب هو رد فعل طبيعي للشعور بالفشل ولكن علينا أن نتغلب عليه لكي نتمكن من التقدم إلى الأمام مرة أخرى.

علي السيد، كوميدي إماراتي، دبي

تصوير دان ديون

ما هو النجاح بالنسبة لك؟
النجاح يعني أشياء كثيرة اعتماداً على الوضع. في بعض الأحيان النجاح هو أمر داخلي وفي أخرى هو أمر خارجي يعتمد على الآخرين. بالنسبة لي تحقيق النجاح الداخلي هو الجزء السهل، الاستيقاظ في الصباح بهدف القيام بشيء ما، هو نجاح. كعربي النجاح جزءا لا يتجزأ من مجتمعنا وثقافتنا وهو ما يراه الكثيرون كضغط مجتمعي وهم على حق، في حالتي في كل مرة أحقق شيئاً يشعرني بالفخر، أفكر دائما في أن ذلك سيجعل بلدي وعائلتي تفخر بي.

ماذا عن الفشل، هل توافق على أن الفشل هو مفتاح النجاح أم أنهم يقولون ذلك لجعلنا نشعر بالرضا إزاء اخفاقاتنا؟
لا أعتقد أن هناك نجاح دون فشل، ذلك يشبه القول أنني سأسافر إلى الطرف الآخر من العالم دون أن أتحرك من مكاني. بعبارة أخرى، الطريق إلى النجاح هو الفشل.

هل أردت دوماً أن تكون كوميديا؟
في الحقيقة لم أفكر أبداً أنني سوف أقف أمام جمهور وسأجعله يضحك. اعتقدت فقط أن ذلك كان ممكناً في المنزل مع أفراد عائلتي. لم أكن حتى مضحكاً مع الأصدقاء، كنت متحفظاً ومملاً بصراحة. في وقت لاحق في الحياة اكتشفت أن الكوميديا هي عبارة عن مناقشة المسائل المهمة. كوني كوميدي هو مهمة صعبة للغاية، نفسياً وجسدياً، فأنت دائما في معركة مع نفسك، دائما ستشك في قدراتك وتقول لنفسك أنك لست جيداً بما فيه الكفاية، أضف إلى ذلك العقلية العربية والأسئلة من قبيل "هل هذه مهنة؟" والتفكير بماذا سيقول الناس عني إذا فعلت هذا الأمر أو ذاك. على الجهة الأخرى، أردت دائماً أن أثبت أن العرب يمكن أن يكونوا مضحكين. التعليق الأكثر شيوعاً الذي أحصل عليه من الجمهور من غير العرب هو "لم يكن لدي أي فكرة أن العرب مضحكين" وهذا أيضا ينطبق على الجمهور العربي فكنت أسمع تعليقات أننا "لم نكن نعلم أن الناس في دول مجلس التعاون الخليجي مضحكين."

إعلان

ماذا كانت رد فعل عائلتك عندما قلت لهم أنك تريد أن تكون كوميديا، لم يتوقعوا منك أن تكون طبيباً؟
لا أعتقد أنني أعطيت عائلتي أي مؤشر على أنني سوف أحقق أي شيء مهم كطبيب.

خلال طريقك نحو النجاح، هل حدث أن بأنك فشلت أو خيبت ظن الآخرين فيك؟
هذا صراع يومي بالنسبة لي. كل عَرض أقوم بتقديمه أتعامل معه وكأنه وظيفة جديدة. يقول لي البعض أنني محظوظ لأنه ليس لدي رئيس، فأنا رئيس نفسي. الحقيقة هي أن لدي العديد من الرؤساء، كل شخص في الجمهور هو رئيسي وأنا على خشبة المسرح. في كل مرة يقوم شخص بدفع المال لشراء تذكرة لمشاهدة عروضي أفكر أنني لا يمكن أن أفشل. وفي كل مرة أكتب نكتة جديدة أفكر في أهلي وردة فعلهم.

يبدو أنك تخاف من الفشل كذلك؟
بدأت العمل بشكل مهني في سن الـ 15، أكبر مخاوفي منذ ذلك الوقت وحتى الآن هو الفشل. رأيت الكثير من الفشل من حولي، رأيت الفشل في المجتمع بشكل عام، الفشل في الخروج من الروتين اليومي، عدم القدرة على أخذ مخاطرة لأن العمل كطبيب الأسنان هو رهان أكثر آماناً، الفشل والخوف من تقبل ثقافتك لأنك لا تريد أن يظن صديقك الأوروبي أنك رجعي فكرياً، الفشل بالحديث عن حقوق النساء والأطفال، والفشل في استيعاب أنك كشخص كافي. الفشل هو مصطلح واسع وخوفي منه هو وقودي.

تالا العجو، 30، سعودية فرنسية، مدربة لياقة بدنية

تصوير واتر كيجما

هل عرفت دوماً أنك تريدين أن تكوني مدربة لياقة بدنية؟
في الواقع كانت حياتي ورحلتي المهنية عبارة عن rollercoaster (افعوانية). في البداية أردت أن أكون عالمة في البيولوجيا البحرية ومن ثم حاولت أن أصبح متخصصة في ركوب الأمواج لفترة من الوقت عندما كنت أعيش في البرازيل، ثم أخيرا نجحت في إيجاد شغفي الحقيقي في مجال الصحة واللياقة البدنية. مَرت عَلي لحظات اعتقدت أن هذا هو بالضبط ما أريد أن أفعل، أو أن أكون، ولكن مع مرور الوقت، ننمو ونتعلم. كنت أعلم من البداية أن اللياقة البدنية ستكون خياري، لكن استغرقني الأمر بعض الوقت وعدد من الانحرافات بالطريق قبل أن أعود إلى المسار الصحيح.

هل تقلقين من ردة فعل أهلك على خياراتك؟
جميعا نكبر وبعقلنا أننا لا نريد أن نخيب آمال أهلنا فينا، فهم يَعملون بجد لتوفير تعليم جيد، ووضع الطعام على الطاولة، إحاطتنا بالحب، وتقديم المشورة لنا، ومساعدتنا على استيعاب هذا العالم المجنون الذي نعيش فيه. عندما نترك المنزل، التوقع هو أن نذهب إلى الجامعة، وبعد ذلك الحصول على وظيفة … إلخ. ذهبت إلى الجامعة في الولايات المتحدة لدراسة البيولوجيا البحرية، كان ذلك قراري، ودعمتني والدتي. بعد التخرج، لم أشعر أنه المسار الوظيفي الصحيح بالنسبة لي، لم أكن أرد أن يخيب أمل والدتي في كل مرة كنت أقول لها "حسناً أريد أن أجرب شيئا مختلفاً تماماً." في الوقت الذي كنت قد أدركت أنني لن أعمل في البيولوجيا ولا ركوب الأمواج، كنت أعلم أنها ستفكر في أنني قد أهدرت السنوات الماضية من عُمري. في ذلك الوقت كنت أشعر أنني لم أجد مساري بعد، ولكن في النهاية عندما جئت إلى عائلتي وقلت لهم أنني أرى نفسي في الصحة واللياقة البدنية، أما متأكدة من أن رد فعلهم كان تنفس الصعداء … أخيراً.

ما هو خوفك الأكبر؟
خوفي الكبير هو أن عيش حياة لا تعكس إمكانياتي الكاملة، وأن أخيب آمال من حولي الذين يعتقدون أنه باستطاعتي تحقيق المزيد. أتغلب على ذلك من خلال تحدي نفسي بإستمرار والتطلع دائما إلى تحقيق هدف أكبر. إستمعت إلى بودكاست مؤخرا حيث قال أحد الرياضيين "تَعود على الراحة بعدم الراحة" (get comfortable with being uncomfortable) وأنا أعتنق ذلك في كل ما أفعله.