لبنان، مفقودون

صورة لنصار الذي فُقد عام 1982.

حرب

تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية: الآلاف مَفقودون ويُفتقَدون

نحنا بَعدنا بالعتمة
14.10.18

كيف تفسر فكرة اختفاء شخص ما؟ إختفاء أب أو أم أو أخت أو أخ أو زوج أو إبن أو بنت؟ كلا، لم يُمت ولكن لا نعلم إن كان ما زال على قيد الحياة. ذاك الشخص شاركنا أيامنا السابقة، ولكنه ليس معنا اليوم ولا نعلم إن كان سيكون معنا غداً. هذه حال الآف العائلات اللبنانية الذين فقدوا أحباءهم خلال الحرب اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاماً (1975-1990) ولا يعرفون عنهم شيئاً حتى اليوم.

نور، 56 عاماً، فقدت زوجها جرجس عام 1983. كان للعروسين حينها طفلة عمرها لم يتجاوز عمرها خمسة أشهر، رولا، وكانت حامل بابنتهما الثانية، ماتيلد. حتى اليوم، نور لا تعلم أي شيء عن مصير جرجس، ولكنها لم تتوقف لحظة عن البحث عنه. "بقينا ندق على أبواب الناس لخمس سنين بعد فقدان جرجس. ما وقفنا نفتش عليه ولا لحظة،" تقول نور وهي تحمل صورة لها ولجريس خلال حفل خطوبتهما: "امرار بنام وبحلم إنو في حدا غريب عم يحكيني وعم يجرب يقلي شي عن جرجس. أنا عندي أمل. كل سنة منظم قداس عن روحه بس بحس إنو هالشي غلط. إنو كيف بتصلي لروح شخص ونحن ما منعرف إذا ميت ولا عايش؟ كان حلمي إنو يرجع بس كرمال يشوف بناته عم يكبروا. مش من زمان توفت امه بلا ما تعرف إذا جرجس بَعده معنا ولا لا."

الآف من المفقودين تم اختطافهم من منازلهم أو أماكن عملهم، ومنهم من إخفي قسريًا إما في داخل لبنان، أو في السجون السورية أو الإسرائيلية

1539507143252-missng1

نور تحمل صورة لها ولجريس خلال حفل خطوبتهما.

تشير الإحصاءات غير الرسمية إلى وجود أكثر من 17 ألف مفقود ممن اختطفوا أثناء الحرب، فيما سجّلت لجنة التحقيق للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، والتي شكلها مجلس الوزراء اللبناني عام 2000، وجود 2046 حالة لمفقودين من جنسيات مختلفة (لبنانية وسورية وفلسطينية ومن جنسيات أخرى) وكذلك من ديانات وانتماءات سياسية مختلفة. منهم من تم اختطافه من منازلهم أو أماكن عملهم، ومنهم من إخفي قسريًا إما في داخل لبنان، أو في السجون السورية أو الإسرائيلية. لكن بغياب قوائم مركزية بأسماء الأشخاص المفقودين على المستوى الوطني، فلا توجد حتى الآن طريقة لمعرفة بالضبط عدد الأشخاص الذين اختفوا. وذلك يرجع لعدم وجود آلية وطنية لمعالجة قضية المفقودين وخاصة أن معظم زعماء اليوم كانوا جزءً من ميلشيات الحرب التي كان لها يد في عمليات الخطف والإخفاء القسري.

1539518187393-missing8

نور وجرجس.

منزل نور في كسروان، منطقة إلى شمال الشوف، يشبه أي منزل آخر، لكن يوجد زاوية تدخل حزن إلى قلب أي زائر: الزاوية التي تحولت إلى مزار لجرجس، حيث يوجد فيها صور له محاطة بصور وتماثيل مار شربل. خلال المقابلة مع نور، عندما يذكر إسم جرجس، ينظر الجميع إلى تلك الزاوية، كأن جرجس سيشارك في الحديث.

1539517131830-missing3

صورة قديمة لجرجس.

1539517200924-missing66

زواية مخصصة لجرجس في منزل نور، تحوي صوره في الطفولة.

ماتيلد، 35 عاماً، لا تعرف والدها إلا من خلال قصص عائلتها واصدقائهم: "نحن الحرب ما خلصت عنا، أنا حقي أعرف مصير بيي. وينو؟ ميت أو عايش؟ هيدا حقنا ولازم نعرف. أنا هلأ عندي ثلاث أولاد. يعني بابا عنده ثلاث أحفاد. قلتلن إي عندكن جدو بس ما منعرف وينو، ما منعرف إذا عايش ولا ميت،" تقول ماتيلد، "ما بدنا نحاسب، بس بدنا نعرف. وينو بابا؟"

بعد مرور أكثر من 35 سنة على اختفائه، لا تزال نور تنتظر معرفة الحقيقة: "بقيت خمس سنين مش قادرة إرجع لضيعتنا يلي فقد فيها جرجس وبس رجعت قلت أكيد رح لاقيه عنا بالبيت…ما كان بالبيت. عم تسألوني شو حاسي؟ بغضب. ولا شي رح يوقف هل غضب غير كشف مصير جرجس."

1539507847764-missing4

صورة- مي وديالا، شقيقات نصار الذي فقد عام 1982.

من منطقة كسروان حيث تسكن نور مع بناتها إلى بعقلين في الشوف حيث تنتظر مي وعائلتها أي خبر عن أخاهم نصّار الذي فقد مع صديقه عام 1982. طلبت مي وديالا (57، 59 عاماً) إجراء المقابلة في منزل مي وليس في منزل العائلة في بعقلين، ضيعة في الشوف، المنزل الذي ولد وعاش فيه أخاهم نصار قبل أن يفقد عام 1982 في عمر العشرين. السبب؟ عدم الرغبة بالحديث عن نصار أمام والدهما الذي حتى اليوم، لا يزال ينتظر عودة ابنه الوحيد. لكن الحزن الملموس في المنزل لا يقل عن الحزن في منزل العائلة. ألم فقدان شخص ما لا يقل أو يختفي مع الإنتقال من منزل إلى آخر، بل هو جرح مفتوح، تحمله مي وديالا معهم أين ما ذهبوا وعاشوا.

1539517597468-missing9

ديالا، شقيقة نصار الذي فقد عام 1982 ولم يتجاوز العشرين.

مي، شقيقة نصار الذي لم يكن عمر نصار يتجاوز العشرين عاماً عندما فقد مع صديقه: "كان طالب بكلية الزراعة بالجامعة اللبنانية وكان عنده فرقة موسيقية. كان يدق غيتار، كان شغفه الأول والآخر الموسيقى. وقت انفقد نصار خبرونا إنو بعد فترة رح يطلع وهو بالسجن،" تقول لنا مي وتضيف: "بقينا عم نسمع هيك أخبار لسنة 1990. بهل سنة حطوا مرة على الأخبار إنو عم ينقلوا مساجين لجنوب لبنان وبيي شاف فيديو وقال "هيدا ابني، هيدا نصار." ونحن من وقتها ما شفنا ولا سمعنا شي. نحن ما بدنا نحاسب حدا ونحن مسامحين العالم كلها. نحن كل شي بهمنا إنو بدنا خينا. بدنا هل إنسان يلي نفقد من بيناتنا. نحن مصدقين انه بعده عايش."

الكل بدو ينسى الماضي، نحن ما بدنا نذكر حدا بالماضي بدنا بس يرجعولنا نصار

ديالا، شقيقة نصار التي كانت مع مي في كل لحظة بحث عن شقيقهم تقول: "الكل بدو ينسى الماضي، نحن ما بدنا نذكر حدا بالماضي بدنا بس يرجعولنا نصار. وهيدا الماضي موجود، لو قد ما بتحاولوا ما فيكن تشيلوا من ذاكرتنا. ذاكرتنا موجودة وطالما نحن موجودين رح نطالب بنصار. ما تقولوا لنا اقلبوا الصفحة، لا ما فينا، طالما ما عنا جواب عن نصار. انشالله بكون وين ما كان، بدنا نعرف؟ مش لأنه أخي، لو مين ما كان يكون لازم نطالب بكشف مصير المفقودين لو مش قرابتنا. هيدا شي ممنوع. انسانيتنا بتفرض علينا إنو نطالب بأجوبة."

لم يكن الحزن الشعور الوحيد الظاهر في نبرة صوت ديالا ومي، بل بدا الغضب واضحًا أيضًا. "من وقت ما نفقد أخي، ما قعدنا ولا لحظة، ولا أنا ولا اختي ولا ماما ولا بابا. لو أي خبر أو مظاهرة أو شي يصير، نحن كنا أول ناس هنيك. صار متل كأنه وظيفتنا: نكون وين ما كان كرمال نصار،" تقول مي.

إعلان

وصف مي وديالا لحالة العائلة بعض أن فقد نصار لم يختلف عن وصف ابراهيم لحالة والديه بعد أن إختفى أخاه علي سنة 1975 في عمر الخامسة عشر. ابراهيم، الذي يسكن في منطقة الرمل العالي في ضاحية بيروت الجنوبية، لم يتجاوز عمره 13 عاماً عندما فقد أخاه، ولكنه يتذكر التفاصيل كأنها حدثت بالأمس.

1539517320937-missng5

ابراهيم (57 عاماً)، شقيق علي.

عند الحديث مع ابراهيم، تتفاجأ بالتفاصيل التي ما زال يتذكرها عن اليوم الذي فقد فيه أخاه علي، كأنها حصلت البارحة. ينتقل للحديث عن علي كأن علي في الغرفة معنا، فهو لا يستخدم الفعل الماضي ويصف الأوقات التي امضاها مع أخاه بتفاصيل دقيقة تنقلك إلى الحياة ما قبل أغسطس 1975، السنة التي فقد فيها علي في أول سنة من الحرب الأهلية اللبنانية.

إذا بلاقوا رفات، أنا بعرف علي من جمجمته وسنانه. هلأد كنا قراب

"عندي أخوة غير علي بس علاقتي أنا وعلي غير. ورغم أني كنت طفل، مش ناسي شي من الحادثة ولا من تفاصيل وجه علي. إذا بلاقوا رفات، أنا بعرف علي من جمجمته وسنانه. هلأد كنا قراب،" يقول ابراهيم. وعن حادثة اختفاء علي، يتذكر إبراهيم ما حدث خلال وجودهم بالنبعة (ضواحي بيروت الشمالية) ومع بداية الحرب، اختبأت عائلة ابراهيم وسكان المنطقة بحي الحسينية. في الصباح، قررت والدة ابراهيم العودة لمنزلهم لجلب بعض الطعام للعائلة وأخذت معها علي. "راحت امي… وأخي راح هو وجوعان. بس راحت أمي أمروا المسلحين بالمنطقة الشباب بالتجمع للتحقيق معهم. أخي كان عمره 15، أخدوه. بيي ركض وراهن وقال هيدا ابني وصاروا يقولوا له، ما تعتل هم رح يرجع."

1539517432342-missing6

صورة علي الذي فقد عام 1975 وكان عمره 15 عاماً.

عائلة إبراهيم لم تتوقف عن البحث عن علي: "دورنا وفتشنا وما خلينا زاوية ما شفناها، وما لقينا شي عنه. حطينا إعلان بجريدة السفير سنة 1976 وقلنا يلي عنده أي معلومة، أي معلومة بأي شكل عن علي، مستعدين نقدمه 25,000 ليرة."

يخبرنا إبراهيم عن قصة أمه بحثاً عن علي: "بتعرفي نهر الموت؟ النهر فوق بيروت؟ كان كله شجر وتراب، كنت إلعب فيه قبل الحرب. ذكروا مرة إنو في جثث كانوا رموهم هنيك فراحت تفتش أمي بالنهر. صارت تقلب الجثث لتشوف إذا أحد منهم علي، في كمان جثة جمعتها وحملتها. مشيت شوي رجعت رجعتها محلها. رجعت على البيت وقالت لنا شو صار. قلتلها ليه تركتي الجثة؟ بركي هيدا أخي؟ قالت لي قلبي ما هتفله، هيدا مش خيك. بدك هوس أكتر من هيك؟"

من وقت فقدنا علي، حياتنا متل شمعة وانطفأت وما معك شي لترجع تولع فيها

طلب إبراهيم الوحيد كما يقول أن يمر قانون الأشخاص المفقودين الذي ينظر مجلس النوّاب اللبناني حاليًا في إمكانية إقراره. هذا القانون في حال اقراره، سيعني تشكيل آلية وطنية ذات معايير إنسانية وموكلة بإعطاء إجابات للأهالي حول مصائر أحبائهم، من خلال إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرياً للتنقيب عن أماكن الدفن واستخراج الرفات المدفونة وجمع البيانات، مركزتها وحمايتها. كما يسرد أحكام عقابية في حال عرقلة أيّ من مراحل جمع المعلومات، تقفي الأثر والتعويض.

"بدنا يمر القانون، بس كرمال نفتش على مقابر،" يقول ابراهيم: "من وقت فقدنا علي، حياتنا متل شمعة وانطفأت وما معك شي لترجع تولع فيها. فا شو بتعمل؟ بتقعد بالعتمة. نحنا بَعدنا بالعتمة. "

تمت هذه المقابلات بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر السلطات اللبنانية. منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على حث السلطات اللبنانية على جميع المستويات من أجل اتخاذ تدابير ملموسة لإجلاء مصير الأشخاص المفقودين والإجابة على استفسارات عائلاتهم.

يمكنك مشاهدة أعمال حبيب صالح على صفحته على انستغرام.