مرأة

الختان.. الجرح الذي يرفض أن يندمل

لم يسمع أحدنا عن أي إجراء بقطع أو كي أو قصف أي عضو من أعضاء الرجال الذين يُخشى أن يكبروا ليغتصبوا ويغووا الفتيات اللاتي يحاول الكل حمايتهن من الرجال بذبحهن
10.4.18

رسوم: فريتس اهلفيلدت/فليكر

حين كنت في نحو العاشرة، أتذكر استقبالنا لإحدى زميلات أمي في العمل ببيتنا، وكان من النادر أن تزورنا إحداهن إلا في حالة تقديم التهاني لتجاوز الأولاد للمرحلة التعليمية هذه أو تلك، لهذا كان الأمر غريبًا، ثم ازداد الأمر غرابة عندما اضطرتني النظرات والهمسات المشحونة لأن أترك الجلسة التي أعلنت زميلة أمي لي بابتسامة مقتضبة بأنها جلسة كبار ولا يصح أن أحضرها. إلا أنني بين واجبات الضيافة المعتادة من تقديم الشيكولاتة و أكواب المياه الغازية وقطع الكيك المنزلي تناهى إلى سمعي عدد من الكلمات التي لم أستطع وضعها في سياق مفهوم يستدعي أسوار السرية التي أحيطت بها حجرة الصالون. كانت أمي تخبر زميلتها بأنه لا حاجة أبدا لإجراء العملية التي يساورها الشك بخصوصها لإبنتها التي لم تكمل عامها السادس بعد، وأكدت أنها لم تجريها لي ولم تجريها أيًا من أخواتها لبناتهن، وأن من لا يزالون يؤمنون بإجرائها إنما هم الجهلة الذين لا يلقون بالاً لتربية بناتهن ويظنون أن ذبحهن سيوفر عليهم وقت ومجهود القيام بأدوارهم كآباء وأمهات.

إعلان

لا أدري لماذا استقرت تلك الكلمات في ذاكرتي دون تزعزع كل هذه السنوات، ربما كان الأمر متعلقًا بهذه السرية التي أحيط بها اللقاء، وربما لأن الأمر كان يتعلق بشيء مؤلم كان سيحدث لي وأعفتني أمي منه، وربما ما جعل تلك الكلمات تمد جذورها داخل تلافيف مخي فتتشبث بها ولا تتركها هو تعبير "ذبح البنات" الذي ورد في سياق الكلام بشكل بدا أكثر تلقائية مما يجب، فلماذا كان يفترض بأمي ذبحي؟ ولماذا جاءت صديقتها لتستشيرها في ذبح ابنتها الصغيرة؟ من الذي يحاول إقناع الأمهات بذبح بناتهن ولماذا توافق الأمهات وتستل كل منهن السكين بكل هذه البساطة؟ لابد أنهم الآباء هم من يجبرن الأمهات على هذا الجرم العظيم. لكني لم أكن أعلم أبدًا بمدى حجم الظاهرة و انتشارها، كان بيتنا مثالاً لبيوت الطبقة المتوسطة في إحدى مدن أقاليم مصر، لا يحمل بأي حال من الأحوال صفة الاستثنائية أو التميز، اللهم إلا أنه كان يضم أب وأم يحاولان أن يوفرا لأبنائهما سبل السعادة دون أن يلقوا بالًا لأحكام المجتمع أو كلام الناس.

ارتفعت الأصوات من الفريقين، فريق المفتخرات بذبحهن لأن فيه طهارة وضمان لحسن سير الفتاة والتزامها بكود المجتمع الأخلاقي والديني، بقطع الجزء الذي يتسبب في إثارتها جنسيًا فيحميها ذلك من الوقوع في براثن الخطيئة

كنت في المرحلة الإعدادية حين ربطت الفعل لأول مرة بإسمه: "الختان." كانت الكلمة تتردد بين بنات الفصل وخاصة صفه الأخير الذي يضم من كن يعتبرن أنفسهن خبيرات بالحياة وكان بقيتنا يتحلقن حولهن لنستقي من خبراتهن التي كن يدعين أنها عميقة. يومها جلست صامتة وأنا أستمع لكل منهن تحكي عن تجربتها المريرة مع طقوس الذبح التي كانت تتلخص في عدة نقاط مشتركة بين كل القصص. في البدء كانت الفتاة تتلقى هدية رمزية كفستان جديد أو رداء منزلي جديد ذو ألوان زاهية، البعض كانت عائلاتهن تؤهلهن لحدث سعيد فارق في حياتهن سيحدث في نفس اليوم حيث ستنضم كل منهن إلى جموع "العرايس" دون شرح وافي عن كيفية الانتساب للفئة المحظوظة، بعدها تأتي الداية أو الحكيمة أو حتى حلاق الصحة، وهنا كانت معظم الفتيات تتوقفن عن الحكي وتعلو وجوههن تعبيرات الألم أو الوجوم، إلا أن تلك التعبيرات لا تلبث أن تختفي سريعًا ويحل محلها إحساس غريب بالفخر لم أجد له أي تفسير. فقط القليلات هن من كن يحكين بمرارة واعتراض، أولئك من كن الأقل حظًا فلم يمررن بأية تحضيرات لطقوس الذبح، لا هدايا ولا مبررات، فقط تأتي امرأة غريبة للمنزل ويتم مناداتهن ليدخلن غرفة مغلقة وفجأة ينقض عليهن الجميع، هذا يقوم بتكتيف يدها اليمنى وهذه تقوم بتكتيف يدها اليسرى، وهؤلاء يقومون بفتح ساقيها بعد تجريد نصفها الأسفل من الملابس، ويبدأ الذبح باستخدام آلة حادة (موس أو مشرط أو سكين قصير) تقطع وتجرح وتنتهك أكثر أجزاء جسم الفتاة حساسية وخصوصية وعرضه للألم.

بعد انتهاء الفتيات من قص قصصهن المفزعة ارتفعت الأصوات من الفريقين، فريق المفتخرات بذبحهن لأن فيه طهارة وضمان لحسن سير الفتاة والتزامها بكود المجتمع الأخلاقي والديني، بقطع الجزء الذي يتسبب في إثارتها جنسيًا فيحميها ذلك من الوقوع في براثن الخطيئة. وفريق الناقمات على ذبحهن اللاتي لم تتعافين أبدًا من صدمة ليلة السكاكين القصيرة، واللاتي سمعن من أخواتهن الأكبر منهن أو صديقاتهن الذين قد تزوجن بالفعل عن نتيجة الذبح التي لا تمنع الإثارة الجنسية للأنثى فقط في حالة خطر وقوعها في الخطيئة، وإنما تمنعها أيضًا بعد زواجها الشرعي و تمنحها عمرًا كاملًا من البرود والشعور بعدم الاكتفاء.

نظرت لي زميلتي نظرة ساخرة تتهمني بالغفلة إن لم يكن بالعبط وهي تخبرني بمرارة أن أمها هي من ألحت على أبيها ليختنها، وأن معظم ليالي الذبح المماثلة لا تتم إلا بمباركة الأمهات وبإلحاحهن

هنا اكتشفت أني أقلية الأقلية، فأنا من القليلات المعترضات على الفعل وإن لم تتعرضن له، وحين جاءت الفرصة وانتحيت بإحدى عضوات فريق الناقمات لأسألها السؤال الذي حيرني لسنوات واعتقدت أنني كنت على وشك أن أحصل له على إجابة: "لماذا لم تعترض أمك على ما عرضه لكِ أبوكي؟" إذ كانت كل الصور التي تحتل ذهني وقت حكي الفتيات يحتل صدارتها أب بوجه قاسِ وشوارب كثيفة وعيون تفيض بكره الجميع وخاصة البنات. وقتها نظرت لي زميلتي نظرة ساخرة تتهمني بالغفلة إن لم يكن بالعبط وهي تخبرني بمرارة أن أمها هي من ألحت على أبيها ليختنها، وأن معظم ليالي الذبح المماثلة لا تتم إلا بمباركة الأمهات وبإلحاحهن. لم أكن قد خبرت بعد نظرة نساء بلدي الدونية لأنفسهن، وإيمانهن التام الناتج عن سنوات وسنوات من غسيل المخ بأنهن يستحققن العقاب والتضييق والألم والوجع. وتشبثهن بتلك الأفكار تشبث مستميت إذا غلفت دونيتهن لهن في غلاف ديني أو شبه ديني أو حتى يشاع أنه ديني، في نفس الوقت الذي يتجاهلن فيه نهائيًا أوامر واضحة للذكور في القرآن والحديث ويربين أطفالهن على أن الأوامر الدينية للفتيات لا يجوز أبدا مخالفتها حتى وإن كانت على سبيل الظن، أما الأوامر الدينية الموجهه للذكور فهي محض اقتراحات، للذكور حرية اتباعها أو تجاهلها تجاهلاً تامًا.

لم أستوعب أبدًا - وحتى الآن - كيف يمكن لأم لا تزال تحمل ذاكرتها كل هذا الألم الذي لم يثبت أنه أفاد حياتها أو حماها يوما من أي خطر، كيف لها أن تُصرّ وتُلحّ و تكرر إلحاق كل هذا الألم بإبنتها الصغيرة التي لا ترى في الدنيا ملاذا أكثر أمانًا من حضن أمها. ما زلت لا أجد تفسيرًا لأسباب قيادة النساء لقاطرة الختان التي دهست في طريقها ما بين 70 و80% من إناث هذا الوطن المبتلى، وأسباب تقديسهن لهذا الفعل المخزي تقديسًا دينيًا رغم عدم وجوده في كافة الدول الإسلامية، فلم يُسمع عن انتشار الختان في السعودية ولا باكستان ولا أفغانستان ولا إندونيسيا ولا غيرها من الدول الإسلامية عربية كانت أو غير عربية، إنما هو تقليد قبلي أفريقي ينتشر بشكل أساسي في وادي النيل ودول مثل مصر والسودان وأثيوبيا، يتضافر مع طقوس أخرى ككي أثداء الفتيات في نيجيريا، وهي قاطرة أخرى تقودهًا أيضًا النساء ممن يؤمن أن كي أثداء بناتهن يحافظ على شرفهن بأن يحميهن من خطر الاغتصاب، ليرسم لنا صورة مفزعة الألوان لحضارات رأت أن المحافظة على ما يطلق عليه شرف العائلة ومحاولة منع وقوع الجرائم الجنسية لفتياتهن الأثيرات، لا يتم إلا بمعاقبة الضحايا المستقبليات المحتملات فقط، دون أي تفكير في محاولة السيطرة مثلاً على الجناة المستقبليين المحتملين، فلم يسمع أحدنا عن أي إجراء بقطع أو كي أو ربط أو قصف أي عضو من أعضاء الرجال الذين يُخشى أن يكبروا ليغتصبوا ويغووا تلك الفتيات اللاتي يحاول الكل حمايتهن من الرجال و شرورهم وغوايتهم، أليس هذا بأمر غريب.

هذا الشر بالتحديد لا يمكننا إلقاء مسئوليته على السلطوية الذكورية والمجتمع المنحاز وقهر الرجال، ففي هذه الحالة بالتحديد لا يتسبب في الغالب بألم المرأة إلا امرأة مثلها، ولا يتسبب في الجرح ويرفض عدم اندماله إلا امرأة

أيكون هو إيمان شعوب دول العالم الثالث والدول "المتدينة بطبعها" الدائم بوجوب المرور بعشرات مراحل العذاب في الأرض حتى يتبوأ أفراد شعوبها مكانهم في الجنة خالصا لا ينافسهم فيه أحد؟ أيكون هو "الزن على الودان" و مئات السنوات من غسيل مخ نساء هذه المنطقة المريضة من العالم على أيادي من يدعون أنهم رجال الله و دينه لتؤمن كل امرأة بأنها سببا لكل الشرور قد آتى نتائجه المرجوة؟ أتكون هي الرغبة الدفينة في أن تمر كل النساء بما مرت به الأم من ألم و إهانة واستباحة قد تفاقمت بداخلها حتى انفجرت في وجه و حياة أقرب الناس إليها: ابنتها.

دونًا عن كل ما يلحق بنساء منطقتنا البائسة من شرور، هذا الشر بالتحديد لا يمكننا إلقاء مسئوليته على السلطوية الذكورية والمجتمع المنحاز وقهر الرجال، ففي هذه الحالة بالتحديد لا يتسبب في الغالب بألم المرأة إلا امرأة مثلها، ولا يتسبب في الجرح ويرفض عدم اندماله إلا امرأة، وياليتها أية امرأة، بل هي أقرب الناس إليها، هي من تحمل بداخلها أكبر مخازن الأرض من الحب والحنان والإيثار المحفوظة فقط من أجل بناتها.. أو هكذا كنت أفترض قبل أن أدرك كم أنا مخطئة.