سينما

مساء سينمائي في السجن

لم أتوقع يوماً أن أشاهد فيلماً سينمائياً داخل السجن ويكون بهذا الصخب الجميل
8.11.18
تونس

المصدر: المكتب الاعلامي لمهرجان قرطاج

لم يخطر ببالي يوماً أن أجد نفسي وبطواعية في طريقي إلى أحد السجون في تونس، بل لا أنكر أن هناك سعادة تملكني منذ صعودي الحافلة المخصصة لنقل الصحفيين المحليين والأجانب الذين حضروا أيضاً لتغطية هذا الحدث. قد تكون زيارة السجون، لا سيما في الدول العربية، أمراً نادراً وقلما يحدث لعدة اعتبارات يطول شرحها، ولكن لعل الأكثر إثارة أننا نزور السجن لنشاهد السينما، لنشارك السجناء مساء سينمائياً داخل فضائهم الخاص.

للعام الرابع على التوالي وفي حركة تبدو غريبة وجذابة في آن واحد، وضمن فعاليات مهرجان قرطاج السينمائي تذهب السينما للسجون في تونس بهدف كسر عزلة المساجين وتعميم هذا الفعل الثقافي ليشمل هؤلاء الممنوعين لأسباب عقابية من الفضاء الخارجي. وبالشراكة بين الإدارة العامة للسجون التابعة لوزارة العدل وإدارة أيام قرطاج السينمائية والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، تم تحويل هذه المبادرة إلى ما يشبه العادة الفريدة من نوعها عربياً وإفريقياً، في خطوة هدفها الأساسي خلق فسحة ثقافية وترفيهية للسجناء المتعطشين لأي نشاط من شأنه أن يخلق أجواء مختلفة تكسر رتابة وروتين أيامهم داخل السجن.

إعلان

انطلق أول عروض مهرجان قرطاج السينمائي في السجون التونسية الأحد الماضي، بعرض فيلم "في عينيا" للمخرج التونسي نجيب بلقاضي في سجن المرناقية وهو أكبر السجون التونسية بحضور 500 سجين وتابعه 5،000 سجين آخر في غرفهم من خلال بث داخلي للفيلم. أما ثاني عروض مهرجان قرطاج في السجون التونسية تم الاثنين بعرض فيلم "سامحني" للمخرجة نجوى سلامة في سجن برج الرومي بمحافظة بنزرت. وقد حضر عرض الفيلم الممثل السوري عابد فهد الذي ناقش مع المساجين دور السينما في تغيير سلوكيات المساجين وإعادة إدماجهم في النسيج المجتمعي. أما أنا فقد حضرت العرض الثالث الذي عرض في سجن مرناق مع فيلم "إلى آخر أيام الزمان."

كانت انطلاقتنا مساء الثلاثاء من مدينة الثقافة على مقربة من شارع الحبيب بورقيبة المشهور، إلى سجن مرناق الواقع بأحد ضواحي العاصمة. ولا شك أن الفرق بين المكاننين شاسع بل إن المقارنة بينهما لا تجوز، فالأولى فضاء كبير تحول إلى حاضنة للأنشطة الثقافية الهامة في البلاد وأبوابها مشرعة لعشاق الحياة، فيها صخب السينما والمسرح والموسيقى والأدب وغيرهم، في حين أن الفضاء الثاني هو حاضنة لمن سلبت حريتهم و"حياتهم" لفترات مختلفة كإجراء عقابي لبعض المخالفات والجرائم يمنعون بناء عليها من الانفتاح على ما هو خارج بعض الجدران التي شيدت خصيصا لهم وأغلقت أبوابها بإحكام أمامهم.

كان الظلام قد خيم عندما وصلنا أمام السجن المعزول نسبيا عن مناطق العمران، شيء من النشوة والريبة اكتنفت الجميع، الصحفيون يلتقطون الصور منذ النزول من الحافلة بعضها لغايات العمل وأخرى لتخليد لحظة قد تبدو فارقة عن غيرها لتقول لآخرين في وقت لاحق "لقد كنا في ضيافة سجن مرناق." وفي الباب وكإجراء أمني روتيني تم التثبت من أسماء الصحفيين الذين تقدموا سلفاً بطلب لحضور العرض داخل السجن وتفتيش الأغراض التي كنا نحملها، والحقيقة لم تكن هذه الإجراءات ثقيلة - ربما لما أبداه أعوان ومسيري السجن من سلاسة في التعامل وترحاب كبير.

1541665816940-aaf2c321-9974-4fe9-afc6-3184c34f501a

بوابة السجن.

مثل هذه الأنشطة قد لا تغير سلوك المساجين بشكل كامل ولكنها تؤثر إيجابياً، هذا عن كونها تندرج في إطار حقهم في الثقافة والرياضة وغيرها كأي مواطن تونسي- عدا سلب الحرية

اجتزنا الباب الأول ثم الثاني فالثالث، حتى بلغنا ساحة قيل لنا أنها الساحة الذي تتم فيه تحية العلم للأعوان يومياً وفيها تم استقبالنا بسجاد أحمر في محاولة لمحاكاة ما يحدث من تقاليد المهرجانات والتظاهرات الثقافية عموماً. ومنها عبرنا إلى ساحة أخرى محاطة بجدران من جميع الجهات طبعاً ولكنها شاسعة وتكفي للقيام ببعض الأنشطة كالرياضة عادة مفتوحة من الأعلى ولكن تم تغطيتها جيداً بسبب العرض السينمائي، هي الفضاء الذي يخرج إليه السجناء بين الحين والآخر للتخلص من ضيق الغرف.

تم وضع عدد كبير من الكراسي خصص القسم الأمامي منها للصحفيين ومخرجة الفيلم والمنتجة وبعض إطارات السجن العليا فضلاً عن التقنيين التابعين لأعوان السجن أيضا الذين توسطوا المكان للإشراف على العرض، فيما الصفوف الأخرى خصصت لما يقارب 200 سجين. على دفعات دخل السجناء القاعة وأخذوا أماكنهم، وبنظرة فاحصة سريعة تبين أن الغالبية الساحقة من الشباب، بل ولم يبدو عليهم ما يوحي أنهم سجناء. وجدتني أشفق عليهم وأتوهم أن بعضهم أو الكثير منهم هنا لأخطاء بسيطة، ربما لحظة طيش غير محسوبة جاءت بهم وكان بالإمكان التعاطي معها بشيء آخر غير الحبس، وخواطر أخرى.

إعلان

ولدى سؤالي لمدير سجن مرناق العقيد صلاح الدين البدروني عن المقاييس المعتمدة في اختيار السجناء الذين سمح لهم بحضور العرض لأن القاعة لا تتسع لكل النزلاء، أوضح أن حسن سلوك السجين هي المقياس الأساسي في اختيارهم فضلًا عن اختيار البعض الآخر ممن قضوا فترات طويلة داخل الحبس. وتعهد بأن يتم عرض الفيلم داخل الغرف مباشرة بعد خروجنا عن طريق أجهزة التلفزيون الموجودة هناك. وأضاف: "مثل هذه الأنشطة قد لا تغير سلوك المساجين بشكل كامل ولكنها تؤثر إيجابياً، هذا عن كونها تندرج في إطار حقهم في الثقافة والرياضة وغيرها كأي مواطن تونسي عدا سلب الحرية التي يخسرها طبعاً في إطار العقوبة التي أودعته السجن."

وأشار البدروني إلى أنه اختيار بعض السجناء الجزائريين لأن الفيلم كان جزائرياً، كمحاولة لتقريب هؤلاء من شيء يتعلق ببلدهم. تقدم مدير السجن وممثل مهرجان قرطاج السينمائية وممثلة منظمة مناهضة التعذيب ومخرجة الفيلم بكلمة للمساجين قبل العرض التقت في مجملها حول أهمية إدخال السينما والثقافة عموما للسجون وأمنياتهم بأن يقضي المساجين أمسية طيبة.

ابتدأ العرض بالفيلم الجزائري بعنوان "إلى آخر الزمان" بحضور المخرجة ياسمين شويخ والمنتجة كريمة شويخ. أحداث الفيلم دارت حول عجوز قضى كل حياته بين القبور يغسل ويدفن الموتى حتى قدوم سيدة لزيارة قبر أختها ثم المكوث في منزلها، لتتغير حياة الرجل الذي لم يطرق الحب قلبه لسنوات طويلة لكنه وفي هذا العمر المتأخر أصابه العشق حتى أنه طلب الزواج منها لكنها رفضت لأنها لا تريد العيش بين الموتى. هذا الرفض أثار حفيظة الرجل وجعله يتمرد ويرحل بحثاً عن الحياة التي لم يبصرها لسنوات طويلة.

1541665706332-c8c2dbb7-4123-4d6b-888a-2085ef995845

السجناء يشاهدون الفيلم الجزائري "الى آخر أيام الزمان"

1541669364391-

وسط- ياسمين شويخ، مخرجة فيلم "الى آخر أيام الزمان."

الأجواء لم تكن تشبه كثيرا قاعة سينما حتماً، ولهذا كان التفاعل مع أحداث الفيلم محاكياً لهذا الفضاء. فقد تخلل العرض لقطات طريفة قابلها المساجين بالضحك والتهكم بأصوات مرتفعة في بعض الأحيان، وبالدعابة والتصفيق الجماعي أحياناً أخرى. أما المشاهد التي رافقتها بعض الموسيقى الجزائرية الإيقاعية فقد حركت السجناء، إذ بدأوا بالتصفيق والتمايل على الكراسي والمزح لتصل إلى حد الرقص. فقد ترك بعضهم أماكنهم دون أن يبتعدوا كثيراً ورقصوا في مجموعات صغيرة خاصة في ختام الفيلم حيث استمرت الموسيقى بعض دقائق.

المشهد برمته أظهر كم أن هؤلاء المساجين في حاجة إلى مثل هذه الفسحة لكسر روتين السجن القاتل، كم أنهم في حاجة للمرح للضحك للموسيقى للرقص للحرية. انتهى العرض وجاء وقت النقاش بين المساجين ومخرجة الفيلم ياسمين شويخ. توسطت المخرجة برفقة مدير السجن والجهات الراعية للتظاهرة القاعة وأعطيت الكلمة للمساجين.

1541665942946-7c32abf7-7347-4f20-8afd-3e53383db5e6

العرض السينمائي داخل سجن مرناق.

البعض من أعرب عن إعجابه بقصة الحب التي طرحها الفيلم بطريقة طريفة أثارت ضحك المساجين، فيما انتقد أحد المساجين الجزائريين الترجمة الفرنسية، وأعرب جزائري آخر عن سعادته لمشاهدة فيلم جزائري أعاده إلى بلاده وهو في سجن تونسي، فيما انتقد سجين آخر اختيار العرض معتبراً أنه نخبوي في حين أن أغلب السجناء ذوي مستويات متوسطة وضعيفة قد تكون أدنى من أن تفهم جوهر الفيلم وأنه كان الأجدر اختيار أفلام ذات طابع فكاهي وملاحظات أخرى تراوحت بين الجد والهزل.

بعد هذا الصخب الجميل الذي حدث داخل الساحة المغطاة التي احتضنتنا حان موعد الخروج، كنت آخر المغادرين عمداً، بدأ السجناء الذي كانوا قبل قليل في كامل صخبهم يعودون إلى هدوئهم، هدوء الجدران والأبواب المغلقة، عدا بعض الأصوات التي كانت تقول لي "تصبحين على خير." بعد خروجي من السجن، شعرت بالحزن والسعادة في آن واحد، سعدت لأنه تسنى لي دخول السجن في ظرف لا يشبه غيره أن أشاهد السينما بكل ما تعنيه من حياة وحرية وجمال داخل السجن بكل ما يعنيه من انغلاق وكبت وبشاعة أيضاً. وكنت حزينة وأنا استحضر وجوه المساجين كم من الوقت تبقى لكل منهم حتى يعانق الحرية مجدداً؟ حتما هم أو على الأقل غالبهم مذنبون ولكن في داخلي ما يشبه اليقين يقول لي هم أيضاً ضحايا.

جميع الصور من المكتب الاعلامي لايام قرطاج. تم منع الصحفيين من تصوير السجناء.