مجتمع

مبادرات وقوانين لحماية اللغة العربية، هل تصبح حلاً؟

لا تزال علاقة العربي بلغته الأم "مُعقدة" بين من يرى أن المستقبل للعامية وبين من يشدد على ضرورة حماية اللغة من التدهور والإهمال
نسمة فرج
إعداد نسمة فرج
19.12.18
عربية

فليكر

كعادة أي مواطن يقضي معظم ساعات يومه في المواصلات بين مترو الأنفاق والكباري المزدحمة، وللقضاء على الساعات الطويلة داخل المواصلات أقوم بقراءة لافتات المترو، التي عادة ما تكون مليئة بالأخطاء اللغوية كما حال الإعلانات الموجودة أعلى الكباري. الأمر لم يقف عند لافتات المترو والمحلات، فهناك بعض السياسيين العرب وقعوا في أخطاء لغوية لعل أشهرها في سبتمبر العام الماضي، عندما وقع عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية والمرشح الرئاسي المصري الأسبق، فى أخطاء إملائية كارثية، عند كتابة آية قرآنية عبر حسابه على تويتر.

أمس الثلاثاء الموافق 18 ديسمبر احتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية، بحسب ما قررته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، ووبينما يحتفل فيه العالم بهذه اللغة - التي احتلت المركز الخامس بين أكثر اللغات انتشاراً، و يتحدثها حوالي 250 مليون من سكان العالم - لا تزال علاقة العربي بلغته الأم "مُعقدة" بين من يرى أن المستقبل للعامية وبين من يشدد على ضرورة حماية اللغة من التدهور والإهمال. حاولت بعض الدول معالجة هذا الأمر بسن قوانين مثلما فعلت المملكة الأردنية الهاشمية التي سنت قانوناً لحماية اللغة العربية وضمان مواكبتها للتطورات الحضارية، على الرغم من إعتراض البعض على بعض النقاط وفكرة فرض اللغة بقوة السلطان. في مصر، يتم حالياً مناقشة مشروع قانون للنهوض باللغة العربية وحمايتها، قدمته سولاف درويش عضو البرلمان المصري في أكتوبر الماضي، وفقا لنص الدستور فى المادة (2) منه والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع،" ويتضمن المشروع معاقبة غير الملتزمين باستخدام اللغة العربية وفقاً لأحكام القانون بدفع غرامة تصل إلى 10 آلاف جنيه. المضحك المبكي في الموضوع، هو أن معظم نواب البرلمان المصري لا يتقنون العربية الفصحى، وكان رئيس البرلمان المصري في عام 2016 قد أثار سخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب وقوعه في أخطاء لغوية ونحوية كثيرة - ذلك قبل أن يتم إصدار قرار بمنع بث جلسات البرلمان المصري على التليفزيون.

وعن هدفها من تقديم هذا القانون، قالت درويش في حدث خاص لـ VICE عربية: "أن قوة القانون ستحمي اللغة العربية وخاصة أن مواده تلزم بضرورة استخدام اللغة العربية في كافة المجالات والوزارات والعلامات التجارية، مع وجود اللغة الإنجليزية ولكن بخط أصغر. كما سيتم تغيير أسماء الشوارع التي تم تسميتها بأسماء أجنبية، وكذلك لافتات المحلات التي تكتب غير اللغة العربية، وكذلك سيتم تعيين مدقق لغوي في كل مؤسسات الدولة."

لا يمكنك أن تجبر أحدًا على التعامل بلغة لم يتعلّمها بما يكفي ..مناهج اللغة العربية في المدارس والجامعات ضحلة، وطرق التعليم عقيمة، فكيف تطالب مَن يتلقى كل هذا الإهمال بأن يكون مُجِيدًا للغة العربية؟

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إعداد مقترح قانون لحماية اللغة العربية، في أكتوبر 2017 أعد مجمع اللغة العربية، قانوناً شبيهاً للعرض على مجلس الوزراء المصري، لكن الأمر توقف ولم يحدث جديد حتى الآن. وقد أصدرت عدد من دول العالم قوانين مشابه لحماية اللغة الأم مثل روسيا وفرنسا وإيران وغيرها، تركز بشكل عام على استخدام اللغة الأم في جميع المطبوعات الحكومية الرسميّة وأماكن العمل والمدارس الحكومية، إضافة الى إلزام المؤسسات والشركات باستخدام لغة البلاد الأصلية في الإعلانات التجارية والمواد الترويجية.

ولكن هل هذه القوانين والمبادرات ستحمي اللغة العربية في الوقت الذي فقدت فيه رونقها وضرورتها، فيما ينظر الى اللغة الانجليزية بأنها المستقبل؟ للإجابة على هذا السؤال، تحدثت مع عدد من الأشخاص الذين أسسوا مبادرات فردية لتعليم اللغة وتصحيح الأخطاء بطرق مبسطة على مواقع التواصل الإجتماعي، ومنهم الشاعر المصري محمود موسى، مؤسس صفحة "كبسولات لغوية" وهي من الصفحات الشهيرة على موقع فيسبوك لتعليم اللغة العربية بأسلوب مٌبسط وسهل. يقول موسى لـ Vice عربية: "أن حماية اللغة العربية تحتاج الى دعمها من خلال مبادرات فردية قبل أن نشرع لها قانون ويصبح هناك عقوبات وغرامات،" ويضيف: "على سبيل المثال لابد أن يتعرض الطفل منذ الصغر لأعمال فنية تنطق اللغة العربية بشكل سليم، كذلك مذيع النشرة والمُعلم لابد أن يخضع لاختبارات اللغة العربية ويجتازها. الكليات التي تخرج أساتذة لغة عربية لابد أن يكون لديها إختبار قدرات بدلا من التركيز على المجموع فقط، لأنه بالنهاية سيطل علينا مُعلم يدرس التلاميذ لغة غير متمكن منها."

الشاعر محمود عبد الرزاق جمعة، مؤسس صفحة "نحو وصرف" يتفق مع موسى بأن القوانين لا تحمي اللغة، ويصف مشروع القانون المعروض في مجلس النواب المصري بأنه "عبث محض" ويضيف: "لا يمكنك أن تجبر أحدًا على التعامل بلغة لم يتعلّمها بما يكفي، ولم تكُن لغته الأولى، لأن اللغة الأولى للمصريين هي اللغة المصرية/العامية، ومناهج اللغة العربية في المدارس والجامعات ضحلة، وطرق التعليم عقيمة، فكيف تطالب مَن يتلقى كل هذا الإهمال بأن يكون مُجِيدًا للغة العربية؟ الأحرى أن يعاقَب بهذا القانون أساتذة مجمع اللغة العربية الذين حوّلوا المجمع من نشر العلم إلى الكهانة."

المصحح اللغوي حسام مصطفى إبراهيم صاحب مبادرة "أكتب صح" يقول لـ VICE عربية أن مقترح القانون في حد ذاته "شيء جيد" لدق ناقوس أن اللغة العربية في خطر، لأن المبادرات تظل فردية وفي حاجة إلى جهود مجتمعي ودعم من الدولة ومؤسساتها. ويقترح ابراهيم استخدام مصحح لغوي بدل توقيع الغرامات المالية على استخدام اللغة بشكل خاطئ كما تقترح عضو البرلمان سولاف في مشروع القانون ويشرح ذلك بالقول: "أقترح أن تكون الغرامة تعليمية، على سبيل المثال المؤسسات التي تصدر بحقها أي مخالفة لغوية يجب أن تُلزم بالاستعانة وتعيين مصحح لغوي أو مُعلم لغة عربية، وبهذا تنتصر الجدوى الإقتصادية لمُعلم اللغة العربية." ويشير إبراهيم إلى أنه قام مؤخراً بعمل مبادرة لتصحيح الأخطاء اللغوية في لافتات محطات مترو الأنفاق في مصر، "هذه اللافتات تقع عليها عيون 3،5 مليون راكب يوميًا، وبالتالي تصبح جزءاً متأصلاً من ثقافته، وهو ما يشوه اللغة الجميلة مع الوقت."

لا يزال هناك جدال كبير بين يحذر من "تدهور" اللغة العربية وربما انقراضها، فحسب منظمة اليونسكو، هناك تختفي اللغات الأم بواقع لغتين أسبوعياً، وقد لا تكون العربية الفصحى محصنة من هذا المصير، في الوقت الذي تشهد تراجعاً داخل البلدان الناطقة بها، لعدة أسباب لها علاقة بالتعليم السيء وضعف إعداد المعلمين وعدم قدرتها على متابعة التطور بباقي اللهجات المحكية، إضافة الى النظرة "الدونية" أحياناً لمن يتحدث العربية بدلاً من الأنجليزية أو الفرنسية. ولكن على الرغم من بعض الدعوات لتغليب العامية على الفصحى، لا يزال هناك رفض كبير للسماح للفصحى بالزوال. على الرغم من كل تلك الأخطاء اللغوية والنحوية وعلى الرغم من عدم معرفتنا الكثيرين بالمفعول والمجرور وغيرها من القواعد، إلا أن الجميع متفق على جمال اللغة، ولا نزال نشعر بالغضب في كل مرة نشاهد لافتة أو إعلاناً مكتوب بعربية غير سليمة. من المسئول عن كتابة هذه اللافتات، وما الذي يمنع من عرضها على مصحح لغوي؟ اسئلة كثيرة ولا إجابات شافية.