نشرت هذه المقالة في الأصل على VICE أستراليا
ما زال رعب الهجوم الأخير على مانشستر متّقداً. تعرَض الكثير من الأطفال لإصابات حرجة أقعدتهم في المستشفيات، في حين عاد الآلاف إلى بيوتهم ذاك المساء، بعدما كانوا شهوداً على العنف والموت. وقد تلازم ذكريات الهجوم عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال وتبقى معهم مدى الحياة.
تشير الأخصائية النفسية شوشانا ليونز، المديرة في مركز بيكون هاوس العلاجي المختص بالتعامل مع الصدمات، إلى أنّ الأثر الأوّلي لهجوم إرهابي على الطفل يكون عميقاً. "لحظة خروج الأطفال من دائرة الخطر المحدق، ستمر أجسامهم وعقولهم بمجموعة من المشاعر الجياشة – من الخدر والصدمة إلى الغضب العارم، والخوف واليأس". الأطفال الصغار بعمر 5 سنوات يظهرون علامات قلق ما بعد الصدمة عقب وقوع هجومٍ إرهابي، بما في ذلك من وساوِس، وكوابيس، وشعورٌ دائم بالخطر. كما يصبح الأطفال والمراهقون متعلّقون بالأهل بشكل متزايد، ويخشون الانفصال عنهم، في محاولتهم لاستعادة الشعور بالأمان بأسرع وقتٍ ممكن.
في المتوسط، سيعاني ثلث الأطفال الذين يشهدون هجوماً إرهابياً من اضطراب ما بعد الصدمة لفترة طويلة الأمد، علماً أنّ الأعراض تكون أكثر حدّة لدى الأطفال الذين يفتقدون لدعمٍ عائلي.
بالنسبة للأطفال الذين يمرّون بتجربة اضطراب ما بعد الصدمة، توضح ليونز أنّ ذكرى الهجوم تعلق في "وقت حدوث الصدمة"، فلا يعود الطفل قادراً على تحديثها بمعطيات جديدة، ليدرك أنّه أصبح الآن آمناً. وتضيف: "الأطفال الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة معرّضون للإصابة بهبوط في المزاج، وفقدان الثقة بالنفس، وصعوبات في التعلم، ومشاكل في العلاقات. يصيرون غير قادرين على إيجاد الشعور الداخلي بالأمان، وعليه يتصرّفون ويشعرون كما لو أنّ الخطر على وشك الحدوث". وتضيف بأنّ احتمال معاناة الأطفال من الضحايا المباشرين لهجوم إرهابي تزيد على المدى الطويل، عند مشاهدتهم تغطية تلفزيونية ضخمة للحدث، وذلك أمر لا مفرّ منه عقب حدث مثل الهجوم على مانشستر مثلا.
لا يقتصر تأثير التغطية الإعلامية للجمات الإرهابية على ضحاياها من الأطفال، بل يمتدّ أيضاً إلى الأطفال الذي يشاهدونها على التلفاز، إذ أنّها قد تكون المرّة الأولى التي يضطرون فيها لمصارعة مفاهيم العنف والموت. توضّح ليون: "الأطفال الذين لم يشهدوا الحدث، لكنّهم علموا به عبر التغطية الإعلامية، يمكن أن يعانوا من الخوف، القلق، مشاكل النوم، والخشية على سلامتهم وسلامة والديهم. يكون الأطفال الأصغر أكثر هشاشةً وعرضةً لتأثير الصور الصادمة لأنهم يفتقدون للقدرة الإدراكية اللازمة لفهم ما يرونه".
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجدت دراسةٌ أجريت على تلاميذ مدرسةٍ في لندن، بأنّ 15 بالمئة ممن شملتهم هذه الدراسة، عانوا من خلل في وظائفهم الدماغية حتى بعد مرور شهرين على الهجمات. وتوثّق دراساتٌ من حقبة الحرب الباردة زيادةً مشابهةً في مستويات القلق لدى الأطفال بسبب تعرّضهم لتغطية الإرهاب، الحرب، والكوارث على التلفاز وغيره من أشكال الإعلام.
لحسن الحظ، هناك طرقٌ نستطيع من خلالها أن نساعد الأطفال الذين تأثروا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بهجومٍ إرهابيّ. توضح الطبيبة وأستاذة علم نفس أمراض النمو في جامعة باث سارة هاليغان، أنّه من المفيد بعد الهجوم أن تترك الاطفال يتحدثون عما شاهدوه. تقول هاليغان: "صحيح أنّه من الجيد أن نترك الأطفال يقررون ما الذي يريدون مشاركته، من المهمّ أيضاً أن نوضح لهم أن لا ضير في الكلام عن الأحداث السيئة".
ولأولئك الذين يمرّون بمشاكل نفسيةٍ مهمّة أو مستمرّة بعد أن يشهدوا هجوماً إرهابياً، هناك طرقٌ علاجيةٌ مثل العلاج الإدراكيّ السلوكيّ المركز حول الصدمة. تقول ليونز: "تساعد العلاجات النفسية الطفل ليقوم باستيعاب الذكرى الصادمة وفهم كلّ ما حدث. كلما عرض العلاج على الطفل باكراً، كلما كان التعافي أسرع وكلما استطاع العودة للاستمتاع بالحياة من جديد".
إن كنت تعرف أطفالاً يواجهون صعوبةً في مشاهدة الأخبار، فأفضل ما يمكنك فعله هو التحدّث إليهم، اسمح لهم بطرح الأسئلة وحاول أن تذكّرهم بأنّ هذا النوع من الهجمات يظهر على الأخبار، لأنها نادرة للغاية. ينصح الخبراء بعدم محاولة منع الأطفال من متابعة الأخبار، الأفضل لهم أن يشاهدوا ما يحدث في العالم بحضور شخصٍ بالغ وأن يكونوا قادرين على طرح الأسئلة في بيئةٍ آمنة.
ولكن حتى باستخدام العلاج الإدراكيّ السلوكيّ، والتربية الجيدة، علينا الاعتراف بأنّ الأثر المترتب على هجمات مانشستر لن يصيب أولئك الذين كانوا ضحايا للعنف المروّع فقط، بل سيطال أيضاً الصحّة العقلية لكلّ من حضر الحفلة، وللأطفال حول المملكة المتحدة.