أمازيغيات تونس.. الحب في زمن العنصرية

فتاتان بالأزياء الأمازيغية التقليدية

تونس

أمازيغيات تونس.. الحب في زمن العنصرية

رَفضْ العديد من العائلات التونسية تزّويج أبنائها بـ "أمازيغيات" والعكس، يُحطّم علاقات الحب المُختلط بين العرب والأمازيغ
30.4.18

آمال فتاة تونسية تبلغ من العمر 38 سنة قررت أن تبقى عزباء وأن تتخلى نهائيا عن فكرة الزواج، بعد أن تبرّأت عائلة حبيبها منه بسببه رغبته في الارتباط بها، كونه تونسي غير أمازيغي. تقول آمال أن ذنبها الوحيد أنها "أمازيغية"، مشيرة إلى الضغوط التي تعرض لها حبيبها، ليس فقط من عائلته، بل من جيرانه وأقرانه، حتى أنهم سخروا منه لأنه قرر الزواج بها، ووصلت تلك الضغوطات إلى حد تهديده من قبل عائلته بالحرمان من الميراث حال أصر على الزواج منها.

إعلان

بعيينين تائهتين يبدو أنهما فقدتا كل معاني الحياة، تنظر آمال إلى زاوية بيتها الصغير الذي استقبلتنا فيه وكأنها تسترجع شريط ذكرياتها مع حبيبها الذي أفقدتها إياه تعاليم المجتمع وقيوده، وتواصل حديثها لـ "Vice عربية": "كان أول لقاء جمعني به في كلية الآداب بمنوبة، حين انتقلت من جربة إلى العاصمة تونس لمواصلة دراستي في اللغة الإنجليزية، وآخر لقاء جمعنا كان هنا في منزلي، قبل أن تطرده عائلتي لأنه جاء لخطبتي وحيدًا دون أهله".

الغريب أن آمال لم تكن الأمازيغية الوحيدة التي تصطدم بالنظرة السلبية لجانب من العائلات التونسية التي ترفض أن تكون النصف الآخر لأبنائهم، وشريكتهم في الحياة، بقطع النظر عن الاختلافات الأيديولوجية، فالسلطة الكبيرة للعائلة على الأبناء، كثيراً ما جعلتهم يضطرون للرضوخ لرغبات آبائهم، ويقبلون بالمصير الذي اُختير لهما تحت دعوى العرق الواحد والأصل المشترك.

أمازيغية تحمل العلم الامازيغي يتوسطه حرف "الياز" ويلخص وحدة الأرض واللّغة

ولا يزال الارتباط والزواج المختلط بين العرب والأمازيغ في تونس يثير الكثير من الحساسيات نظراً لعوامل مختلفة أهمها ما يعتبره جانب من الأمازيغيين بالمقابل تمسك بتقاليدهم ولهجتهم ونقاء نسلهم.

من هم الأمازيغ؟
الأمازيغ أو البربر هم السكان الأصليون في الشمال الأفريقي، إذ ينتشرون في مساحة تمتد من برقة وواحة سيوة على مشارف مصر شرقًا، حتى سواحل المحيط الأطلسي غربًا، وعلى امتداد الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي حتى مالي والنيجر جنوبًا. وتعني كلمة "أمازيغ" الإنسان الحر النبيل، وقد وردت كلمة أمازيغ في النقوش المصرية القديمة وكذلك في المؤلفات اليونانية والرومانية.

أمازيغية ترتدي لباس "العروس" في تقاليد الثقافة الأمازيغية

رفض مضاد
وتختلف حكايات إنهاء الزواج لدى الأمازيغ غير أن الأسباب واحدة، فـ "سلمى" أو كاهنة الطالبي، الثلاثينية الأمازيغية، وعضو الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، ترفض الارتباط بأي شخص يرفض أيديولوجيتها وأصولها الفكرية، وهي التي تخلت عن خطيبها لمجرد أنه حاول أن يفرض عليها الدفاع عن القضايا العربية التي تعتقد أنها "لا تهمها في شيء "لأنها ببساطة تونسية وليست عربية"، مثلما كررت خلال مقابلتها معنا.

إعلان

ومن فرط تشبثها بأصلها الأمازيغي ترتدي سلمى، التي تطلق على نفسها اسم كاهنة، قلادة تلازمها في كل الأوقات، وجميع المناسبات تحمل عبارة "الكاهنة". والكاهنة هي الشخصية الرمز لدى الأمازيغ، عُرفت بشجاعتها، وحكمت شمال أفريقيا لمدة 35 سنة، وقادت عدّة حملات ومعارك ضد العرب في سبيل استعادة الأراضي الأمازيغية في أواخر القرن السادس ميلادي.

وتؤكد كاهنة أن جانب من العائلات الناطقة باللغة الأمازيغية، مازالوا يرفضون من جانبهم أيضًا تزويج بناتهم من الناطقين باللغة العربية، لأنهم يعتقدون، أن بناتهم لن تحظى بالتقدير والقيمة التي تحظى بها في عائلتها.

العلم الامازيغي بين يدي كاهنة الطالبي خلال احتفالات عيد الربيع

وتمتنع بعض العائلات الأمازيغية عن تزويج بناتها من شباب عربي، كآلية للحفاظ على لغتهم وخصوصيتهم، وثقافتهم، وعدم نشر خصوصياتهم في باقي المناطق التي لا تعترف بهم، ولضمان عدم تحفيظ لغتهم للغرباء حسب اعتقادهم، حتى أن بعض الأمازيغ يعتبرون زواج أمازيغية بـ"تبيت" أي غريب جريمة في حق لغتهم.

تقول كاهنة إن الأمازيغ لا يعترفون بما يُطلق عليه لدى العرب بـ"المهر"، لأن المرأة بالنسبة لهم لا تُقدر بثمن، بالتالي حصرها في قيمة مادية معينة، هو تحقير لها"، وتضيف أن "البنت لدى العائلة الأمازيغية مخيرة عن الابن عكس المشارقة"، موضحة أنها تتجنب الاقتراب عاطفياً من العرب لأن الرجل العربي برأيها تحكمه أفكار قد تعيق حريتها.

وقلّ ما اقتنعت أمازيغيات أخريات بالتضحية من أجل الحب، ودافعن عن فكرة حبهنّ، منهنّ أمينة التي قالت أنها لم تتنازل عن زوجها ذي الأصول العربية رغم معارضة عائلتها التي حاولت إقناعها أنّ مثل هذا الزواج سيكون مآله الفشل ما دام بغير رضا الأهل بحسب وصفها.

وأصرّت في النهاية على الزواج، وتعتبر زواجها قد صمد ونجح للسنة السادسة، وأن شيئًا وحيدًا مازال يزعجها وهو انقطاع علاقتها بعائلتها وعائلة زوجها بسبب رفضهما إتمام الزيجة من البداية.

إعلان

الوشم ثقافة
في الطرف الآخر من قصص الأمازيغيات مع عاداتهن، أسرفت أحلام 24 سنة في تمجيد تقاليد الثقافة الأمازيغية التي يأتي الوشم في مقدمتها، (الوشم على الجبين والخدين خاصة). لا تؤيد أحلام هذه الطقس كثيرًا، وتعتبره عادة قديمة تجاوزها الزمن الذي جاء بطرق حديثة ومتطورة للتجميل، غير أنها كشفت لنا عن وشم صغير على معصمها يبدو أشبه بعلامة "+" ، واستطردت قائلة: "هذا طبعًا ليس رمز الصليب كما يظن الجميع، فنحن نقصد به امرأة كاملة الأنوثة والجمال، ويعني في الحقيقة حرف "التاء" في الأبجدية الأمازيغية وهو مستلهم من كلمة "تامطوت"، التي تعني الأنثى الجميلة.

وأضافت أنها اختارت رسمه على معصمها حفاظَا على تقاليدها الأمازيغية فقط، لكنها في الواقع ترفض كليًا فكرة وضع الوشوم، حتى في مراسم الزواج، وتحبّذ استبدالها بالحناء.

موقف أحلام يشاطره جانب من الأمازيغيات الشابات، رغم أن الوشم كزخارف وعلامات ورموز زينة، تضاهي أحرف التيفيناغ باللون الأخضر أو الأزرق، وتزين به وجهها بشكل فاتن أو عنقها ومناطق أخري من جسدها، ويعتبر الأمازيغ أن الوشم بالعربية أو تكاز بالأمازيغية ليس مجرد متعة وزينة استعملتها المرأة الأمازيغية في زمن معين فقط بل إن لهذا الوشم ارتباط عميق بما هو هوياتي وسوسيولوجي، وكان كفيلاً بصناعة لغة جسد تخاطب الآخر ببلاغة تامة.

كما يعتقد الأمازيغ أن الوشوم تبعد الأرواح الشريرة ويتبطل السحر، وتبعد الفقر والبؤس، عن طريق الرسوم والرموز التي توضع بدقة متناهية، ويحمل كل منها دلالة أو غرض من الأغراض سالفة الذكر.

وتقول أحلام إنها لا تزال غير واثقة من مستقبل علاقتها مع صديقها العربي "أيوب"، لأنّ عائلتها ترفض هذا الارتباط، لكنّها تصر على أن تقنع أسرتها بأنها لن تتخلى عنه حتى لو اقتضى الأمر الهروب والزواج دون حضور العائلتين. وقالت أحلام إنها تحزن بسبب الأفكار الخاطئة التي تحملها بعض الأسر العربية عن الأمازيغيين، وتابعت: "بعضهم يعتبرنا انفصاليين وأقلية ضالة".

إعلان

الحريّة للمرأة في تونس عدا "الأمازيغية"
وبالرغم من أن تونس قد قطعت أشواطًا في مجال حرية المرأة وتحررها منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956،وتصدرت المراتب الأولى عربيا في هذا المجال، إلا أن هذا الكم الهائل من المكاسب يستثني المرأة الأمازيغية، التي ظلت تواجه الكثير من التحديات.

وكان ذلك واضحًا، من خلال امتناع أغلب المختصين في علم الاجتماع، وفي التاريخ من الخوض في الموضوع، خوفًا من الانتقادات اللاذعة التي تصل حد الشتم، لكل من يتجرأ لطرح مثل هذه المواضيع في تونس. كما طلب أغلب من تحدثن إلينا عدم الكشف عن هويّاتهنّ، واخترن أسماءًا مستعارة، خوفًا من نظرة المجتمع، وردة فعل العائلة.

من جانبه، يقول جلال التليلي، المختص في علم الاجتماع في تصريح أن ما تتعرض له الأمازيغيات في تونس يبين أن ثقافة التمييز العنصري مازالت سائدة.

وأضاف التليلي أن تونس رغم أنها ليست من المناطق التي يوجد فيها تنوع عرقي أو صراع بين السنة والشيعة، غير أن التنوع اللغوي بين الأمازيغ والعرب خلق فجوة في مضمون الحريات والمكاسب التي حققتها المرأة. وأشار المختص في علم الاجتماع إلى أن روابط التواصل تتطلب ضرورة حماية حقوق الأمازيغيات في تونس والعمل على إدماجهنّ في المجتمع بعيدًا عن ثقافة التمييز العنصري.

ويدعم عبد الجليل التميمي، المختص في التاريخ ذلك، ويضيف أن السياقات التاريخية للمرأة الامازيغية والظروف التي أحاطت بها تجعلها امرأة متمردة تدافع عن لغتها وهويتها وجذورها التاريخية. وأكد التميمي على ضرورة أن تراعي السلطة التونسية حريات الأمازيغيات وتضمن حقوقهن باعتبارهن جزء من حضارة وتاريخ البلاد.